مصنع الوعي.. هل فقد المسرح المدرسي والجامعي بوصلته في بناء الإنسان؟
المسرح الجامعي والمدرسي هو تاريخ عريق في إخراج نجوم وعمالقة في الفن والثقافة, والأدب, وتوعية الأجيال عبر عقود, فهو قلب من قلوب القوة الناعمة المصرية, لكنه يواجه اليوم العديد من التحديات والمشكلات التي تؤثر على دوره ورسالته.. بينما تعمل الدولة المصرية على إعادة المسارح التعليمية إلى عصرها الذهبي, ممثلة في الوزارات المعنية بذلك; منها «الثقافة», و«التربية والتعليم», و«التعليم العالي», وأعلنت عن إطلاق مشروع قومي للمسرح المدرسي في المحافظات المصرية, كخطوة مهمة تضعه على الطريق الصحيح.
وفي إطار هذه الحركة، أجرت «الهلال» استطلاعًا مع عدد من الخبراء والمخرجين والنقاد المسرحيين، لوضع خطة إنقاذ، وما يواجه الطلاب والمخرجين والقائمين على هذا العمل المسرحي ذات الأهمية القصوى، حيث أكدوا أن استعادة دور المسرح المدرسي والجامعي تبدأ بوضع رؤية استراتيجية واضحة.. تضمن تلك الخطة دمج الفنون في العملية التعليمية، وتفعيل الشراكة بين وزارات الثقافة والتربية والتعليم والتعليم العالي، مع زيادة الدعم المادي للأنشطة المسرحية، وتأهيل القائمين عليها، وتطوير البنية التحتية للمسارح داخل المدارس والجامعات، وتفاصيل كثيرة عبر السطور التالية:
في البداية تقول المخرجة عبير علي، إن المسرح المدرسي والجامعي يسهم بشكل كبير في صقل مهارات الطلاب؛ إذ يتيح لهم فرصة التعبير عن الذات، ومواجهة الجمهور، ومساعدتهم على التحدث بجرأة عما بداخلهم ورصد ما يدور حولهم؛ مشيرة إلى أنه جناح ورافد جوهري في بناء الشخصية الإنسانية، ليس فقط من زاوية اكتشاف المواهب الشابة التي ستصبح نجوم المستقبل، بل بالتركيز على دوره التربوي، والتعليمي، والبنائي.
وترى أن هذه «اللعبة المسرحية» تبني ثقة الطالب بنفسه وتمنحه إمكانية التعاون لخلق عمل جماعي، لأن الدراما تُعلّم الفرد فكرة تعدد الرؤى وعدم أحادية الرأي، وتغرس في وجدانه أن السؤال الواحد قد يحتمل إجابات عديدة ووجهات نظر متنوعة تختلف باختلاف الموقع والمكان.
وتشير إلى أن من يدرس الدراما يتعلم استيعاب التعددية وتقبلها، والقدرة على التعبير عن ذاته بدلًا من الانغلاق، معتبرة المسرح نشاطًا حيويًا يستثمر طاقات الشباب بدلًا من تركهم للفراغ الذي يحمل تداعيات غير إيجابية.
الفن في المدارس والجامعات
وتؤكد أن وجود الفن في المدارس والجامعات، بموازاة العلوم الإنسانية والطبيعية، يثمر شخصية متزنة، تمتلك سعة في الإدراك والأفق، وقدرة عالية على التخيل والابتكار، في حين أن غياب هذه الروافد يخلق أرضًا خصبة للانغلاق، وعدم حل المشكلات النفسية، وضعف الثقة بالذات، وهو ما يمهد الطريق للانحرافات السلوكية والفكرية.
وفي سياق متصل، تصف المخرجة عبير علي الشراكات الحالية بين المؤسسات المسرحية والثقافية المصرية والمؤسسات التعليمية بأنها خطوة مبشرة، ولابد من ترسيخ مفهوم تدريس الدراما في المدارس كمادة أساسية في المنهج، أسوة بما يحدث في المدارس الدولية، وليس كمجرد نشاط ثانوي؛ حتى يكتسب الطلاب القدرة على تحليل الشخصيات الدرامية، وفهم الذات والآخر، واستيعاب دوافع السلوك البشري لإيجاد حلول للمشكلات الحياتية، وكذلك «بناء القدرات والتدريب المستمر».
وتضيف أن الذي يصقل الدراما والتدريب هو الاطلاع الثقافي الواسع، مؤكدة أنه لا يمكن للممثل أو الكاتب أن ينجح دون معرفة بالتاريخ، والتاريخ الاجتماعي، والفلكلور، والشعر، والموسيقى، والسينما، والرواية، لأن الإنسان ماكينة تحتاج لخيوط ملونة وقوية ومتنوعة، وهي المعارف والمدخلات التي تدخل العقل والروح والعين والأذن، لكي تتفاعل داخله وتنتج في النهاية عملًا إبداعيًا قويًا، ومؤثرًا، وحقيقيًا.
تحديات تضر بالمسرح
وعن المخاوف من منافسة التكنولوجيا، تؤكد المخرجة عبير علي أنه لا مشكلة لديها مع المنصات الرقمية، مفسرة ذلك بأن ظهور التلفزيون لم يُلغِ دور الإذاعة المستمرة حتى اليوم، فكلها وسائط وصناعات إبداعية متنوعة تخاطب ميولًا وإمكانات مختلفة، لكن الخطر الحقيقي من وجهة نظرها لا يكمن في المنصات، بل في غياب المشاريع الإبداعية الجادة، وافتقار القائمين على العمل المسرحي للرؤية والسياسة الثقافية والتخطيط، وسيطرة العشوائية والفساد الإداري، إلى جانب انهيار البنية التحتية لدور العرض، ووجود قوانين وآليات مقيدة لحرية الإبداع والمبدع.
وتابعت أن التحدي الأكبر الذي يواجه مسرح الجامعة والمدرسة هو تحوله إلى مجرد شعارات و«يافطات» تُستوفى ورقيًا دون خطة واضحة تحدد الأهداف وآليات التطوير، رغم وجود أخصائيين وخريجي مسرح في وزارة التربية والتعليم، ورغم توفر المسارح المدرسية.
رؤية وتوصيات
وبسؤالها عن أبرز التوصيات لعودة المسرح الجامعي والمدرسي إلى سابق عهده، أجابت أن في مقدمة ذلك؛ عودة المسرح المدرسي والجامعي وفق تخطيط ورؤية استراتيجية بعيدة المدى تحدد (ماذا نفعل، وأين، ومتى، وكيف)، وإدراج الدراما في المناهج، وتدشين برامج مستدامة لبناء قدرات الطلاب في عناصر اللعبة المسرحية، وإلزامهم ببرنامج تثقيفي يشمل الاطلاع الدوري على السينما والمسرح، وحفظ الأغنيات، والتدريب على إلقاء الشعر بالعامية والفصحى لرفع طاقاتهم الإبداعية.
كما دعت إلى عدم «الهدر والرؤية غير الاقتصادية»، لافتة إلى أن يبذل الطلاب جهدًا طوال العام ليعرض المسرح المدرسي أو الجامعي ليوم واحد فقط، مقترحة باستمرار العروض المسرحية بشكل دوري (يومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع، أو كل خميس وجمعة) وفتح الأبواب لأهل الحي والجمهور بأسعار تذاكر رمزية تدعم صندوق المسرح نفسه، مؤكدة أن هذا التوجه لا يصنع مبدعين فحسب، بل يبني أيضًا «جمهورًا متلقيًا للثقافة»، ويمنح الشباب قنوات صحية تمامًا للتعبير عن غضبهم أو رفضهم، ويحميهم من الانزلاق نحو قنوات الانحراف السلوكي أو الانضمام للجماعات المتطرفة.
بدأ المخرج المسرحي الكبير ناصر عبد المنعم قراءته لواقع المسرح التعليمي مشيدًا بالاهتمام الملموس الذي توليه الدولة في المرحلة الراهنة للمسرح المدرسي تحديدًا، والمتمثل في «المشروع القومي للمسرح المدرسي» القائم على التعاون المشترك بين وزارة الثقافة، ممثلة في المركز القومي للمسرح، ووزارة التربية والتعليم، هذا المشروع بالخطوة الممتازة كونه يوظف المسرح كوسيلة تربوية لاكتشاف الطلاب المبدعين وتنمية شخصياتهم.
ويرى أن المسرح المدرسي والجامعي يكتسبان أهمية قصوى في تكوين الطالب وبناء شخصيته، خاصة في ظل التحديات الكبيرة التي تمر بها الدولة، والتي تستلزم وضع «بناء الإنسان» في صدارة الأولويات منذ الصغر، موضحًا أن المسرح لا يقتصر على تفريخ المبدعين فحسب، بل يسهم أيضًا في خلق جمهور متذوق للفن.
ويضيف أن لهذا الفن خصوصية كبيرة؛ كونه يقوم على الصراع وتعدد الأصوات واختلاف الرؤى، مما يمنح الطالب أفقًا رحبًا لقبول وجهات النظر المتباينة، ويبعده عن التشدد والتمسك الأعمى بالرأي أو اتهام الآخرين المختلفين معه فكريًا، فضلًا عما يزرعه في وجدانه من قيم السماحة والتعايش السلمي لبناء الوطن.
وفي سياق آخر؛ يؤكد المخرج ناصر عبد المنعم أن دور المسرح المدرسي والجامعي قد تراجع في السنوات الأخيرة لأسباب عديدة تتطلب تدخلًا عاجلًا من الوزارات المعنية، مشيرًا إلى ما آل إليه الوضع في المدارس الابتدائية؛ فبعد أن كانت مصدرًا زاخرًا بالمواهب، تسببت أزمات التكدس الطلابي ونقص الإمكانيات المادية في الاستغناء عن قاعات المسرح وتحويلها إلى فصول دراسية أو معامل.
ويوضح أن هناك قصورًا حادًا في الرؤية، وعدم اعتراف بأهمية النشاط المسرحي الذي يراه جزءًا لا يتجزأ من العملية التعليمية؛ فالتعليم في نظره ليس مجرد مواد دراسية جامدة، بل أساسه تكوين شخصية سوية، وهو ما تحققه الأنشطة الفنية، فلا بد من إنشاء المسارح المدرسية والاهتمام بها في كافة المحافظات بدلًا من إلغائها لمواجهة الكثافة الطلابية.
عقبات مسرح الجامعة
وفيما يخص المسرح الجامعي، يشير عبد المنعم إلى أن وجود عقبات حقيقية واجهت هذا القطاع خلال العام الحالي، حيث توقفت بعض الجامعات عن إقامة مهرجاناتها المسرحية السنوية في الوقت الذي أصرت فيه جامعات أخرى على استمرارها، وتوقف المهرجانات في بعض الجامعات بـ«المؤشر الخطير»، مفسرًا ذلك بأن مصروفات الطلاب السنوية تتضمن بندًا ماليًا ثابتًا ومخصصًا لدعم النشاط الطلابي، مؤكدًا أن تكوين الطالب الجامعي لن يستقيم ليكون عنصرًا نافعًا ومؤثرًا في المجتمع دون هذه الأنشطة التي لا تمثل ترفًا أو مكملًا هامشيًا، بل هي ركيزة أساسية.
أبو الفنون
بينما يرى المخرج ناصر عبد المنعم أنه من الصعب جدًا أن تؤثر السوشيال ميديا أو تقنيات الذكاء الاصطناعي على المسرح؛ نظرًا لامتلاكه خصوصية متفردة لا توجد في أي فن آخر، مشيرًا إلى أن المسرح «أبو الفنون» والوحيد الذي يعتمد على اللقاء الحي والمباشر بين المبدع والمتلقي وجهًا لوجه، في حين تبدو بقية الفنون الأخرى «معلبة»، مؤكدًا أن المسرح سيظل باقيًا وحيًا بخصوصيته المستمدة من تلك المقابلة المباشرة مع الجمهور.
خارطة الطريق الصحيح
ويختتم عبد المنعم حديثه لـ«الهلال» طارحًا حزمة من الحلول لتطوير هذا القطاع؛ ومنها ضرورة تكاتف الوزارات المعنية والتنسيق الكامل مع وزارة الثقافة، وتشكيل لجنة تنسيقية مشتركة ومستدامة تشرف على هذه الأمور لضمان تحقيق التكامل والعمق في النتائج، بالإضافة إلى الدور الكبير الذي يلعبه الإعلام في الإضاءة المكثفة على هذه الأنشطة والفعاليات المسرحية، انطلاقًا من إيمان شديد وحقيقي بأن المسرح يمثل أداة فاعلة في بناء الوعي، وحماية أطفالنا وشبابنا من الأفكار الهدامة والمتشددة كونه يمثل ركيزة أساسية من ركائز القوة الناعمة المصرية.
أما الكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم، فتؤكد في حديثها لـ«الهلال» أن واقع المسرح المدرسي والجامعي، لا تنحصر أهميتهما فقط في اكتشاف وتنمية الموهوبين، بل تراه تحديدًا طوق نجاة للطفل من حالة الاستلاب الإلكتروني التي نعاني منها حاليًا، موضحة أنه أحد أهم الأدوات التربوية القادرة على تعليم وإكساب الطفل القيم المطلوبة عبر وسيط فني، بعيدًا عن الطرق التلقينية التقليدية التي لم تعد تتناسب مع ذهنية الطفل المصري في هذا العصر، لكن السؤال: أي مسرح نقدمه لطفل هذا العصر، وكيف نقيم علاقة تفاعلية تعليمية تثري مهاراته وخياله من ناحية، وتكتشف مواهبه وتنميها من ناحية أخرى.
المسرح الجامعي مصنع المواهب
وفيما يتعلق بالمسرح الجامعي، تصفه رشا عبد المنعم بأنه بحق «مصنع ومختبر حقيقي» لاكتشاف المواهب، لكنها تنتقد رؤية بعض الجامعات التي تتعامل مع الأنشطة الفنية بوصفها عبئًا تنظيميًا أو ماليًا على الميزانية، بالإضافة إلى أن أصحاب هذا الفكر لا يدركون دور تلك الأنشطة في دعم الهوية، والذات، وتعزيز شعور الطلاب بالثقة، مؤكدة ما يميز المسرح عن باقي الأنشطة كونه عملًا جماعيًا يكسب الشباب مهارات الحوار والعمل بروح الفريق، ويُثري وعيهم ويرتقي بذوقهم.
وتوضح أن التكلفة التي قد تبخل الجامعة بدفعها لانخراط الطالب في النشاط المسرحي، قد تدفع الدولة أضعافًا مضاعفة لها إذا لم يجد هذا الشاب ذاته وانخرط في جماعات متطرفة، أو اتجه إلى الإدمان، أو أصيب بالاكتئاب، أو حتى تعطلت طاقته الإنتاجية ليقضي وقته على المقاهي، مؤكدة أن المسرح المدرسي والجامعي يمثلان أمنًا قوميًّا واقتصاديًا كونهما استثمارًا مباشرًا في الإنسان والمستقبل.
عشوائية الأنشطة وهدر الميزانيات
كما ترى رشا عبد المنعم أنه على الرغم من الدعم الكبير والجهود الواسعة التي توجهها الدولة في هذا المجال، إلا أنها تظل جهودًا غير موجهة نحو نتائجها؛ مما يتسبب في هدر جزء كبير من الميزانيات والطاقات نتيجة «النشاط العشوائي» والبروباجندا الكبيرة التي تتصدر المشهد لتصنع فعلًا ثقافيًا في الهواء.
وتطالب بضرورة العمل على استراتيجيات مستدامة، وأن تكون هناك رؤية واضحة وراء كل فعل ثقافي، خاصة في مجال المسرح المدرسي، مثل تجربة مشروع «مسرح الجرن_ تنمية الريف المصري» للمخرج الكبير أحمد إسماعيل، والذي كان يستهدف بمنهجية وعمق طلبة المدارس الإعدادية والثانوية، مبدية أسفها لوأد هذا المشروع في الهيئة العامة لقصور الثقافة لصالح أنشطة أخرى تفتقد لشروط الاستدامة ولا تزيد عن كونها بناءً في الهواء.
تحديات العصر الرقمي
فيما تشير إلى أن التحديات كثيرة، وتأتي التكنولوجيا والرقمنة في مقدمتها؛ إذ يجب على القائمين على هذه الأنشطة الانتباه لتطور ذهنية الطالب في المدرسة والجامعة؛ نظرًا لاختلاف الإيقاع وهيمنة «ثقافة الصورة»، حيث أصبح التعرف على العالم عبر الصور على الوسائط الإلكترونية يسبق الكلمات؛ مؤكدة أنها تحتاج أولًا إلى تحديث ذهنية مقدم الخدمة الثقافية نفسه، والاستعانة بخبراء في علم النفس والاجتماع، كذلك هناك تحديات أخرى مادية ترتبط بالميزانيات، والتي قد تحتاج إلى رفع مخصصاتها وإعادة توجيه بنودها لتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد المالية المتاحة.
إحياء «الجرن» وبناء وعي الموظف
وتلخص الكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم رؤيتها في حزمة من التوصيات؛ تأتي على رأسها فيما يخص المسرح المدرسي: التوصية بإحياء مشروع «مسرح الجرن» أو البحث عن مشاريع تمتلك ذات العمق والمنهجية.
أما فيما يخص المسرح الجامعي، فتناشد الجهات المعنية بضرورة رفع مخصصاته المالية وإعادة توجيهها بشكل سليم، موجهة دعوة للعمل على توعية وبناء قدرات الموظفين القائمين على إدارة تلك الأنشطة؛ مؤكدة أن مسألة الوعي والثقافة لدى المسؤول الإداري هي المسألة الفارقة والمفصلية في هذا الاتجاه كله.
الممثل المسرحي ورئيس ومؤسس ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي، عمرو قابيل، يقول في حديثه لـ«الهلال» إن المسرح الجامعي يشهد ازدهارًا فنيًا وإبداعيًا لا يمكن إنكاره، وهذا ما يعزز زيادة الاحتكاك والتفاعل بين طلاب الجامعات عبر المهرجانات المختلفة، بالإضافة إلى الدور المباشر لـ«ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي» منذ انطلاقه عام 2018؛ حيث يلمس الوسط الفني اليوم، بعد مرور ثماني سنوات على تأسيسه، تأثيره القوي والجلي في الحراك المسرحي الجامعي، سواء من خلال مشاريع الطلاب أنفسهم داخل جامعاتهم، أو عبر التظاهرات الفنية التي تنظمها الوزارات والجامعات المختلفة.
ويرى قابيل أن هذا الزخم أثمر حركة مسرحية قوية مكنت الشباب من تطوير أدواتهم بشكل جيد للغاية، ليمتد تأثير هذه العروض إلى خارج أسوار الجامعات وتشارك في مهرجانات قومية، ومحلية، ودولية، محققةً نتائج متميزة.
كما يوضح أن الأسباب تراوحت بين سياسات بعض الجامعات في ترشيد الإنفاق التي طالت النشاط المسرحي، وإلحاح الطلاب وإصرارهم، فتراجعت بعض الجامعات وأقامت مهرجاناتها السنوية، فيما لم تقم جامعات أخرى مهرجاناتها، لكنها اتجهت للعمل بصيغ أخرى لتلبية احتياجات الطلاب تقديرًا لأهمية النشاط وتمسكًا به.
ويشدد رئيس الملتقى على أن المسرح الجامعي سيظل قادرًا على اكتشاف أجيال جديدة من المبدعين؛ نظرًا لامتلاكه سمة جوهرية، وهي «التجدد التلقائي» الناتج عن توالي الأجيال جيلًا بعد جيل، مؤكدًا أن هذا التجدد يمنح المسرح الاستدامة والتطور، ويجعله فكرًا لا ينضب وشعلة لا تنطفئ تضخ المبدعين والمفكرين باستمرار في كافة مجالات الفن المسرحي؛ من تمثيل، وإخراج، وديكور، وأزياء.
إطلاق المشروع القومي
وفيما يتعلق بالمشروع القومي للمسرح المدرسي، يشير عمرو قابيل إلى أن طرح هذا الملف ليس حديث العهد، بل يمثل توصية دائمة في الندوات والفعاليات الثقافية.
ويكشف في هذا السياق عن إعلان «ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي» في دورته الماضية (خلال شهر مارس) عن تنظيم مسابقة للمسرح المدرسي لأول مرة، انطلاقًا من الإيمان بأن المسرح المدرسي هو «الابن الشرعي» للمسرح الجامعي، وأن فترة تكوين الطلاب في المدارس هي الأهم استراتيجيًا لاستعادة النهضة المسرحية التي شهدتها مدارسنا قديمًا.
يضيف أن إعلان مشروع النهوض بالمسرح المدرسي يتكرر للمرة الثالثة أو الرابعة دون رؤية خطوات تنفيذية واضحة المعالم، أو خطط معلنة بشكل احترافي تحظى بتغطية إعلامية ملموسة، مؤكدًا أن الاهتمام بهذا الملف يتطلب تفكيرًا أعمق من مجرد مبادرات أو مهرجانات عابرة، منتقدًا العمل بطريقة «الجزر المنعزلة» بين الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني.
تحديات الشباب الجامعي
ويستكمل قابيل حديثه عن التحديات التي تواجه شباب المسرح الجامعي، وهي إدارية ناتجة عن تعنت بعض إدارات رعاية الشباب وعدم وعيها بالنشاط، وتحد آخر يتمثل في عدم الاستعانة بالمخرجين والخبراء المحترفين، لافتًا للنظر إلى ظاهرة متنامية منذ فترة تعتمد فيها العروض على جهود شباب الجامعات أنفسهم في الإخراج والفرق؛ وهي ظاهرة جيدة ترفد المسرح بفكر جديد، لكنها تفتقد في الوقت ذاته إلى الخبرة.
ويضيف أن غياب المخرجين المحترفين عن المسرح الجامعي يعود إلى عائق اللوائح المالية والميزانيات المحدودة للعروض، والتي لا تسمح للمخرج المحترف بمنح جهده كاملًا للجامعة، مشيرًا إلى أنه لابد من صياغة جديدة تضمن استدامة الإنتاج والنشاط المسرحي داخل الجامعات، عبر فتح نقاش موسع حول هذا الملف، وكذلك تدخل وزير التعليم العالي والبحث العلمي، باعتبار الوزارة هي الجهة المنوطة بأنشطة الطلاب، مطالبًا بتشكيل لجنة من الخبراء تحت مظلة الوزارة لبحث صيغ وأفكار مبتكرة تضمن استمرار واستدامة النشاط المسرحي داخل الجامعات المصرية كركيزة أساسية لبناء الوعي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما قال الفنان ياسر علي ماهر إن المسرح ليس مجرد وسيلة للترفيه، وإنما يمثل أحد أهم أدوات بناء الوعي وتكوين الشخصية، مشددًا على ضرورة استعادة دوره في المدرسة والجامعة ومراكز الشباب وقصور الثقافة والمسرح العمالي، باعتبارها مساحات قادرة على الوصول إلى قطاعات واسعة من المجتمع.
وأضاف لـ«الهلال» أن المسرح المدرسي تحديدًا يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في تنمية شخصية الطالب، من خلال تدريبه على الإلقاء والتعبير عن نفسه والعمل الجماعي والوقوف أمام الجمهور، موضحًا أن هذه الممارسة تساعد على تقوية علاقة الطالب باللغة العربية، وتمنحه قدرًا أكبر من الثقة والقدرة على الحوار.
وأشار إلى أن ممارسة النشاط المسرحي تساعد الطالب أيضًا على تقبل النقد والاستماع إلى الرأي الآخر، وهي مهارات ضرورية في مواجهة الأفكار المتطرفة، موضحًا أن مواجهة التطرف لا تكون فقط من خلال الخطاب المباشر، وإنما عبر بناء إنسان قادر على التفكير والمناقشة والتمييز بين الأفكار.
وأوضح أن الطفل أو الشاب الذي يمارس الفن ويتعلم قواعد الحوار والنقد يصبح أكثر قدرة على التعامل مع الأفكار المختلفة، مؤكدًا أن المسرح يمكن أن يقدم بديلًا ثقافيًا مهمًا للفراغ، وأن استثمار وقت الشباب في الأنشطة الفنية والثقافية يمثل جزءًا من مواجهة المخاطر الفكرية التي تهدد المجتمع.
كما أن النهوض بالمسرح المدرسي لا يحتاج إلى قرارات مفاجئة، وإنما إلى خطة تدريجية ومنظمة تبدأ بحصر المسارح الموجودة في المدارس والجامعات ومراكز الشباب وقصور الثقافة، ثم وضع برامج ثابتة للعروض، مع توفير الدعاية والتذاكر والحجز المسبق، حتى يتحول الذهاب إلى المسرح إلى عادة ثقافية لدى الطلاب.
وتابع أن التعاون بين وزارات الثقافة والتربية والتعليم والشباب والإعلام يمكن أن يضع أساسًا لمشروع متكامل، بحيث تتولى كل جهة دورها، من إعداد النصوص والإنتاج والإخراج إلى تنظيم وصول العروض للمدارس وتسويقها إعلاميًا.
وأكد أن المسرح المنهجي يمكن أن يكون نقطة البداية، من خلال تقديم عروض مرتبطة بالمناهج التعليمية، بما يجمع بين الجانب الثقافي والترفيهي، ويتيح للطلاب التعرف على المسرح بصورة منتظمة، بدلًا من اقتصار علاقتهم به على مناسبات محدودة.
رؤية المشروع المسرحي
وأضاف أن المشروع يحتاج كذلك إلى رؤية واضحة للتمويل والإنتاج، تقوم على الشفافية وتحديد التكلفة الحقيقية للعروض، مع إمكانية الاستفادة من دعم المؤسسات ورجال الأعمال، بما يضمن توجيه الأموال إلى النشاط نفسه وبناء الثقة بين جميع الأطراف.
وشدد علي ماهر على أن تطوير المسرح لا يعني تقديم أعمال مباشرة أو شعاراتية، وإنما إنتاج فن يمتلك قيمة فكرية وجمالية، ويخاطب الشباب بوعي، ويناقش القضايا المختلفة من خلال الحوار والرمز والتلميح، بعيدًا عن الابتذال أو الاستفزاز.
وقال إن المسرح يستطيع أن يصنع الفنان والمتفرج والناقد في الوقت نفسه، وأن أهم ما يقدمه للمجتمع هو إنسان قادر على التفكير والحوار وتقبل الاختلاف، مؤكدًا أن إعادة المسرح إلى المدارس والمؤسسات الثقافية ليست رفاهية، وإنما خطوة مهمة لبناء الوعي ومواجهة الفراغ والتطرف بالفن والثقافة.
طالب الفنان أحمد صيام الدولة بالاهتمام بالمسرح المدرسي والمسرح الجامعي بشكل خاص، مؤكدًا أهمية أن يكون المسرح جزءًا من العملية التعليمية، وليس مجرد عروض فنية.
وقال صيام إن إدماج المسرح ضمن الدراسة والثقافة المدرسية والجامعية من شأنه أن يسهم في رفع الوعي الثقافي لدى الطلاب، مشيرًا إلى أن المسرح له تأثير كبير في المجتمع، ويعد أحد عناصر القوة الناعمة لمصر.
وأضاف أن المسرح يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في توعية الأطفال والشباب ومواجهة الأفكار السلبية، مؤكدًا ضرورة تطوير المسرح ودعم الدولة له، لما يمتلكه من قدرة على التأثير في المجتمع وبناء الوعي..