تكتسب سيناء جانبًا أساسيًا من قدسيتها من تقاطع روايات الأديان السماوية, وتشابك ذاكرة الأنبياء عبر التاريخ الممتد من إبراهيم عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, إذ إنها ليست مجرد شبه جزيرة تقع في أقصى الشمال الشرقي من مصر, وتفصل بين قارتي إفريقيا وآسيا, أو مجرد مساحة جغرافية احتلت موقعًا استثنائيًا في خرائط الصراع العسكري والسياسي في الشرق الأوسط; وإنما هي واحدة من أهم بقاع العالم من حيث تداخل الجغرافيا بالتاريخ, والدين بالسياسة, والهوية بالأمن القومي.
لا تتوقف القيمة الدينية لسيناء عند العقيدة الإسلامية، لكنها حاضرة بقوة في التراث اليهودي والمسيحي، وتتجلى في قصة النبي موسى عليه السلام، وبالمكان الذي ارتبط في التراث الديني بتلقي الألواح والميقات، وفي الروايات المرتبطة بخروج بني إسرائيل من مصر ورحلتهم في البرية، ويحضر فيها جبل الطور باعتباره أحد أبرز الرموز الدينية، وقد ورد ذكر الطور في القرآن الكريم في أكثر من موضع، من بينها قوله تعالى: "وَطُورِ سِينِينَ"، وقوله تعالى: "وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ"، كما يرتبط المكان في الذاكرة الإسلامية بقصة موسى عليه السلام وخروجه ببني إسرائيل، وبالمشهد القرآني الذي يمثل فيه الوادي المقدس "طُوًى" مساحة رمزية شديدة الأهمية في قصة النبوة.
وصف سيناء بأنها "الأرض المقدسة" لا ينبغي أن يُفهم باعتباره توصيفًا عاطفيًا أو دينيًا مجردًا، وإنما بوصفه مدخلًا لفهم المكانة التي اكتسبتها هذه المنطقة عبر آلاف السنين، فشبه الجزيرة تمثل منطقة انتقال طبيعية بين وادي النيل وبلاد الشام، ولذلك كانت عبر التاريخ ممرًا للحملات العسكرية القادمة من الشرق أو الغرب. ولم يكن عبور سيناء مجرد انتقال جغرافي، بل كان في كثير من الأحيان انتقالًا بين عوالم سياسية وحضارية مختلفة.
سيناء لم تكن هامشًا بالنسبة إلى الدولة المصرية، وإنما كانت دائمًا جزءًا من منظومة الدفاع عن قلب الدولة، فالخطر القادم من الشرق لا يصل إلى وادي النيل مباشرة، وإنما يمر غالبًا عبر هذا الامتداد الجغرافي، ومن هنا ارتبط أمن سيناء تاريخيًا بأمن مصر ذاتها. وإذا كانت سيناء قد لعبت أدوارًا متعددة في التاريخ القديم، فإن القرن العشرين جعلها في قلب الصراع العربي الإسرائيلي، فقد شهدت سيناء مواجهات عسكرية متكررة، وأصبحت بعد حرب عام 1967 تحت الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من الصراع انتهت باستعادة السيادة المصرية عليها بصورة كاملة.
وكانت حرب أكتوبر 1973 نقطة تحول استراتيجية، ليس فقط لأنها أسهمت في تغيير المعادلة العسكرية والسياسية، ولكن لأنها أعادت قضية سيناء إلى مسار سياسي انتهى باتفاقية "السلام"، ثم الانسحاب الإسرائيلي من معظم أراضي سيناء، وصولًا إلى استكمال الانسحاب عام 1982، مع بقاء وضع طابا محل نزاع قانوني حتى استعادتها مصر عام 1989.
تحتل شبه جزيرة سيناء مكانة بارزة في الفكر الصهيوني والاستراتيجي الإسرائيلي، وتتنوع ما بين الأبعاد الدينية، والأطماع الاستعمارية التاريخية، والاعتبارات الأمنية الاستراتيجية، وتُشير المؤرخة زبيدة عطا في كتابها "إسرائيل في النيل" إلى أن الفكر الصهيوني منذ بدايات القرن الـ20 لم يتعامل مع سيناء باعتبارها منطقة مصرية خالصة، بل بوصفها فضاءً جغرافيًا مفتوحًا يمكن أن يشكل جزءًا من المجال الحيوي للمشروع الصهيوني.
فتقول الدكتورة ألفت أحمد الخشاب في كتابها "تاريخ تطور حدود مصر الشرقية": "احتلال شبه جزيرة سيناء، هدف سياسي واستراتيجي توسعي له أصوله في الفكر الصهيوني الديني، فلم تغب يومًا فكرة إعادة احتلال سيناء عن الأجندة الاستراتيجية الإسرائيلية، والتي لم تبدأ مع مشروع هرتزل بتوطين اليهود فيها، ولم تبدأ بمحاولات بول فريدمان، وإنما بدأت منذ عام 1517م مع دخول العثمانيين لمصر، هذا فضلًا عن كتابات المفكرين الأوائل من اليهود الصهاينة التي تعكس التطلعات الإقليمية تجاه سيناء، لأنها جزء ثابت في الفكر اليهودي التوسعي، حيث يرون فيها دولة المستقبل، فهي المكان المناسب، لأنها مركز شبكة الخطوط الجديدة للعالم".
بينما يرى المؤرخ د. محمد عفيفي في دراسته "فلسطين المصرية، الحلم الصهيوني القديم" أن هذا الخطاب ليس مجرد اجتهاد لغوي أو ثقافي، بل يمثل امتدادًا لتوجه سياسي ثابت في الفكر الصهيوني يهدف إلى تصوير سيناء كأرض بلا هوية قومية محددة، وبالتالي تهيئتها فكريًا لتكون قابلة للضم أو للتوظيف في المشروع الإسرائيلي متى تهيأت الظروف".
مع صعود الحركة الصهيونية الحديثة في النصف الثاني من القرن الـ19، بدأت تظهر محاولات منظمة لإقامة مستوطنات يهودية في سيناء أو بالقرب منها، كان من أبرزها ما عُرف باسم مشروع "بول فريدمان" بين عامي 1891 و1892، وهو مشروع يحمل دلالات سياسية ودينية بالغة، وفي مطلع العقد الثاني من القرن الـ20 أعادت الدوائر الصهيونية محاولات الاستيطان في سيناء من خلال مشروع "ألكسندر كنيسيفيتش"، وهو يهودي بريطاني شغل منصب وكيل القنصل البريطاني في غزة بين عامي 1905 و1914.
وتشير الوثائق البريطانية التي جمعها مردخاي إلياف في كتابه "بريطانيا والأرض المقدسة.. وثائق مختارة من القنصلية البريطانية في القدس"، وخاصة تلك الوثائق المتعلقة بأراضي رفح المصرية، إلى أن كنيسيفيتش سعى لشراء أراضٍ على تخوم رفح والعريش بغرض إنشاء مستعمرات يهودية، ورفع مشروعه إلى المعتمد البريطاني في القاهرة إلدون جورست طالبًا الدعم السياسي.
وتبيّن المراسلات المؤرخة في أبريل 1911 أن السلطات البريطانية كانت تتابع هذه المساعي بدقة، حتى إن كنيسيفيتش كاد أن يتمكن من شراء 50 ألف متر في رفح ومناطق قرب العريش، قبل أن تتخذ السلطات البريطانية لاحقًا موقفًا حاسمًا بالرفض في عهد اللورد كتشنر عام 1913، بعد تزايد اعتراض القاهرة على أنشطة البيع غير القانونية في المناطق الحدودية.
وأمام هذا الرفض المتعدد الأطراف انهارت مشاريع الاستيطان اليهودي في سيناء مرة أخرى، فالقاهرة أصدرت قرارات حاسمة تحظر بيع الأراضي في المناطق الحدودية للأجانب، وتُلزم أي مصري يرغب في التملك بالحصول على موافقة من وزارة الحربية، نظرًا لحساسية المنطقة، كما اختارت بريطانيا تجنب التصعيد.
وقد وضع الكيان الصهيوني مخططًا آخر تحت مسمى مشروع "جيورا آيلاند"، والذي نُشر في وثيقة بحثية صادرة عن مركز بيجن-السادات للدراسات الاستراتيجية، التابع لجامعة بار إيلان الإسرائيلية، تحت عنوان "البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين"، في يناير 2010.
ونصت الوثيقة السياسية على تزويد "الدولة الفلسطينية" بظهير شاسع من الأراضي المقتطعة من شمال سيناء، تصل إلى 720 كم، وتبدأ من الحدود المصرية مع غزة، وحتى حدود مدينة العريش، وهذه الأراضي عبارة عن مستطيل، ضلعه الأول 24 كم، ويمتد بطول ساحل البحر المتوسط من مدينة رفح غربًا، وحتى حدود مدينة العريش، أما الضلع الثاني فيصل طوله إلى 30 كم من غرب "كرم أبوسالم"، ويمتد جنوبًا بموازاة الحدود المصرية مع إسرائيل، على أن تحصل القاهرة على مساحة بديلة داخل صحراء النقب (منطقة وادي فيران)، الواقعة تحت سيطرة تل أبيب، وتؤدي هذه الزيادة إلى مضاعفة حجم قطاع غزة نحو 3 مرات، والبالغ حاليًا 365 كم.
من جهة أخرى، كانت سيناء في عقل الجماعات الأصولية المسلحة، والتي حاولت تقديمها على أنها "فراغ صحراوي" يمكن ملؤه بمشروعها الأيديولوجي والعابر للحدود، ومن ثم جاءت أهمية المواجهة المصرية مع الإرهاب في سيناء باعتبارها مواجهة على الأرض، وفي الوقت نفسه مواجهة على معنى الدولة والهوية والانتماء.
أدركت الجماعات الإرهابية مبكرًا القيمة الاستراتيجية والجغرافية لسيناء، فالسيطرة على مساحة جغرافية، حتى بصورة جزئية أو مؤقتة، تمنح التنظيم قدرة على صناعة صورة دعائية توحي بوجود "تمكين" ميداني، وهذا المفهوم ليس جديدًا في أدبيات التنظيمات الأصولية، إذ ارتبطت فكرة "التمكين" لديها بإيجاد مجال جغرافي تستطيع الجماعة من خلاله الانتقال من مرحلة العمل السري إلى مرحلة السيطرة الكاملة.
تفوق الاستراتيجية المصرية في تفكيك هياكل الجماعات الأصولية المسلحة ليس مجرد حديث محلي، لكنه إشادة دولية رسمية صادرة عن الأمم المتحدة في 11 فبراير 2022، معبرة عن تقديرها للجهود المصرية في وقف تمدد الجماعات المتطرفة في الداخل السيناوي.
وركز تقرير الأمم المتحدة على دور الأجهزة الأمنية المصرية في العمق السيناوي، في تفكيك جماعة "أنصار بيت المقدس"، التي تمثل امتدادًا لجماعة "التوحيد والجهاد"، المسؤولة عن تفجيرات "شرم الشيخ" و"دهب" و"نويبع" بين عامي 2004 و2006، واندمجت عام 2011 في تحالف "مجلس شورى المجاهدين"، الذي أعلن بيعته لـ"تنظيم داعش" في نوفمبر 2014، تحت مسمى "ولاية سيناء".
وفي إطار المواجهة المباشرة، نفذت الأجهزة الأمنية مجموعة من العمليات المسلحة في سيناء ضد التنظيمات التكفيرية، بداية من "العملية الشاملة" في فبراير 2018، وسبقها "العملية نسر (1)" في 12 أغسطس 2011، عقب عدة تفجيرات استهدفت أنابيب الغاز، وتبعها "العملية نسر 2" في 5 أغسطس 2012، ثم عملية "عاصفة الصحراء" في 27 يوليو 2013، تبعتها عملية "حق الشهيد" في سبتمبر 2015، التي نُفذت داخل مناطق رفح والشيخ زويد والعريش، واستمرت المرحلة الرابعة منها حتى نهاية 2017.
لم تتوقف "العملية الشاملة سيناء" على تأمين الحدود الشرقية الشمالية، لكنها امتدت لتشمل جميع المنافذ الحدودية والأهداف الحيوية والاستراتيجية الأخرى، منها تأمين الحدود الغربية والجنوبية، وإعاقة تمركز العناصر التكفيرية المسلحة في الصحراء الغربية ومدن صعيد مصر، ومنع تحويلها لممرات في توريد الأسلحة والذخائر التي يتم استخدامها في تنفيذ العمليات الإرهابية، وذلك عن طريق تكثيف الضربات على الاتجاهين الغربي والجنوبي، مع تمشيط الطرق والمدقات الجبلية لملاحقة العناصر التكفيرية.
صورة سيناء في الوعي المصري ليست صورة صحراء بعيدة عن العاصمة، وإنما تمثل صورتها في الوجدان المصري بوابة العبور والنصر، فهي أرض النبوة في الذاكرة الدينية، وأرض البطولات في الذاكرة الوطنية، وأرض الحدود في الحسابات الاستراتيجية، وأرض المستقبل في مشاريع التنمية، وقد رسخت الحروب المصرية الحديثة هذه الصورة بصورة أكبر، إذ أصبحت سيناء جزءًا من سردية عسكرية ووطنية متكاملة تبدأ من مواجهة الاحتلال والصراع العربي الإسرائيلي، مرورًا بحرب الاستنزاف، وصولًا إلى حرب أكتوبر، ثم معارك الدولة المصرية ضد التنظيمات الإرهابية.