شبه جزيرة سيناء.. عبقرية المكان
د . أسامة فاروق مخيمر
سيناء بوابة مصر الشرقية والشاهدة على تاريخ مصر في كل العصور, وهي خط الدفاع الأول وطريق الأنبياء وحلقة الوصل بين قارة أفريقيا وآسيا, وهي معبر حضارات نهر النيل ونهري دجلة والفرات. ذكرها الله سبحانه في القرآن الكريم, وعلى أرضها المباركة كلّم الله موسى. عبرها الخليل إبراهيم أبو الأنبياء, وعبرها السيد المسيح وأمه مريم ابنة عمران عليهما السلام, فهي أرض مباركة إلى قيام الساعة.
تقع شبه جزيرة سيناء (يُطلق عليها أرض الفيروز) في الجزء الشرقي من مصر، يحدها شمالًا البحر المتوسط، وجنوبًا البحر الأحمر وخليج العقبة، ويحدها من الغرب خليج السويس وقناة السويس، أما من الشرق فيحدها خليج العقبة وقطاع غزة وصحراء النقب.
تبلغ مساحة سيناء نحو 61 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل نحو 6 بالمائة من جملة مساحة مصر، وتنقسم إداريًّا إلى محافظتين: شمال سيناء وعاصمتها العريش، وتقع على ساحل البحر المتوسط، وجنوب سيناء وعاصمتها الطور (الطور تعني الجبل، فنقول طور سيناء)، ومن أهم مدنها: طابا وشرم الشيخ ونويبع. وتستحوذ سيناء وحدها على نحو 30 بالمائة من سواحل مصر، حيث تحاط بالمياه من أغلب الجهات: البحر المتوسط من الشمال (بطول 120 كيلومترًا)، وقناة السويس من الغرب (160 كيلومترًا)، وخليج السويس من الجنوب الغربي (240 كيلومترًا)، ثم خليج العقبة من الجنوب الشرقي والشرق (150 كيلومترًا).
وتنقسم سيناء إداريًّا، كما ذكرنا، إلى محافظتين، وهما شمال سيناء في الشمال وجنوب سيناء في الجنوب، وتمتاز المنطقة الشمالية التي تشكل ثلثي سيناء بأنها هضبة كبيرة تنحدر من مرتفعات تصل ارتفاعها إلى حوالي 900 متر نزولًا نحو البحر المتوسط، ويتكون هذا القسم من سهول وادي العريش الواسعة والقمم التي تتكون منها، والتي تشبه الجزيرة، بالإضافة إلى السهول الغربية والشمالية العريضة ذات الكثبان الرملية الواسعة، بينما تمتاز المنطقة الثانية، وهي المنطقة الجنوبية، بكونها جبالًا عالية، مثل جبل كاترين أو كاثرين الذي يصل ارتفاعه إلى حوالي 2.642 متر، وجبل أم شومر الذي يرتفع لحوالي 2.585 متر، وجبل سيناء الذي يبلغ ارتفاعه 2.285 متر، كما تتكون المنطقة الجنوبية بشكل عام من الصخور النارية والوديان العميقة الكائنة أو المجاري المائية الموسمية التي تصب في خليج السويس أو خليج العقبة.
سيناء وارتباطها بقناة السويس:
هناك ربط مباشر بين سيناء وقناة السويس. فالقناة تقع إلى الغرب من سيناء، وتوصف قناة السويس بأنها ممر مائي استراتيجي عالمي، يمر من خلالها نحو 10بالمائة من التجارة البحرية العالمية من حيث الحجم و22بالمائة من تجارة الحاويات. جدير بالذكر أن قناة السويس توفر ما بين 8 إلى 11 يومًا أمام السفن المارة من الشرق الأقصى إلى أوروبا، بالمقارنة بما ستستغرقه إذا ما أخذت الخط الملاحي التقليدي المار عبر رأس الرجاء الصالح. جدير بالذكر أن 10بالمائة من بضائع العالم التي يتم توزيعها في أوروبا وأمريكا يتم نقلها عبر قناة السويس، كما أن 40بالمائة من بضائع العالم من حيث الحجم والوزن تمر من القناة بشكل عام. وتظهر أهمية هذه الحقيقة بوضوح في الأرقام المصرية. فقد أعلنت هيئة قناة السويس أن القناة حققت خلال الفترة 2019ذ2024 إيرادات تراكمية تقارب 39.9 مليار دولار، بينما بلغ الإيراد السنوي مستوى قياسيًّا قدره 10.25 مليار دولار في 2023. ثم تراجعت الإيرادات في 2024 إلى نحو 3.99 مليار دولار نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر.
سيناء قاعدة للتنمية الاقتصادية
تتمتع سيناء بإمكانات اقتصادية متعددة وهائلة, كما يلي:
التعدين والموارد الطبيعية
تتنوع الثروات المعدنية في سيناء بين الخامات الفلزية، والخامات غير الفلزية، وتضم خامات تدخل في صناعات حيوية، مثل صناعة الأسمنت والسيراميك، إلى جانب المعادن النادرة. ومن أبرز الخامات المتوفرة بكميات كبيرة، مثل الرمال البيضاء التي تتواجد في مناطق جبل أبو حيثيات، وأبو زنيمة، وسانت كاترين، وتُقدر احتياطياتها بنحو 560 مليون متر مكعب. وتدخل في صناعة الزجاج، والبصريات، وأدوات المائدة، والزجاج الكريستالي. وأحجار الزينة، وعلى رأسها الجرانيت المنتشر في سانت كاترين ونويبع، والرخام الرسوبي الموجود في مناطق الحسنة بوسط سيناء، والذي يُستخدم في تزيين المباني وصناعة التحف والتماثيل، والكاولين، وهو خام صناعي مهم متوفر بطريق نويبع - سانت كاترين وأبو زنيمة، باحتياطي يُقدر بحوالي 120 مليون طن، ويدخل في صناعات الخزف، والورق، والأدوية، والحراريات.
كما تمتاز سيناء كذلك بثروات فلزية تدخل في صناعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة، وهي المنجنيز الموجود في أبو زنيمة ودهب وشرم الشيخ، ويُستخدم في صناعة البطاريات والفولاذ والدواء. وتُقدر احتياطياته بنحو 40 مليون طن. علاوة على الذهب والفضة والرصاص والزنك، وتم اكتشافها في مناطق أم زريق والكيد شمال شرم الشيخ. وكذلك النحاس، فقد اشتهرت سيناء به منذ عصر الفراعنة، ويتواجد في السمرا والرقيطة وسرابيط الخادم، ويُستخدم في الصناعات الإلكترونية وسبائك المعادن. والكبريت، حيث يتواجد في شمال العريش ومنطقة جبل فيراني، ويُستخدم في صناعة الأسمدة وحمض الفوسفوريك. وتم التعاون مع شركات وطنية لاختبار جدوى استخراجه اقتصاديًّا. كما توفر سيناء مصادر طاقة بديلة إلى جانب البترول، أبرزها رواسب الفحم بمنطقة المغارة وأبو زنيمة (مواقع دعة وثورة والطيبة)، ويُقدر احتياطي الفحم بحوالي 40 مليون طن. وتحتوي هذه المناطق أيضًا على الطفلة الكربونية التي تُستخدم في صناعات متعددة.
الاقتصاد الأزرق والسواحل
يُطبق الاقتصاد الأزرق على القطاعات الساحلية، والحياة والأنشطة البحرية، فهو ذلك الاقتصاد الذي يعطي أولوية لركائز الاستدامة الثلاث: الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، ومن ثم يُعزز التنمية المستدامة، ويُقلل المخاطر البيئية والندرة الإيكولوجية بدرجة كبيرة، فضلًا عن الاهتمام بالطاقة المتجددة، وإدارة النفايات، والاستهلاك والإنتاج المستدام. ويهدف الاقتصاد الأزرق إلى تحقيق النمو الاقتصادي مع الحفاظ على استدامة البحار والمحيطات، من خلال الإدارة المستدامة لموارد مثل مصايد الأسماك والسياحة.
وتمتلك سيناء سواحل طويلة على البحرين المتوسط والأحمر (يبلغ طول شواطئها حوالي 3000 كيلومتر، 1150 كم على البحر المتوسط و1850 كم على البحر الأحمر)، إضافة إلى خليجي السويس والعقبة، الأمر الذي يفتح مجالًا واسعًا أمام الاقتصاد الأزرق. ويشمل ذلك: السياحة البحرية، والصيد والاستزراع السمكي، والخدمات اللوجستية والموانئ، والنقل البحري، والصناعات والخدمات المرتبطة بالسفن، وتحلية مياه البحر.
وتمتلك نحو 53 ميناء بحريًّا، منها 15 ميناء تجاريًّا و38 ميناء تخصصيًّا. وهو ما يعني وجود إمكانات مصرية هائلة في مجال الاقتصاد الأزرق.
السياحة
تمثل السياحة أحد أبرز الأنشطة الاقتصادية في جنوب سيناء، خصوصًا في مناطق مثل مدن: شرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا وسانت كاترين. وتستند الميزة السياحية إلى مجموعة متكاملة من المقومات، ومنها: سواحل البحر الأحمر وخليج العقبة، والشعاب المرجانية والتنوع البيولوجي البحري، والسياحة الشاطئية والغطس، والسياحة البيئية، والسياحة الجبلية، والمواقع الدينية والتاريخية، وقربها من الأسواق الأوروبية والشرق أوسطية. وهذا يجعل جنوب سيناء جزءًا مهمًّا من الاقتصاد السياحي المصري، وإن كانت عوائد السياحة بطبيعتها حساسة للصدمات الجيوسياسية والأمنية. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن السياحة مثلت نحو 8% من الناتج المحلي المصري في 2024.
وتمتاز جنوب سيناء بجمال الطبيعة وما وهبها الله من شواطئ جميلة، والتي تبلغ حوالي 600 كم، ذات رمال ناعمة ومياه دافئة تركوازية، وتزخر بالعديد من الأحياء المائية النادرة والشعاب المرجانية الفريدة، وصالحة لممارسة الرياضات المائية المختلفة، مثل الغوص والصيد ورياضة الألواح الشراعية والتزحلق على الماء، ومن أهم شواطئها رأس سدر التي تقع على خليج السويس، وتمتاز بالعديد من المقومات السياحية الطبيعية التي تتمثل في الصحاري والوديان والجبال والشواطئ الرملية والمياه الزرقاء الصافية، وتعتبر مشتى ومصيفًا جميلًا.
ورأس محمد التي تبعد حوالي 80 كم جنوب الطور، وهي شبه جزيرة تقع على خليجي السويس والعقبة عند مضيق تيران، وتعتبر من أجمل المناطق لممارسة الغوص تحت الماء، ذات شهرة عالمية، كما تضم أجمل المواقع للشعاب المرجانية والأسماك الملونة، وهي محمية طبيعية.
وشرم الشيخ التي تبعد حوالي 336 كم من السويس، و53 كم من رأس محمد، وتقع على خليج العقبة، وهي مصيف ومشتى عالمي يعشقه محبو الصيد والسباحة والغوص تحت الماء.
ودهَب التي تقع على بعد 81 كم تقريبًا من شرم الشيخ، وهي من أجمل شواطئ سيناء، ويرجع تسميتها بدهب نسبة إلى شهرة شاطئها بالرمال الذهبية، ويوجد بها أماكن إقامة من قرى سياحية وفنادق، وكذلك مراكز للغوص وأماكن صالحة للتخييم.
ونويبع التي تبعد حوالي 87 كم عن دهب، وتقع على خليج العقبة، وتتناثر على شواطئها أشجار النخيل، وبها أماكن للتخييم والإقامة، وهي ميناء بحري دولي وأحد منافذ جنوب سيناء.
وطابا على آخر حدود مصر الدولية على خليج العقبة، على بعد 70 كم من نويبع، وتمتاز بجمال طبيعي خلاب ومياه صافية زرقاء، والتي تعتبر من معالم هذه المنطقة السياحية، كما يوجد بها مطار دولي.
كما تتميز منطقة جنوب سيناء بأماكن متعددة صالحة للغوص، مثل: رأس محمد ـ شرم الشيخ ومنطقة «بلوهول» بدهب ـ نويبع ـ طابا ـ جزيرة فرعون، كما تتوافر مراكز الغوص بالقرى السياحية، وكذلك نوادي الغوص ومدارس تعليم الغوص للهواة.
الزراعة واستصلاح الأراضي
على الرغم من الطبيعة الصحراوية لغالبية سيناء، فإن شمال ووسط شبه الجزيرة يمتلكان إمكانات زراعية يمكن توسيعها من خلال تطوير مصادر المياه وشبكات الري واستصلاح الأراضي. وتعكس خطط الدولة المصرية توجهًا نحو تحويل الزراعة في سيناء من نشاط محدود إلى أحد مكونات التنمية الإقليمية. وفي إطار خطة الدولة لتنمية سيناء، تم إنشاء 13 تجمعًا زراعيًّا في شمال وجنوب سيناء، وتنفيذ شبكات الري الرئيسية والفرعية بكل تجمع زراعي، وقد هدفت الدولة من ذلك إلى استصلاح الأراضي وتوفير فرص عمل للأسر البدوية وزيادة الإنتاج الزراعي. وتستهدف الحكومة المصرية استصلاح وزراعة نحو 500 ألف فدان في سيناء وإضافتها للرقعة الزراعية، حيث يعتبر المشروع ليس مجرد مسارات لنقل المياه، بل «جسر عبور جديد» نحو الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي.
وتعتمد الرؤية الحالية للحكومة المصرية على زيادة مساحة الرقعة الزراعية على عدد من المشروعات القومية العملاقة، منها مشروع الدلتا الجديدة الذي يستهدف استصلاح أكثر من 2.2 مليون فدان بالظهير الصحراوي الغربي، ويعد المشروع الزراعي الأضخم في المنطقة، ومشروع توشكى الذي يستهدف قرابة 1.1 مليون فدان في جنوب الوادي، وكذلك مشروع تنمية شمال ووسط سيناء، ويستهدف استصلاح وزراعة نحو 450 إلى 600 ألف فدان اعتمادًا على محطة معالجة مياه بحر البقر.
خلاصة القول إن الله سبحانه وتعالى وهب سيناء لمصر لتكون الأرض المباركة، أرض الأنبياء وأرض العطاء، وقد عرف المصريون ذلك تمامًا، فلم يبخلوا على تلك الأرض التي ارتوت بجهد وعرق ودماء الأبناء.