رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


أرض‭ ‬التجلي‭ ‬والتاريخ‭ ‬والانتصار

10-10-2026 | 14:17


د . نجاح عبد الفتاح الريس

د . نجاح عبد الفتاح الريس

ليست‭ ‬سيناء‭ ‬صفحة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬الجغرافيا‭, ‬ولا‭ ‬هامشًا‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬الحروب‭, ‬إنها‭ ‬قلب‭ ‬مصر‭ ‬الشرقي‭, ‬وذاكرة‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬السماء‭, ‬وجسر‭ ‬عبرته‭ ‬القوافل‭ ‬والجيوش‭ ‬والأنبياء‭, ‬ثم‭ ‬عبرته‭ ‬الإرادة‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬استعادة‭ ‬الأرض‭ ‬والسيادة‭, ‬هنا‭ ‬تلتقي‭ ‬القداسة‭ ‬بالتاريخ‭, ‬وتجاور‭ ‬الجبال‭ ‬البحر‭, ‬وتتحول‭ ‬الرمال‭ ‬إلى‭ ‬شهادة‭ ‬حية‭ ‬على‭ ‬بطولة‭ ‬المصريين‭.‬

في‭ ‬أقصى‭ ‬الشرق‭ ‬المصري‭ ‬تمتد‭ ‬سيناء‭ ‬كأنها‭ ‬مثلث‭ ‬من‭ ‬نور‭ ‬وحجر،‭ ‬على‭ ‬شواطئها‭ ‬يلتقي‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬بالبحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬وفي‭ ‬جبالها‭ ‬الجنوبية‭ ‬تصعد‭ ‬الأرض‭ ‬إلى‭ ‬ذروة‭ ‬الصمت،‭ ‬بينما‭ ‬تنفتح‭ ‬سهولها‭ ‬الشمالية‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬والحركة‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام،‭ ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬الصحراء‭ ‬فيها‭ ‬فراغًا؛‭ ‬فكل‭ ‬وادٍ‭ ‬يحمل‭ ‬أثرًا،‭ ‬وكل‭ ‬جبل‭ ‬يختزن‭ ‬رواية،‭ ‬وكل‭ ‬ذرة‭ ‬رمل‭ ‬تذكر‭ ‬بأن‭ ‬الحدود‭ ‬مسؤولية‭ ‬تُصان‭ ‬بالوعي‭ ‬والعمل‭ ‬والدم‭.‬
•‭ ‬اخلع‭ ‬نعليك‭: ‬قداسة‭ ‬المكان
يقول‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬طه‭: ‬﴿إِنِّي‭ ‬أَنَا‭ ‬رَبُّكَ‭ ‬فَاخْلَعْ‭ ‬نَعْلَيْكَ‭ ‬ۖ إِنَّكَ‭ ‬بِالْوَادِ‭ ‬الْمُقَدَّسِ‭ ‬طُوًى﴾،‭ ‬ليست‭ ‬الآية‭ ‬مجرد‭ ‬مشهد‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬موسى‭ ‬عليه‭ ‬السلام،‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬تأسيس‭ ‬لمعنى‭ ‬عميق‭: ‬هناك‭ ‬أماكن‭ ‬يعلو‭ ‬فيها‭ ‬احترام‭ ‬الإنسان‭ ‬للمكان،‭ ‬لأن‭ ‬المكان‭ ‬شهد‭ ‬خطابًا‭ ‬إلهيًا‭ ‬وارتبط‭ ‬بذاكرة‭ ‬النبوة‭.‬
فقد‭ ‬نقل‭ ‬الإمام‭ ‬الطبري‭ ‬أقوالًا‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬معنى‭ "‬طُوى‭"‬؛‭ ‬فقيل‭ ‬إنها‭ ‬اسم‭ ‬الوادي،‭ ‬وقيل‭ ‬إنها‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬التقديس‭ ‬أو‭ ‬التثنية،‭ ‬ورجح‭ ‬الطبري‭ ‬أنها‭ ‬اسم‭ ‬الوادي،‭ ‬وفي‭ ‬مواضع‭ ‬أخرى‭ ‬يرد‭ ‬ذكر‭ ‬طور‭ ‬سينين‭ ‬وطور‭ ‬سيناء،‭ ‬بما‭ ‬يرسخ‭ ‬حضور‭ ‬هذه‭ ‬البقعة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الدينية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬العبارة‭ ‬التي‭ ‬تختصر‭ ‬رهبة‭ ‬المشهد‭.‬
•‭ ‬سيناء‭ ‬أرض‭ ‬التجلي‭ ‬والقداسة
هنا‭ ‬ليست‭ ‬شعارًا‭ ‬عاطفيًا،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية،‭ ‬فخلع‭ ‬النعلين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬رمزًا‭ ‬لخلع‭ ‬الغفلة‭ ‬أمام‭ ‬التاريخ،‭ ‬وخلع‭ ‬الاستسهال‭ ‬أمام‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬وخلع‭ ‬الوهم‭ ‬بأن‭ ‬الأرض‭ ‬تُصان‭ ‬بالكلمات‭ ‬وحدها،‭ ‬المكان‭ ‬المقدس‭ ‬أمانة،‭ ‬والسيادة‭ ‬عليه‭ ‬فعل‭ ‬يومي،‭ ‬والذاكرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬تظل‭ ‬ناقصة‭.‬
•‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم
جاء‭ ‬ذكر‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ألفاظ‭ ‬ذات‭ ‬دلالات‭ ‬مكانية‭ ‬وروحية‭ ‬واضحة،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬﴿وَطُورِ‭ ‬سِينِينَ﴾،‭ ‬وقال‭ ‬سبحانه‭: ‬﴿وَشَجَرَةً‭ ‬تَخْرُجُ‭ ‬مِنْ‭ ‬طُورِ‭ ‬سَيْنَاءَ‭ ‬تَنْبُتُ‭ ‬بِالدُّهْنِ‭ ‬وَصِبْغٍ‭ ‬لِلْآكِلِينَ﴾،‭ ‬كما‭ ‬وردت‭ ‬قصة‭ ‬موسى‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬موضع،‭ ‬ومنها‭ ‬مشهد‭ ‬النداء‭ ‬في‭ ‬الوادي‭ ‬المقدس،‭ ‬ومشهد‭ ‬طلب‭ ‬الرؤية‭ ‬عند‭ ‬الجبل‭.‬
لا‭ ‬تقدم‭ ‬هذه‭ ‬الإشارات‭ ‬وصفًا‭ ‬جغرافيًا‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحديث،‭ ‬لكنها‭ ‬تمنح‭ ‬المكان‭ ‬وزنًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الديني،‭ ‬فالطور‭ ‬ليس‭ ‬جبلًا‭ ‬عاديًا،‭ ‬والوادي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬منخفض‭ ‬بين‭ ‬الصخور،‭ ‬والشجرة‭ ‬ليست‭ ‬تفصيلًا‭ ‬نباتيًا‭ ‬عابرًا؛‭ ‬إنها‭ ‬مفردات‭ ‬في‭ ‬سردية‭ ‬الوحي،‭ ‬تتجاور‭ ‬فيها‭ ‬الطبيعة‭ ‬مع‭ ‬المعنى‭.‬
كما‭ ‬ارتبطت‭ ‬سيناء‭ ‬بالتراث‭ ‬المسيحي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رحلة‭ ‬العائلة‭ ‬المقدسة،‭ ‬وبالتراث‭ ‬الرهباني‭ ‬الذي‭ ‬تجسد‭ ‬في‭ ‬دير‭ ‬سانت‭ ‬كاترين‭ ‬وما‭ ‬يحيط‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬مواقع‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬دينية‭ ‬وتاريخية،‭ ‬وهكذا‭ ‬أصبحت‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الروحي‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬شكّل‭ ‬وجدان‭ ‬الشرق‭ ‬والعالم،‭ ‬ومكانًا‭ ‬يلتقي‭ ‬فيه‭ ‬المسلم‭ ‬والمسيحي‭ ‬عند‭ ‬احترام‭ ‬المقدس‭ ‬وصون‭ ‬الذاكرة‭.‬
•‭ ‬قيمة‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المصري
عرف‭ ‬المصريون‭ ‬القدماء‭ ‬قيمة‭ ‬سيناء‭ ‬منذ‭ ‬وقت‭ ‬مبكر،‭ ‬كانت‭ ‬المنطقة‭ ‬مصدرًا‭ ‬للنحاس‭ ‬والفيروز،‭ ‬واحتوت‭ ‬على‭ ‬نقوش‭ ‬وآثار‭ ‬توثق‭ ‬نشاط‭ ‬التعدين‭ ‬والحضور‭ ‬المصري،‭ ‬ولم‭ ‬يتعامل‭ ‬المصريون‭ ‬مع‭ ‬سيناء‭ ‬باعتبارها‭ ‬طرفًا‭ ‬هامشيًا،‭ ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ ‬مجالًا‭ ‬حيويًا‭ ‬لحماية‭ ‬الدولة‭ ‬وتأمين‭ ‬مواردها‭ ‬وحدودها‭ ‬الشرقية‭.‬
كان‭ ‬طريق‭ ‬حورس‭ ‬الساحلي‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المسارات‭ ‬التي‭ ‬عبرت‭ ‬سيناء،‭ ‬إذ‭ ‬ربط‭ ‬وادي‭ ‬النيل‭ ‬ببلاد‭ ‬الشام،‭ ‬وسلكته‭ ‬القوافل‭ ‬والجيوش‭ ‬عبر‭ ‬عصور‭ ‬متتابعة،‭ ‬وأقيمت‭ ‬على‭ ‬امتداده‭ ‬نقاط‭ ‬دفاع‭ ‬وآبار‭ ‬ومخازن،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬سيناء‭ ‬يحمي‭ ‬قلب‭ ‬مصر،‭ ‬ومن‭ ‬يهملها‭ ‬يترك‭ ‬الطريق‭ ‬مفتوحًا‭ ‬أمام‭ ‬الخطر‭.‬
كما‭ ‬تتابعت‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬مراحل‭ ‬تاريخية‭ ‬كبرى‭ ‬عبرتها‭ ‬جيوش‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬مصر،‭ ‬وسلكتها‭ ‬جيوش‭ ‬صلاح‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصليبيين،‭ ‬ثم‭ ‬تحركت‭ ‬فيها‭ ‬الجيوش‭ ‬المصرية‭ ‬لمواجهة‭ ‬المغول،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سيناء‭ ‬خلفية‭ ‬للأحداث،‭ ‬بل‭ ‬عنصرًا‭ ‬فاعلًا‭ ‬في‭ ‬صنعها؛‭ ‬فالموقع‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬مساراته،‭ ‬والطريق‭ ‬يختبر‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬والإمداد‭ ‬والصبر‭.‬
•‭ ‬الأهمية‭ ‬الجغرافية‭ ‬والاستراتيجية
تبلغ‭ ‬مساحة‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء‭ ‬نحو‭ ‬61‭ ‬ألف‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع،‭ ‬وهي‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬مثلثة‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬مصر،‭ ‬وتُعد‭ ‬الجزء‭ ‬المصري‭ ‬الواقع‭ ‬جغرافيًا‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬يحدها‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬شمالًا،‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭ ‬وخليج‭ ‬السويس‭ ‬غربًا،‭ ‬وخليج‭ ‬العقبة‭ ‬شرقًا،‭ ‬وتنفتح‭ ‬جنوبًا‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭.‬
تمنح‭ ‬هذه‭ ‬الجغرافيا‭ ‬سيناء‭ ‬ميزتين‭ ‬متلازمتين‭: ‬فهي‭ ‬جسر‭ ‬يصل‭ ‬أفريقيا‭ ‬بآسيا،‭ ‬وحصن‭ ‬يحمي‭ ‬وادي‭ ‬النيل،‭ ‬عبرها‭ ‬تتحرك‭ ‬التجارة‭ ‬والهجرات‭ ‬والجيوش،‭ ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬الخطر‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬مصر‭ ‬إذا‭ ‬غابت‭ ‬الحماية،‭ ‬ولهذا‭ ‬اكتسبت‭ ‬منذ‭ ‬أقدم‭ ‬العصور‭ ‬قيمة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تفوق‭ ‬مساحتها،‭ ‬وتتوزع‭ ‬تضاريسها‭ ‬على‭ ‬نطاقات‭ ‬واضحة،‭ ‬ففي‭ ‬الجنوب‭ ‬ترتفع‭ ‬الكتلة‭ ‬الجبلية‭ ‬الوعرة،‭ ‬حيث‭ ‬جبل‭ ‬كاترين‭ ‬وجبل‭ ‬موسى‭ ‬وأودية‭ ‬عميقة‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬نادرة،‭ ‬وفي‭ ‬الوسط‭ ‬تمتد‭ ‬هضبة‭ ‬التيه،‭ ‬بينما‭ ‬يضم‭ ‬الشمال‭ ‬السهول‭ ‬الساحلية‭ ‬والكثبان‭ ‬ومجرى‭ ‬وادي‭ ‬العريش،‭ ‬وينتج‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬إمكانات‭ ‬واسعة‭ ‬للسياحة‭ ‬الشاطئية‭ ‬والجبلية‭ ‬والبيئية‭ ‬والدينية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التعدين‭ ‬والزراعة‭ ‬والطاقة،‭ ‬لكن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تلقائيًا‭. ‬فهي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬أساسية،‭ ‬وحماية‭ ‬بيئية،‭ ‬وتخطيط‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الاستثمار‭ ‬وصون‭ ‬المكان،‭ ‬ويضع‭ ‬سكان‭ ‬سيناء‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬تنموي‭.‬
•‭ ‬بطولات‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬سيناء
من‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬عام‭ ‬1956،‭ ‬مرورًا‭ ‬باحتلال‭ ‬عام‭ ‬1967،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973،‭ ‬ظلت‭ ‬سيناء‭ ‬ساحة‭ ‬اختبار‭ ‬للإرادة‭ ‬المصرية،‭ ‬وفي‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬الموافق‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬رمضان،‭ ‬عبرت‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬المصرية‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬واقتحمت‭ ‬خط‭ ‬بارليف،‭ ‬وثبتت‭ ‬أقدامها‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬العبور‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬فحسب؛‭ ‬كان‭ ‬تصحيحًا‭ ‬لتاريخ‭ ‬حاول‭ ‬الاحتلال‭ ‬أن‭ ‬يفرضه‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬أثبتت‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬أن‭ ‬الجيوش‭ ‬لا‭ ‬تنتصر‭ ‬بالسلاح‭ ‬وحده،‭ ‬لقد‭ ‬احتاج‭ ‬العبور‭ ‬إلى‭ ‬تخطيط‭ ‬طويل،‭ ‬وتدريب‭ ‬شاق،‭ ‬وتضحيات‭ ‬جسيمة،‭ ‬وإيمان‭ ‬بأن‭ ‬الأرض‭ ‬المحتلة‭ ‬ليست‭ ‬قدرًا‭ ‬دائمًا،‭ ‬وتوثق‭ ‬المصادر‭ ‬الرسمية‭ ‬المصرية‭ ‬مراحل‭ ‬المعركة‭ ‬وما‭ ‬حققته‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬من‭ ‬تقدم‭ ‬وتحرير‭ ‬لأجزاء‭ ‬من‭ ‬سيناء‭.‬
ثم‭ ‬اكتمل‭ ‬مسار‭ ‬استعادة‭ ‬السيادة‭ ‬المصرية‭ ‬بانسحاب‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬عام‭ ‬1982،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬معاهدة‭ ‬السلام‭ ‬الموقعة‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬وهنا‭ ‬تتضح‭ ‬طبيعة‭ ‬النصر‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬الأوسع‭: ‬نصر‭ ‬عسكري‭ ‬فتح‭ ‬الطريق،‭ ‬ونضال‭ ‬سياسي‭ ‬وقانوني‭ ‬استعاد‭ ‬بقية‭ ‬الأرض،‭ ‬وإصرار‭ ‬وطني‭ ‬رفض‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الهزيمة‭ ‬المؤقتة‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬دائمة‭.‬
لم‭ ‬تتوقف‭ ‬البطولة‭ ‬عند‭ ‬ساحات‭ ‬القتال،‭ ‬فقد‭ ‬حمل‭ ‬أبناء‭ ‬سيناء‭ ‬أعباء‭ ‬الحماية‭ ‬والإمداد‭ ‬والمقاومة،‭ ‬وقدموا‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬الوفاء‭ ‬الوطني،‭ ‬كما‭ ‬واصلت‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬والشرطة‭ ‬مواجهة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬ودفع‭ ‬الشهداء‭ ‬ثمنًا‭ ‬جديدًا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬سيناء‭ ‬مصرية‭ ‬آمنة،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تتعرض‭ ‬فيها‭ ‬الأرض‭ ‬للخطر‭ ‬تتجدد‭ ‬الإجابة‭ ‬المصرية‭: "‬سيناء‭ ‬ليست‭ ‬قابلة‭ ‬للمساومة‭".‬
•‭ ‬لماذا‭ ‬يحب‭ ‬المصريون‭ ‬سيناء‭?‬
يحب‭ ‬المصريون‭ ‬سيناء‭ ‬لأنهم‭ ‬يرون‭ ‬فيها‭ ‬صورتهم‭ ‬كاملة‭: ‬الإيمان‭ ‬والتاريخ‭ ‬والحرب‭ ‬والطبيعة،‭ ‬يحبونها‭ ‬لأنها‭ ‬أرض‭ ‬الطور‭ ‬والوادي،‭ ‬ولأنها‭ ‬شهدت‭ ‬رحلة‭ ‬موسى،‭ ‬ولأن‭ ‬جبالها‭ ‬تحتفظ‭ ‬بوقار‭ ‬لا‭ ‬تمنحه‭ ‬المدن‭ ‬المزدحمة،‭ ‬ويحبونها‭ ‬لأن‭ ‬دماء‭ ‬الجنود‭ ‬امتزجت‭ ‬برمالها،‭ ‬فأصبح‭ ‬كل‭ ‬طريق‭ ‬فيها‭ ‬يذكر‭ ‬بتضحية،‭ ‬وكل‭ ‬عيد‭ ‬للتحرير‭ ‬يعيد‭ ‬فتح‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬صفحات‭ ‬الفخر،‭ ‬يحبونها‭ ‬أيضًا‭ ‬لأنها‭ ‬تكشف‭ ‬قدرة‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬المختلف،‭ ‬ففي‭ ‬سيناء‭ ‬يلتقي‭ ‬الساحل‭ ‬بالجبل،‭ ‬والبدو‭ ‬بالمدينة،‭ ‬والدير‭ ‬بالمسجد،‭ ‬والسياحة‭ ‬بالزراعة،‭ ‬والذاكرة‭ ‬القديمة‭ ‬بالمشروع‭ ‬الحديث،‭ ‬هذه‭ ‬التعددية‭ ‬مصدر‭ ‬قوة‭ ‬إذا‭ ‬أُديرت‭ ‬باحترام‭ ‬وعدالة‭.‬
لكن‭ ‬حب‭ ‬سيناء‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬عاطفة‭ ‬موسمية،‭ ‬فالحب‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تُبنى‭ ‬فيها‭ ‬المدارس‭ ‬والمستشفيات‭ ‬والطرق،‭ ‬وأن‭ ‬تتسع‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬أمام‭ ‬أهلها،‭ ‬وأن‭ ‬تُحمى‭ ‬طبيعتها‭ ‬وآثارها،‭ ‬وأن‭ ‬تُروى‭ ‬قصتها‭ ‬للأجيال‭ ‬بلا‭ ‬اختزال،‭ ‬فالمصري‭ ‬الذي‭ ‬يحب‭ ‬سيناء‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بأن‭ ‬يقول‭ ‬إنها‭ ‬أرض‭ ‬الفيروز،‭ ‬بل‭ ‬يسأل‭ ‬ماذا‭ ‬قدم‭ ‬لها‭ ‬وكيف‭ ‬تصبح‭ ‬حياة‭ ‬أهلها‭ ‬أكثر‭ ‬أمنًا‭ ‬وكرامة‭.‬
•‭ ‬التجلي‭ ‬الأعظم‭: ‬تنمية‭ ‬تحترم‭ ‬روح‭ ‬المكان
في‭ ‬جنوب‭ ‬سيناء‭ ‬تقف‭ ‬سانت‭ ‬كاترين‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مشهد‭ ‬روحي‭ ‬وطبيعي‭ ‬نادر،‭ ‬بين‭ ‬جبال‭ ‬موسى‭ ‬وكاترين،‭ ‬وبالقرب‭ ‬من‭ ‬دير‭ ‬سانت‭ ‬كاترين‭ ‬ووادي‭ ‬الدير‭ ‬وعيون‭ ‬موسى،‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬جاء‭ ‬مشروع‭ "‬التجلي‭ ‬الأعظم‭ ‬فوق‭ ‬أرض‭ ‬السلام‭"‬،‭ ‬الذي‭ ‬يستهدف‭ ‬إحياء‭ ‬المكانة‭ ‬الروحية‭ ‬والدينية‭ ‬للمدينة،‭ ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬تخطيطها‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬طابعها‭ ‬الطبيعي‭ ‬والبدوي‭ ‬والتراثي‭.‬
وفق‭ ‬البوابة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬لمحافظة‭ ‬جنوب‭ ‬سيناء،‭ ‬يشمل‭ ‬المشروع‭ ‬ساحة‭ ‬السلام،‭ ‬ومركز‭ ‬زوار‭ ‬جديدًا،‭ ‬ونزلًا‭ ‬بيئيًا،‭ ‬وفندقًا‭ ‬جبليًا،‭ ‬وتطوير‭ ‬المنطقة‭ ‬السياحية‭ ‬والبلدة‭ ‬التراثية‭ ‬والمنطقة‭ ‬البدوية،‭ ‬وتحسين‭ ‬شبكات‭ ‬الطرق‭ ‬والمرافق،‭ ‬وتطوير‭ ‬وادي‭ ‬الدير،‭ ‬ودعم‭ ‬الغطاء‭ ‬النباتي،‭ ‬ومعالجة‭ ‬أخطار‭ ‬السيول،‭ ‬كما‭ ‬يتضمن‭ ‬مسارات‭ ‬للمشاة‭ ‬والدراجات‭ ‬ومرافق‭ ‬تلائم‭ ‬طبيعة‭ ‬المكان‭.‬
لا‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬المباني،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراءه،‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬سانت‭ ‬كاترين‭ ‬وجهة‭ ‬عالمية‭ ‬للسياحة‭ ‬الروحية‭ ‬والبيئية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬روحها،‭ ‬وهذه‭ ‬معادلة‭ ‬صعبة؛‭ ‬فالأماكن‭ ‬المقدسة‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬عمرانًا‭ ‬يبتلع‭ ‬ملامحها،‭ ‬والطبيعة‭ ‬الهشة‭ ‬لا‭ ‬تتحمل‭ ‬تنمية‭ ‬بلا‭ ‬ضوابط،‭ ‬لذلك‭ ‬يقاس‭ ‬نجاح‭ ‬المشروع‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬استقبال‭ ‬العالم‭ ‬واحترام‭ ‬خصوصية‭ ‬المكان‭.‬
المطلوب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المشروع‭ ‬نافذة‭ ‬على‭ ‬سيناء‭ ‬لا‭ ‬قناعًا‭ ‬فوقها؛‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬فرصًا‭ ‬لأبناء‭ ‬المنطقة،‭ ‬ويمنح‭ ‬المنتجات‭ ‬البدوية‭ ‬مساحة‭ ‬عادلة،‭ ‬ويستند‭ ‬إلى‭ ‬العمارة‭ ‬الملائمة‭ ‬للبيئة،‭ ‬ويرشد‭ ‬استهلاك‭ ‬المياه‭ ‬والطاقة،‭ ‬ويحمي‭ ‬التراث‭ ‬الطبيعي‭ ‬والديني،‭ ‬فالتنمية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحترم‭ ‬المكان‭ ‬قد‭ ‬تبني‭ ‬منشآت،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬قيمة‭ ‬مستدامة‭.‬
وأخيرًا،‭ ‬سيناء‭ ‬ليست‭ ‬ماضيًا‭ ‬محفوظًا‭ ‬في‭ ‬المتاحف،‭ ‬ولا‭ ‬ذكرى‭ ‬تُستدعى‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الوطنية،‭ ‬إنها‭ ‬حاضر‭ ‬مصر‭ ‬ومستقبلها،‭ ‬فيها‭ ‬تتقاطع‭ ‬الحدود‭ ‬والمصالح،‭ ‬وتلتقي‭ ‬القداسة‭ ‬بالاقتصاد،‭ ‬وتتشابك‭ ‬الذاكرة‭ ‬بالتنمية،‭ ‬ويصبح‭ ‬الأمن‭ ‬والعمل‭ ‬وجهين‭ ‬لمعنى‭ ‬واحد‭.‬
حين‭ ‬نقول‭: "‬اخلع‭ ‬نعليك،‭ ‬إنك‭ ‬بالوادي‭ ‬المقدس‭ ‬طُوى‭"‬،‭ ‬فإننا‭ ‬نستدعي‭ ‬واجبًا‭ ‬تجاه‭ ‬أرض‭ ‬حملت‭ ‬من‭ ‬المعاني‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التفريط‭ ‬فيها‭ ‬مستحيلًا،‭ ‬نخلع‭ ‬نعال‭ ‬الغفلة،‭ ‬ونقف‭ ‬أمام‭ ‬سيناء‭ ‬بعين‭ ‬ترى‭ ‬الجبل‭ ‬والإنسان‭ ‬والأثر‭ ‬والشهيد‭ ‬والبحر‭ ‬والمستقبل،‭ ‬لقد‭ ‬حفظ‭ ‬المصريون‭ ‬سيناء‭ ‬بالدم،‭ ‬وتستطيع‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬تحفظها‭ ‬الآن‭ ‬بالعلم‭ ‬والتخطيط‭ ‬والعدالة‭ ‬والتنمية،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬قد‭ ‬شهدت‭ ‬التجلي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬النبوة‭ ‬والعبور‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب،‭ ‬فإن‭ ‬رسالتها‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬تجليًا‭ ‬جديدًا،‭ ‬دولة‭ ‬تعرف‭ ‬قيمة‭ ‬أرضها،‭ ‬وتحول‭ ‬قداسة‭ ‬الذاكرة‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬بناء،‭ ‬وتفتح‭ ‬بوابة‭ ‬الشرق‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬وهي‭ ‬واثقة‭ ‬أن‭ ‬سيناء‭ ‬ستظل‭ ‬مصرية‭ ‬القلب‭ ‬والهوية‭ ‬والمصير‭.‬