أرض الفيروز .. بوابة مصر الشرقية
د. أشرف مؤنس,
سيناء ليست مجرد رقعة جغرافية تقع في أقصى الشمال الشرقي من مصر, وليست مجرد شبه جزيرة تفصل بين قارتي أفريقيا وآسيا, وإنما هي جزء أصيل من التاريخ المصري, وامتداد طبيعي وجغرافي وحضاري لوادي النيل, وبوابة مصر الشرقية التي عبر منها القادمون إلى مصر, كما خرج منها المصريون في رحلاتهم وحملاتهم إلى بلاد الشام. ومن ثم, ارتبط تاريخ سيناء بتاريخ مصر ارتباطًا وثيقًا منذ أقدم العصور, حتى غدت أرضها سجلًا مفتوحًا يحفظ صفحات متتابعة من تاريخ الدولة المصرية, بما شهده من بناء وحضارة وتجارة وحروب وانتصارات.
وعلى رمال سيناء وجبالها ووديانها، تداخلت مسارات المصري القديم والأنبياء والرحالة والحجاج والجيوش والتجار، وتعاقبت عليها الحضارات والأديان، فكانت في الوقت نفسه أرضًا للمقدسات، وممرًا للقوافل، وطريقًا للجيوش، ودرعًا يحمي مصر من جهة الشرق. ولذلك لم يكن غريبًا أن تحتل سيناء مكانة خاصة في الوجدان المصري، وأن تصبح عبر التاريخ رمزًا للصمود والدفاع عن الوطن، كما أصبحت في العصر الحديث عنوانًا للبطولة والتضحية واسترداد الأرض.
سيناء في العصر الفرعوني: أرض الفيروز ودرع مصر الشرقي:
يمتد الوجود المصري في سيناء إلى عصور موغلة في القدم، وتؤكد الآثار والنقوش والمواقع التعدينية المنتشرة في شبه الجزيرة عمق الصلة بين الدولة المصرية القديمة وسيناء. فقد أدرك المصريون منذ وقت مبكر القيمة الاقتصادية والاستراتيجية لهذه المنطقة، ولم ينظروا إليها باعتبارها صحراء هامشية تفصل مصر عن جيرانها، وإنما باعتبارها جزءًا من المجال الحيوي للدولة المصرية.
وكانت سيناء غنية بالموارد الطبيعية، ولا سيما الفيروز والنحاس، وهو ما دفع الملوك المصريين إلى إرسال البعثات التعدينية إلى مناطق مثل سرابيط الخادم ووادي المغارة؛ حيث عُثر على العديد من النقوش التي تؤرخ لهذه الرحلات وتكشف عن اهتمام الدولة المصرية المنظمة باستثمار ثروات المنطقة.
وقد ارتبط اسم سيناء في المصادر المصرية القديمة بالفيروز، حتى عُرفت في الدراسات الحديثة باسم "أرض الفيروز"، وأصبحت مناطق التعدين فيها مرتبطة بالمؤسسة الملكية وبالمعتقدات الدينية المصرية. وكانت البعثات التي تتوجه إلى سيناء تضم العمال والحرفيين والجنود والكتبة والكهنة، بما يعكس طبيعة التنظيم الإداري والعسكري الذي كانت الدولة المصرية تستخدمه في إدارة مواردها وتأمين طرق الوصول إليها.
ولم يكن النشاط المصري في سيناء اقتصاديًا فقط، بل كان ذا طبيعة عسكرية واستراتيجية واضحة. فموقع سيناء جعلها تمثل الجبهة الشرقية لمصر، ولذلك اهتم المصريون منذ الدولة القديمة والوسطى والحديثة بتأمين الطرق المؤدية إليها، ومراقبة حركة الجماعات والقوافل القادمة من الشرق.
وفي عصر الدولة الحديثة على وجه الخصوص، أصبح الطريق الساحلي في شمال سيناء جزءًا من منظومة دفاعية متكاملة، واشتهر في المصادر باسم "طريق حورس"، وهو الطريق الذي امتد من منطقة شرق الدلتا باتجاه غزة وبلاد الشام، وارتبط بسلسلة من الحصون ونقاط المياه ومحطات الإمداد. وقد أسهم هذا الطريق في حماية الحدود الشرقية، كما استخدمته الجيوش المصرية في حملاتها العسكرية نحو بلاد الشام.
ومن هنا يمكن القول إن سيناء كانت بالنسبة إلى المصريين القدماء البوابة التي تحمي مصر من الشرق، والطريق الذي يصل مصر بالعالم الآسيوي. ومن خلالها تحركت جيوش الملوك المصريين في عصور القوة الإمبراطورية، ولا سيما في عهد تحتمس الثالث ورمسيس الثاني وغيرهما من ملوك الدولة الحديثة.
وهكذا تبلورت منذ العصور الفرعونية إحدى أهم وظائف سيناء في التاريخ المصري: أن تكون خط الدفاع الأول عن وادي النيل من جهة الشرق، وفي الوقت نفسه جسر التواصل بين مصر وآسيا.
سيناء في العصرين اليوناني والروماني: بين التجارة والمقدسات
مع انتقال مصر إلى العصرين اليوناني والروماني، لم تفقد سيناء أهميتها، بل ظلت محتفظة بموقعها الجغرافي والاستراتيجي، واستمرت طرقها في الربط بين مصر وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية.
وكانت القوافل التجارية تعبر أجزاء من سيناء، حاملة السلع والبضائع بين مختلف المراكز التجارية في المنطقة، كما ارتبطت سيناء بالموانئ والطرق البحرية والبرية التي جعلت مصر مركزًا مهمًا للتجارة بين الشرق والغرب.
غير أن أهمية سيناء في هذه الفترة لم تكن اقتصادية وعسكرية فحسب، إذ بدأت المنطقة تكتسب أهمية دينية وروحية متزايدة، خاصة مع انتشار المسيحية في مصر خلال القرون الأولى للميلاد.
فقد جذبت جبال سيناء عددًا كبيرًا من النساك والرهبان الذين وجدوا في طبيعتها الجبلية والصحراوية مكانًا مناسبًا للعزلة والتعبد. ومع مرور الزمن، تحولت المنطقة إلى واحدة من أهم مراكز الرهبنة المسيحية في الشرق.
ويأتي دير سانت كاترين في مقدمة المعالم الدينية والتاريخية التي تجسد هذه المرحلة. وقد شُيد الدير في القرن السادس الميلادي في عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان، عند سفح جبل سيناء، ليصبح عبر القرون واحدًا من أقدم الأديرة المسيحية التي استمرت الحياة الرهبانية فيها بصورة متصلة.
ولا تكمن أهمية الدير في قيمته الدينية وحدها، وإنما أيضًا في ثروته التاريخية والثقافية، إذ حفظت مكتبته ومخطوطاته ومقتنياته جانبًا مهمًا من التراث المسيحي والإنساني. كما ارتبط الدير في الذاكرة الإسلامية بما يُعرف بالعهدة النبوية، وهي وثيقة تُنسب إلى النبي محمد ﷺ وتتضمن أمانًا لرهبان الدير وحمايتهم.
وهكذا أصبحت سيناء في هذه المرحلة ملتقى للطرق التجارية والعسكرية من ناحية، ومركزًا روحيًا ودينيًا من ناحية أخرى، وهو ما أضفى عليها طابعًا حضاريًا فريدًا.
سيناء في العصر الإسلامي: طريق الفتح والحج
مع دخول الإسلام إلى مصر في القرن السابع الميلادي، دخلت سيناء مرحلة جديدة من تاريخها. فقد كان عبور القوات الإسلامية لشبه جزيرة سيناء جزءًا من الطريق الذي سلكه جيش عمرو بن العاص في فتح مصر، وكانت العريش من أهم المواقع التي ارتبطت بهذه المرحلة.
وقد أسهم دخول مصر في الدولة الإسلامية في تعزيز أهمية سيناء باعتبارها حلقة اتصال بين مصر وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، وأصبحت طرقها جزءًا من شبكة الطرق التي تربط الأقاليم الإسلامية بعضها ببعض.
وفي العصر الإسلامي، اكتسبت سيناء أهمية خاصة بسبب ارتباطها بطريق الحج المصري. فقد كان الحجاج القادمون من مصر وشمال أفريقيا يسلكون الطريق عبر سيناء في اتجاه الأراضي المقدسة، ولذلك أصبحت حماية طرق الحج وتأمين المياه والمحطات والقلاع من المهام الأساسية للدول الإسلامية المتعاقبة.
وقد اهتمت الدول المتعاقبة، من الطولونيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك إلى العثمانيين، بتأمين هذه الطرق، خاصة أن سيناء كانت منطقة مفتوحة يمكن أن تتعرض فيها القوافل للأخطار.
وفي العصر الأيوبي، ازدادت أهمية سيناء العسكرية بسبب الصراع مع الصليبيين. ومن أبرز الشواهد على ذلك قلعة صلاح الدين في جزيرة فرعون بالقرب من طابا، التي ارتبط بناؤها بالجهود الأيوبية لتأمين خليج العقبة والطرق المؤدية إلى بلاد الشام والحجاز، ومواجهة النشاط الصليبي في المنطقة.
أما في العصر المملوكي، فقد أصبحت سيناء جزءًا مهمًا من شبكة الطرق التي تربط مصر بالحجاز والشام، وتعددت المنشآت والمحطات التي تخدم القوافل والحجاج والتجار.
وهكذا احتفظت سيناء خلال العصر الإسلامي بوظائفها التاريخية الأساسية: ممرًا استراتيجيًا، وطريقًا للتجارة، ومسارًا للحج، وخطًا دفاعيًا عن مصر.
سيناء في العصر الحديث: من ولاية حدودية إلى قلب الصراع الدولي
مع دخول مصر العصر الحديث، ظل موقع سيناء الاستراتيجي حاضرًا بقوة في حسابات الدولة المصرية والقوى الدولية. وقد شهدت المنطقة خلال القرن التاسع عشر الميلادي تطورات إدارية وسياسية وعسكرية مهمة، خاصة في عهد محمد علي باشا وأسرته، مع ازدياد اهتمام الدولة المركزية بتأمين حدودها وتنظيم طرق المواصلات والتجارة.
ومع ازدياد الأطماع الأوروبية في مصر، ازدادت أهمية سيناء بسبب موقعها بين مصر وبلاد الشام، وكذلك بسبب قربها من قناة السويس التي افتتحت للملاحة عام 1869م، فتحولت المنطقة إلى جزء من المجال الاستراتيجي المرتبط بحماية قناة السويس ومداخل مصر الشرقية.
وخلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، أصبحت سيناء مسرحًا للعمليات العسكرية بين القوات البريطانية والقوات العثمانية، ثم شهدت خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) تحركات عسكرية مهمة ضمن الصراع الذي دار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
لكن التحول الأكبر في تاريخ سيناء الحديث ارتبط بالصراع العربي الإسرائيلي.
ففي عام 1956م تعرضت مصر للعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، وكانت سيناء أحد أهم مسارح العمليات العسكرية. وعلى الرغم من الاحتلال المؤقت لبعض مناطقها، انتهت الأزمة بانسحاب القوات المعتدية، وظلت سيناء جزءًا لا يتجزأ من الأراضي المصرية.
ثم جاءت حرب يونيو 1967م، التي تعرضت فيها مصر لهزيمة عسكرية ووقعت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي. وكانت تلك المرحلة من أصعب المراحل في التاريخ المصري الحديث، إذ لم يكن احتلال سيناء مجرد خسارة لأرض، وإنما كان تحديًا مباشرًا لسيادة الدولة المصرية وأمنها القومي.
غير أن الشعب المصري والقوات المسلحة المصرية لم يتعاملا مع الاحتلال باعتباره أمرًا واقعًا دائمًا، وإنما بدأت مرحلة جديدة من النضال العسكري والسياسي من أجل تحرير الأرض.
حرب الاستنزاف: مصر ترفض الاحتلال
بعد عام 1967م، بدأت حرب الاستنزاف التي شكلت مرحلة مهمة في إعادة بناء القوات المسلحة المصرية ورفع الروح المعنوية للمصريين، كما أسهمت في استنزاف القوات الإسرائيلية وإثبات أن الاحتلال لن يكون مستقرًا أو دائمًا.
وشهدت هذه المرحلة عمليات عسكرية وبطولات عديدة للجنود المصريين على الجبهة، كما شهدت معارك جوية وبحرية وبرية، وكان الهدف الأساسي هو الحفاظ على الضغط العسكري على القوات الإسرائيلية والاستعداد لمعركة التحرير.
لقد كانت حرب الاستنزاف مرحلة إعداد نفسي وعسكري وسياسي للحظة التي طال انتظارها؛ لحظة العبور.
السادس من أكتوبر 1973م: عبور التاريخ إلى النصر
وفي السادس من أكتوبر عام 1973م، الموافق العاشر من رمضان، بدأت واحدة من أعظم صفحات التاريخ العسكري المصري الحديث.
عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، وأقامت رؤوس الكباري على الضفة الشرقية للقناة، وبدأت عملية تحرير سيناء.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية عابرة، وإنما كانت لحظة فارقة في التاريخ المصري والعربي، أثبت فيها الجندي المصري قدرته على تجاوز أصعب العقبات، واستعادة الثقة والكرامة، وتحويل الهزيمة إلى نصر.
وقد امتزج في معركة أكتوبر التخطيط العسكري الدقيق بالشجاعة والتضحية، وقدم آلاف الجنود المصريين أرواحهم من أجل تحرير الأرض. وظلت سيناء منذ ذلك التاريخ مرتبطة في الذاكرة المصرية بصورة الجندي الذي عبر القناة ورفع العلم المصري على أرضها.
ولم يتوقف تحرير سيناء عند المجال العسكري، وإنما استكملته الدبلوماسية المصرية والجهود السياسية والقانونية. فقد انسحبت القوات الإسرائيلية من معظم سيناء على مراحل، واكتمل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982م وفقًا للترتيبات المرتبطة بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.
وظلت طابا خارج السيادة المصرية حتى حُسم النزاع حولها بالتحكيم الدولي، وجاء الحكم لصالح مصر عام 1988م، ثم اكتمل استردادها ورفع العلم المصري عليها في 19 مارس 1989م.
وهكذا اكتملت عودة سيناء إلى السيادة المصرية، عسكريًا وسياسيًا وقانونيًا، لتصبح ملحمة استردادها أُنموذجًا لتكامل أدوات الدولة في الدفاع عن الأرض: القوة العسكرية، والدبلوماسية، والقانون الدولي.
سيناء في الجمهورية الجديدة: من التحرير إلى التعمير
إذا كان تحرير سيناء قد مثل الهدف الأكبر لمصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فإن التحدي في القرن الحادي والعشرين يتمثل في تعمير سيناء وتنميتها وربطها بصورة كاملة بالوادي والدلتا.
فالأرض التي ضحى من أجلها المصريون لا ينبغي أن تكون مجرد منطقة حدودية أو ذاكرة للحروب، وإنما يجب أن تكون مجالًا واسعًا للتنمية والاستثمار والإنتاج والاستقرار السكاني.
ومن هنا اتجهت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة إلى تنفيذ عدد كبير من المشروعات القومية في سيناء، شملت إنشاء وتطوير شبكات الطرق والكباري والأنفاق، وتحسين خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي، واستصلاح الأراضي الزراعية، وإنشاء التجمعات والمدن الجديدة، فضلًا عن تطوير الموانئ والمناطق الصناعية والسياحية.
وقد أسهم إنشاء أنفاق قناة السويس في تعزيز الارتباط الجغرافي بين سيناء ووادي النيل، بعد أن كانت قناة السويس تمثل في بعض المراحل عائقًا مائيًا أمام سهولة الحركة البرية. كما ارتبطت مشروعات التنمية بإنشاء مدن وتجمعات عمرانية جديدة، وتطوير البنية الأساسية في شمال سيناء وجنوبها.
وتملك سيناء إمكانات اقتصادية وسياحية كبيرة، فهي تجمع بين الشواطئ الممتدة على البحرين المتوسط والأحمر، والجبال، والمحميات الطبيعية، والمواقع الأثرية، والأماكن الدينية، فضلًا عن إمكانات التعدين والزراعة والثروة السمكية.
وتظل مدن مثل شرم الشيخ ودهب ونويبع والعريش نماذج مهمة للتنوع الجغرافي والاقتصادي والسياحي الذي تتميز به سيناء.
غير أن التنمية في سيناء لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد إنشاء طرق ومبانٍ ومشروعات، وإنما هي في جوهرها مشروع لبناء الإنسان والاستقرار المجتمعي "البشر والحجر". فالتنمية الحقيقية تعني توفير فرص العمل، والتعليم، والرعاية الصحية، والخدمات، وتشجيع السكان على الاستقرار والإنتاج، وربط سيناء بصورة كاملة بمصر وواديها.
سيناء والأمن القومي المصري
ظل الأمن القومي حاضرًا في كل مراحل تاريخ سيناء؛ فمنذ طريق حورس في العصر الفرعوني إلى حصون العصور الإسلامية، ومن معارك الحربين العالميتين إلى حروب 1956م و1967م والاستنزاف وأكتوبر، كانت سيناء دائمًا في قلب الحسابات الاستراتيجية المصرية.
وفي العصر الراهن، تواجه سيناء تحديات جديدة لا تقتصر على التهديدات العسكرية التقليدية، وإنما تشمل الإرهاب والتطرف والتنمية غير المتوازنة والتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
وقد أثبتت التجربة المصرية أن مواجهة هذه التحديات لا تتم بالعمل العسكري وحده، وإنما تحتاج إلى تكامل الأمن والتنمية والتعليم والثقافة والتعمير.
ومن هنا فإن تعمير سيناء يمثل في ذاته أحد أهم عناصر الأمن القومي المصري؛ فكل طريق جديد، وكل مدرسة ومستشفى ومصنع ومزرعة ومدينة وتجمع عمراني، وكل فرصة عمل تُتاح لأبناء سيناء، هي في النهاية جزء من عملية تثبيت الوجود المصري وتعزيز ارتباط الإنسان بأرضه.
سيناء في الوجدان المصري
لم تكن سيناء يومًا مجرد مساحة من الأرض، وإنما تحولت عبر آلاف السنين إلى رمز من رموز الهوية المصرية.
هي أرض الفراعنة الذين عرفوا قيمة مواردها وأقاموا فيها منشآت التعدين والحماية.
وهي أرض الأنبياء والمقدسات والرحلات الروحية.
وهي طريق الفتح الإسلامي، وطريق الحجاج المصريين إلى الأراضي المقدسة.
وهي أرض القلاع والحصون التي شهدت صراعات القوى والدول.
وهي أرض الجندي المصري الذي قاتل واستشهد دفاعًا عنها.
وهي أرض العبور في أكتوبر 1973م.
وهي أرض التحكيم الدولي الذي أثبت حق مصر في طابا.
وهي اليوم في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي أرض التنمية والعمران والمستقبل.
ومن ثم، فإن الحديث عن سيناء هو حديث عن جانب أساسي من تاريخ مصر نفسها؛ لأن سيناء كانت دائمًا جزءًا من حركة التاريخ المصري، وليست هامشًا خارجيًا عليه.
إن سيناء، بما تختزنه من تاريخ عريق وموقع استراتيجي ومقدسات وثروات وإمكانات، تمثل واحدة من أهم صفحات التاريخ المصري وأكثرها دلالة على قدرة مصر على البقاء والتجدد.
فمنذ أن وطئت أقدام المصريين القدماء أرضها بحثًا عن الفيروز والنحاس، مرورًا بجيوش الملوك التي عبرت طريق حورس، والرهبان الذين احتموا بجبالها، والقوافل التي شقت طرقها، والحجاج الذين عبروا دربها إلى الأراضي المقدسة، والجيوش التي خاضت فوق رمالها معاركها، وصولًا إلى جندي أكتوبر الذي رفع العلم المصري على أرضها، ظلت سيناء شاهدة على تاريخ وطن لم يتخلَّ يومًا عن أرضه.
لقد مرت سيناء بمراحل الاحتلال والحرب والانتصار، لكنها لم تفقد هويتها المصرية. وقد أثبت التاريخ أن الأرض يمكن أن تُحتل فترة، لكنها لا تفقد انتماءها إذا ظل أصحابها متمسكين بها، وأن السيادة ليست مجرد حدود على الخرائط، وإنما إرادة وطنية تتجسد في الدفاع والتعمير والبناء.
ولذلك فإن معركة سيناء لم تنتهِ بانتصار أكتوبر أو باسترداد طابا، وإنما انتقلت من معركة التحرير إلى معركة التعمير، ومن مواجهة الاحتلال إلى بناء المستقبل.
وإذا كان المصريون قد كتبوا بدمائهم ملحمة تحرير سيناء، فإن الأجيال الجديدة مطالبة بأن تكتب بعلمها وعملها وإنتاجها ملحمة جديدة عنوانها: سيناء أرض الحياة والتنمية والمستقبل.
ستظل سيناء جزءًا لا يتجزأ من مصر؛ شاهدة على عراقة حضارتها، وحارسة لبوابتها الشرقية، وذاكرة لبطولات أبنائها، وجسرًا يربط مصر بآسيا والعالم العربي، ومجالًا رحبًا لطموحات أجيالها القادمة.
إنها أرض الفيروز، وأرض العبور، وأرض السلام، وأرض المستقبل؛ وستبقى في وجدان المصريين رمزًا خالدًا لمعنى الوطن الذي لا يُفرَّط فيه، والأرض التي تستحق أن تُصان، وتُعمَّر، وتُروى بقصص المجد جيلًا بعد جيل.