د . نجاح عبد الفتاح الريس
ليست سيناء صفحة في كتاب الجغرافيا, ولا هامشًا في سجل الحروب, إنها قلب مصر الشرقي, وذاكرة مفتوحة على السماء, وجسر عبرته القوافل والجيوش والأنبياء, ثم عبرته الإرادة المصرية في طريق استعادة الأرض والسيادة, هنا تلتقي القداسة بالتاريخ, وتجاور الجبال البحر, وتتحول الرمال إلى شهادة حية على بطولة المصريين.
في أقصى الشرق المصري تمتد سيناء كأنها مثلث من نور وحجر، على شواطئها يلتقي البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وفي جبالها الجنوبية تصعد الأرض إلى ذروة الصمت، بينما تنفتح سهولها الشمالية على طرق التجارة والحركة بين مصر وبلاد الشام، ولذلك لا تبدو الصحراء فيها فراغًا؛ فكل وادٍ يحمل أثرًا، وكل جبل يختزن رواية، وكل ذرة رمل تذكر بأن الحدود مسؤولية تُصان بالوعي والعمل والدم.
• اخلع نعليك: قداسة المكان
يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة طه: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾، ليست الآية مجرد مشهد من قصة موسى عليه السلام، بل لحظة تأسيس لمعنى عميق: هناك أماكن يعلو فيها احترام الإنسان للمكان، لأن المكان شهد خطابًا إلهيًا وارتبط بذاكرة النبوة.
فقد نقل الإمام الطبري أقوالًا متعددة في معنى "طُوى"؛ فقيل إنها اسم الوادي، وقيل إنها تدل على التقديس أو التثنية، ورجح الطبري أنها اسم الوادي، وفي مواضع أخرى يرد ذكر طور سينين وطور سيناء، بما يرسخ حضور هذه البقعة في الذاكرة الدينية الإسلامية، من هنا جاءت العبارة التي تختصر رهبة المشهد.
• سيناء أرض التجلي والقداسة
هنا ليست شعارًا عاطفيًا، بل مسؤولية، فخلع النعلين يمكن أن يصبح رمزًا لخلع الغفلة أمام التاريخ، وخلع الاستسهال أمام الجغرافيا، وخلع الوهم بأن الأرض تُصان بالكلمات وحدها، المكان المقدس أمانة، والسيادة عليه فعل يومي، والذاكرة التي لا تتحول إلى عمل تظل ناقصة.
• سيناء في القرآن الكريم
جاء ذكر سيناء في القرآن الكريم من خلال ألفاظ ذات دلالات مكانية وروحية واضحة، قال تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾، كما وردت قصة موسى عليه السلام في أكثر من موضع، ومنها مشهد النداء في الوادي المقدس، ومشهد طلب الرؤية عند الجبل.
لا تقدم هذه الإشارات وصفًا جغرافيًا بالمعنى الحديث، لكنها تمنح المكان وزنًا استثنائيًا في الوعي الديني، فالطور ليس جبلًا عاديًا، والوادي ليس مجرد منخفض بين الصخور، والشجرة ليست تفصيلًا نباتيًا عابرًا؛ إنها مفردات في سردية الوحي، تتجاور فيها الطبيعة مع المعنى.
كما ارتبطت سيناء بالتراث المسيحي من خلال رحلة العائلة المقدسة، وبالتراث الرهباني الذي تجسد في دير سانت كاترين وما يحيط به من مواقع ذات قيمة دينية وتاريخية، وهكذا أصبحت شبه الجزيرة جزءًا من المشهد الروحي الكبير الذي شكّل وجدان الشرق والعالم، ومكانًا يلتقي فيه المسلم والمسيحي عند احترام المقدس وصون الذاكرة.
• قيمة سيناء في التاريخ المصري
عرف المصريون القدماء قيمة سيناء منذ وقت مبكر، كانت المنطقة مصدرًا للنحاس والفيروز، واحتوت على نقوش وآثار توثق نشاط التعدين والحضور المصري، ولم يتعامل المصريون مع سيناء باعتبارها طرفًا هامشيًا، بل باعتبارها مجالًا حيويًا لحماية الدولة وتأمين مواردها وحدودها الشرقية.
كان طريق حورس الساحلي من أهم المسارات التي عبرت سيناء، إذ ربط وادي النيل ببلاد الشام، وسلكته القوافل والجيوش عبر عصور متتابعة، وأقيمت على امتداده نقاط دفاع وآبار ومخازن، لأن من يملك القدرة على تأمين سيناء يحمي قلب مصر، ومن يهملها يترك الطريق مفتوحًا أمام الخطر.
كما تتابعت على أرضها مراحل تاريخية كبرى عبرتها جيوش الفتح الإسلامي في طريقها إلى مصر، وسلكتها جيوش صلاح الدين في مواجهة الصليبيين، ثم تحركت فيها الجيوش المصرية لمواجهة المغول، لم تكن سيناء خلفية للأحداث، بل عنصرًا فاعلًا في صنعها؛ فالموقع يفرض على التاريخ مساراته، والطريق يختبر قدرة الدولة على الحركة والإمداد والصبر.
• الأهمية الجغرافية والاستراتيجية
تبلغ مساحة شبه جزيرة سيناء نحو 61 ألف كيلومتر مربع، وهي شبه جزيرة مثلثة تقع في شمال شرق مصر، وتُعد الجزء المصري الواقع جغرافيًا في آسيا، يحدها البحر المتوسط شمالًا، وقناة السويس وخليج السويس غربًا، وخليج العقبة شرقًا، وتنفتح جنوبًا على البحر الأحمر.
تمنح هذه الجغرافيا سيناء ميزتين متلازمتين: فهي جسر يصل أفريقيا بآسيا، وحصن يحمي وادي النيل، عبرها تتحرك التجارة والهجرات والجيوش، ومن خلالها يمكن أن يصل الخطر إلى قلب مصر إذا غابت الحماية، ولهذا اكتسبت منذ أقدم العصور قيمة استراتيجية تفوق مساحتها، وتتوزع تضاريسها على نطاقات واضحة، ففي الجنوب ترتفع الكتلة الجبلية الوعرة، حيث جبل كاترين وجبل موسى وأودية عميقة ذات طبيعة نادرة، وفي الوسط تمتد هضبة التيه، بينما يضم الشمال السهول الساحلية والكثبان ومجرى وادي العريش، وينتج عن هذا التنوع إمكانات واسعة للسياحة الشاطئية والجبلية والبيئية والدينية، إلى جانب التعدين والزراعة والطاقة، لكن الجغرافيا لا تتحول إلى قيمة اقتصادية تلقائيًا. فهي تحتاج إلى بنية أساسية، وحماية بيئية، وتخطيط يوازن بين الاستثمار وصون المكان، ويضع سكان سيناء في قلب أي مشروع تنموي.
• بطولات على أرض سيناء
من العدوان الثلاثي عام 1956، مرورًا باحتلال عام 1967، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973، ظلت سيناء ساحة اختبار للإرادة المصرية، وفي السادس من أكتوبر، الموافق العاشر من رمضان، عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، وثبتت أقدامها على الضفة الشرقية، لم يكن العبور عملية عسكرية فحسب؛ كان تصحيحًا لتاريخ حاول الاحتلال أن يفرضه على الأرض، أثبتت حرب أكتوبر أن الجيوش لا تنتصر بالسلاح وحده، لقد احتاج العبور إلى تخطيط طويل، وتدريب شاق، وتضحيات جسيمة، وإيمان بأن الأرض المحتلة ليست قدرًا دائمًا، وتوثق المصادر الرسمية المصرية مراحل المعركة وما حققته القوات المصرية من تقدم وتحرير لأجزاء من سيناء.
ثم اكتمل مسار استعادة السيادة المصرية بانسحاب القوات الإسرائيلية عام 1982، في إطار معاهدة السلام الموقعة عام 1979، وهنا تتضح طبيعة النصر المصري في صورته الأوسع: نصر عسكري فتح الطريق، ونضال سياسي وقانوني استعاد بقية الأرض، وإصرار وطني رفض أن تتحول الهزيمة المؤقتة إلى حقيقة دائمة.
لم تتوقف البطولة عند ساحات القتال، فقد حمل أبناء سيناء أعباء الحماية والإمداد والمقاومة، وقدموا نماذج من الوفاء الوطني، كما واصلت القوات المسلحة والشرطة مواجهة الإرهاب، ودفع الشهداء ثمنًا جديدًا من أجل أن تبقى سيناء مصرية آمنة، وفي كل مرة تتعرض فيها الأرض للخطر تتجدد الإجابة المصرية: "سيناء ليست قابلة للمساومة".
• لماذا يحب المصريون سيناء?
يحب المصريون سيناء لأنهم يرون فيها صورتهم كاملة: الإيمان والتاريخ والحرب والطبيعة، يحبونها لأنها أرض الطور والوادي، ولأنها شهدت رحلة موسى، ولأن جبالها تحتفظ بوقار لا تمنحه المدن المزدحمة، ويحبونها لأن دماء الجنود امتزجت برمالها، فأصبح كل طريق فيها يذكر بتضحية، وكل عيد للتحرير يعيد فتح صفحة من صفحات الفخر، يحبونها أيضًا لأنها تكشف قدرة مصر على الجمع بين المختلف، ففي سيناء يلتقي الساحل بالجبل، والبدو بالمدينة، والدير بالمسجد، والسياحة بالزراعة، والذاكرة القديمة بالمشروع الحديث، هذه التعددية مصدر قوة إذا أُديرت باحترام وعدالة.
لكن حب سيناء لا ينبغي أن يبقى عاطفة موسمية، فالحب الحقيقي هو أن تُبنى فيها المدارس والمستشفيات والطرق، وأن تتسع فرص العمل أمام أهلها، وأن تُحمى طبيعتها وآثارها، وأن تُروى قصتها للأجيال بلا اختزال، فالمصري الذي يحب سيناء لا يكتفي بأن يقول إنها أرض الفيروز، بل يسأل ماذا قدم لها وكيف تصبح حياة أهلها أكثر أمنًا وكرامة.
• التجلي الأعظم: تنمية تحترم روح المكان
في جنوب سيناء تقف سانت كاترين في قلب مشهد روحي وطبيعي نادر، بين جبال موسى وكاترين، وبالقرب من دير سانت كاترين ووادي الدير وعيون موسى، ومن هذا الموقع جاء مشروع "التجلي الأعظم فوق أرض السلام"، الذي يستهدف إحياء المكانة الروحية والدينية للمدينة، مع إعادة تخطيطها والحفاظ على طابعها الطبيعي والبدوي والتراثي.
وفق البوابة الإلكترونية لمحافظة جنوب سيناء، يشمل المشروع ساحة السلام، ومركز زوار جديدًا، ونزلًا بيئيًا، وفندقًا جبليًا، وتطوير المنطقة السياحية والبلدة التراثية والمنطقة البدوية، وتحسين شبكات الطرق والمرافق، وتطوير وادي الدير، ودعم الغطاء النباتي، ومعالجة أخطار السيول، كما يتضمن مسارات للمشاة والدراجات ومرافق تلائم طبيعة المكان.
لا تكمن أهمية المشروع في عدد المباني، بل في الفكرة التي تقف وراءه، أن تصبح سانت كاترين وجهة عالمية للسياحة الروحية والبيئية من دون أن تفقد روحها، وهذه معادلة صعبة؛ فالأماكن المقدسة لا تحتمل عمرانًا يبتلع ملامحها، والطبيعة الهشة لا تتحمل تنمية بلا ضوابط، لذلك يقاس نجاح المشروع بقدرته على الجمع بين استقبال العالم واحترام خصوصية المكان.
المطلوب أن يكون المشروع نافذة على سيناء لا قناعًا فوقها؛ أن يفتح فرصًا لأبناء المنطقة، ويمنح المنتجات البدوية مساحة عادلة، ويستند إلى العمارة الملائمة للبيئة، ويرشد استهلاك المياه والطاقة، ويحمي التراث الطبيعي والديني، فالتنمية التي لا تحترم المكان قد تبني منشآت، لكنها لا تصنع قيمة مستدامة.
وأخيرًا، سيناء ليست ماضيًا محفوظًا في المتاحف، ولا ذكرى تُستدعى في المناسبات الوطنية، إنها حاضر مصر ومستقبلها، فيها تتقاطع الحدود والمصالح، وتلتقي القداسة بالاقتصاد، وتتشابك الذاكرة بالتنمية، ويصبح الأمن والعمل وجهين لمعنى واحد.
حين نقول: "اخلع نعليك، إنك بالوادي المقدس طُوى"، فإننا نستدعي واجبًا تجاه أرض حملت من المعاني ما يجعل التفريط فيها مستحيلًا، نخلع نعال الغفلة، ونقف أمام سيناء بعين ترى الجبل والإنسان والأثر والشهيد والبحر والمستقبل، لقد حفظ المصريون سيناء بالدم، وتستطيع الدولة أن تحفظها الآن بالعلم والتخطيط والعدالة والتنمية، وإذا كانت هذه الأرض قد شهدت التجلي في زمن النبوة والعبور في زمن الحرب، فإن رسالتها اليوم أن تشهد تجليًا جديدًا، دولة تعرف قيمة أرضها، وتحول قداسة الذاكرة إلى قوة بناء، وتفتح بوابة الشرق على العالم وهي واثقة أن سيناء ستظل مصرية القلب والهوية والمصير.