رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


جنازة رجل مثقف

12-10-2026 | 12:13


زياد عبد التواب,

بعد أن أنهى نفس الدخان الأخير لم يطفئ السيجارة سريعا كعادته بل ابقاها بين شفتيه لدقائق كأنه يودعها قبل أن يلقى بها بين أخواتها المستقرين في المطفأة الذهبية، اغلق بعد ذلك الكتاب الذي لازمه في الأيام الأخيرة ووضعه جانبا ومن فوقه منظار القراءة قبل ان يوقف عزف شوبان المسترسل من جهاز التسجيل، استلقى بعد ذلك على سريره وادار وجهه للحجرة كلها مستقبلا الحائط واضعا وسادة فوق راسه قبل ان يستسلم للموت.

ما حدث في الصباح كان متوقعًا، أنغام منبه الهاتف ثم جرس المتصلين ثم جرس الباب ثم كسر الباب والالتفاف حول الفراش قبل ان تبدأ الإجراءات الطبية والقانونية يليها الغسل والتكفين والصلاة ثم انطلاق النعش الى المستقر الأخير.

بعد أن وصلت السيارة الى مدخل المدافن توقف السائق مشيرا الى ضيق الطريق وضرورة حمل النعش المسافة المتبقية وهنا انبرى عدد من الرجال للقيام بالمهمة فيما سار خلف النعش اشبح غريبة لم يتبينها احد الا بعد ان بدأت بالكلام، قال الأول "انا مندوب ووكيل عن كل الكتب التي قرأها الفقيد، قضينا معه ساعات ممتعة ونحسب أنه استفاد منا كثيرا على الأقل على مستوى الإدراك حتى و إن منعته الظروف من التصريح بكل ما بحنا له به، اعرف ان بعضنا كان تافها او يحمل اخبار غير صحيحة ولكن اعتقد ان الفقيد امتلك من الحكمة ما مكنه من التفرقة بين الغث والسمين وحاليا لا ندرى ما هو مصيرنا بعد غيابه،هل سنذهب الى مكتبة عامة ام سننتشر في مكتبات بيع الكتب القديمة والمستعملة ام سيستمتع محبو التسالي بحبات اللب والفول السوداني داخل أوراقنا التي ستتحول الى قراطيس".

هنا انبرى شبح اخر قائلا "اما انا فبصفتي وكيلا عن الكتب التي اشتراها الفقيد ولم يقرأها أستطيع ان أؤكد انه كان مصابا بمرض الببلومانيا أي هوس شراء الكتب ونتيجة لذلك فان عددنا أصبح أكبر كثيرا من عدد الكتب التي قرأها، وللعجب فان نسبة كبيرة منا ما تزال ملفوفة بالغلاف البلاستيكي ولم يتم تصفحها على الاطلاق، اعرف ان الفقيد كان ينظر الينا بأمل في اللقاء وأحيانا بحزن على قصر العمر وطول القائمة التي تحتوينا، كنا نريد ان نبوح له بان ما نحتويه لا يختلف كثيرا عما قرا، فالتاريخ يتكرر والانماط كذلك والنفس البشرية لم تتغير منذ قام هابيل بقتل أخيه بحجر وحتى اللحظة الأخيرة من حياة الفقيد وما بعدها أيضا وحتى قيام الساعة، على ايه حال لا ادرى هل حالنا سيكون افضل من حال الكتب التي قرأها ام سنستقر أيضا في "مقلة الأمانة".

على الجانب الاخر نجد مجموعة من الاشباح التي تمثل ورش العمل والندوات والمؤتمرات والأوراق البحثية والمقالات والكتب والمجلات واللقاءات التليفزيونية والاذاعية ومنشورات التواصل الاجتماعي التي كان ينشرها الفقيد بانتظام، الجميع يسير في حزن ممتزج بالتعاطف مع رجل حاول التغيير ولم ير ثمرته حتى وفاته، كل تلك الاشباح تردد عبارة واحدة " ما قمت به حتما سيثمر يوما ما، فالأشجار الباسقة تحتاج لسنوات".

في نهاية الصفوف ظهر شبح جديد يبتسم ويقول "أنا الذكاء الاصطناعي، لا داعي للحزن، أنا أعرف كل ما قال وأعرف أسلوبه وآراؤه ومبادئه تمام المعرفة وأستطيع ان أقدم لكم أفكار جديدة كان سيقولها لولا قدر الله".

في نفس الوقت كانت شبكات التواصل الاجتماعي منقسمة بين الدعاء للفقيد معددة مأثره وبين مجموعات أخرى تلاحقه بعبارات مثل "عليه من الله ما يستحق" و"أفضى إلى ما قدم" وفي هذه اللحظة ارتسمت ابتسامة باهتة على وجه الفقيد قبل أن يغيب تحت التراب إلى الأبد.