من تعزيز الحضور الدبلوماسي إلى توطين التكنولوجيا والصناعة.. خبراء يوضحون مكتسبات الجولة الآسيوية للرئيس السيسي
جاءت الجولة الآسيوية التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرا، وشملت كل من كوريا وماليزيا وإندونيسيا، لتعكس قيمة ومكانة مصر الدولية والإقليمية وتوجهها نحو توسيع شراكاتها ليس فقط من حيث ما تحمله من دلالات سياسية ودبلوماسية، وإنما أيضًا لما تتيحه من فرص لتعزيز التعاون الاقتصادي، والاستفادة من التجارب الصناعية والتكنولوجية لهذه الدول، وفتح آفاق جديدة للشراكة والاستثمار.
وخلال الزيارة، تم الإعلان عن الارتقاء بالعلاقات بين مصر وكوريا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وذلك بناء على التفاهم الذي تم التوصل إليه خلال زيارة رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم إلى القاهرة في نوفمبر 2024، ويهدف إلى بناء شراكة أكثر ديناميكية ومرونة في مختلف المجالات.
وقال الرئيس السيسي، إنه تم توقيع 20 اتفاقية خلال الجولة، موضحا أنها شهدت إرادة قوية لدى الدول التي زارها لتعزيز التعاون مع مصر، مع الاستعداد لإبرام اتفاقيات جديدة وإقامة استثمارات مشتركة في عدد من القطاعات الحيوية.
وأشار الرئيس السيسي إلى أن الدول التي زارها تُبدي احترامًا للمسار السياسي المصري، وتقديرًا لنهج القاهرة في إدارة سياستها الخارجية، موضحا أن مصر تتمتع بمكانة كبيرة لدى الدولة، بفضل تاريخها الحضاري العريق ونهجها السياسي المعتدل والمتزن، وأن الاستقرار السياسي الذي تتمتع به البلاد، رغم التحديات الاقتصادية، يحظى بتقدير دولي.
مصر تعمل على تنويع شراكاتها الدولية
قال الدكتور محمد عبد العظيم الشيمي، أستاذ العلوم السياسية، إن الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي تعكس توجه مصر نحو تنويع شراكاتها الدولية وتعزيز حضورها، خصوصًا على المستوى الآسيوي، ففي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تبرز أهمية تنويع الشراكات على المستويين الجيوسياسي والاقتصادي، بما يعزز قدرة الدول على التعامل مع المتغيرات الدولية، ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون في مجالات سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة.
وأوضح في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن الجولة شملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، وهي دول من الأهمية الاستفادة من تجاربها الاقتصادية والصناعية، فكوريا الجنوبية تمتلك خبرات متقدمة في الصناعات التكنولوجية وصناعة السيارات والإلكترونيات، فضلًا عن تطوير القدرات الصناعية، أما ماليزيا، فتتمتع بخبرات مهمة في الصناعات التحويلية والبتروكيماويات والاقتصاد الرقمي، في حين تمتلك إندونيسيا سوقًا واسعة وقاعدة صناعية مهمة وموارد طبيعية متنوعة، إلى جانب ثقلها الإقليمي.
وأكد أن البعد الاقتصادي يمثل أحد المحاور الرئيسية لهذه الزيارة، إلى جانب البعد السياسي والاستراتيجي، فعلى المستوى السياسي، يسهم توسيع نطاق العلاقات المصرية مع هذه الدول في توفير مساحة أكبر للتحرك الدبلوماسي، وتعزيز فرص التنسيق والتعاون بشأن القضايا الإقليمية والدولية، موضحا أن مصر تسعى، من خلال تنويع شراكاتها الدولية، إلى توسيع نطاق الدعم لمواقفها وتوجهاتها إزاء القضايا المختلفة، وتعزيز قدرتها على التواصل مع أطراف دولية وإقليمية متعددة، بما يتيح لها مرونة أكبر في التعامل مع التحولات التي يشهدها النظام الدولي.
دلالات الحفاوة والاستقبال وآفاق التعاون المستقبلي
أما فيما يتعلق بمستوى الحفاوة التي حظيت بها الزيارة، وطبيعة الاستقبال الرسمي والشعبي، أكد الشيمي أن ذلك يعد مؤشرًا إيجابيًا يعكس عمق العلاقات بين مصر والدول الآسيوية المعنية، ويؤكد أهمية الروابط السياسية والدبلوماسية القائمة بينها، فالحفاوة في الاستقبال لا تقتصر على كونها مظهرًا بروتوكوليًا، بل يمكن أن تعكس إرادة سياسية لتعزيز التواصل، وتوسيع مجالات التعاون المشترك، وتدعيم فرص بناء شراكات مستدامة تقوم على المصالح المتبادلة، وتعكس وجود مساحة للتقارب والتفاهم بين الأطراف المختلفة، بما يدعم مسار العلاقات المصرية الآسيوية خلال المرحلة المقبلة.
وشدد على أن أهمية الزيارة ستتضح بصورة أكبر خلال الفترة القادمة، في ضوء ما ستسفر عنه من نتائج عملية، حيث تكتسب الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم التوصل إليها، والتي يقترب عددها من عشرين اتفاقية ومذكرة تفاهم، أهمية خاصة، نظرًا إلى تعدد المجالات التي تشملها وما يمكن أن تمثله من نقلة نوعية في علاقات مصر مع الدول الثلاث.
وأكد أن قيمة هذه الاتفاقيات لا تتحدد بمجرد توقيعها، وإنما ترتبط بالقدرة على تنفيذها وتحويلها إلى مشروعات ومبادرات ملموسة، ويتطلب ذلك ربط مخرجات الزيارة بأولويات الاقتصاد المصري، ووضع آليات واضحة للتنفيذ، وتحديد جدول زمني محدد، إلى جانب تقييم العائد المتوقع ومدى تحقيق المنفعة المتبادلة لجميع الأطراف.
ولفت إلى أهمية الاستفادة من الخبرات الآسيوية في نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات وتطوير القدرات الإنتاجية المصرية، موضحا أن هذه المجالات تمثل فرصًا مهمة لدعم التنمية الاقتصادية وتعزيز التنافسية، لكنها تحتاج إلى رؤية طويلة الأجل، وآليات تنفيذ فعالة، وقدرة على استيعاب الخبرات الأجنبية وتكييفها مع طبيعة الاقتصاد المصري واحتياجاته.
وأضاف أن الاستفادة من التجارب الاقتصادية والصناعية لهذه الدول لا ينبغي أن تقتصر على نقل النماذج الجاهزة، بل يجب أن تقوم على دراسة هذه التجارب وتحديد العناصر القابلة للتطبيق في مصر، بما يحقق أقصى استفادة ممكنة من الخبرات المتاحة، ويعزز فرص بناء قاعدة صناعية أكثر تطورًا واستدامة.
وأكد أن الجولة أيضا ذات أهمية في تعزيز التقارب السياسي والدبلوماسي، وتوسيع نطاق التشاور بشأن الأزمات الإقليمية والدولية، فضلًا عن البحث عن مواقف مشتركة وآليات للتنسيق الدبلوماسي تسهم في احتواء التوترات ودعم جهود التسوية السياسية.
وتابع: تأتي القضية الفلسطينية في مقدمة هذه الملفات، إلى جانب تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، وما تفرضه من تحديات ومخاطر على الاقتصاد العالمي واقتصادات المنطقة بصورة خاصة، موضحا أن تعزيز التشاور مع الشركاء الآسيويين يمكن أن يوفر فرصًا أوسع لتبادل الرؤى، وتنسيق المواقف، ودعم الجهود الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمات الإقليمية.
وشدد على أن أهمية هذه الزيارة لا تقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية بين مصر وكوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، بل تمتد إلى دعم توجه مصري أوسع يستهدف تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز الحضور في آسيا، والاستفادة من التجارب الاقتصادية والصناعية المتقدمة، وتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية.
وأكد أنه يبقى التحدي الأساسي خلال المرحلة المقبلة هو ترجمة الزخم السياسي والاتفاقيات الموقعة إلى نتائج ملموسة، سواء على المستوى الاقتصادي من خلال المشروعات ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات، أو على المستوى السياسي من خلال تعزيز التنسيق والتعاون بشأن القضايا الإقليمية والدولية، موضحا أنه من خلال هذه النتائج العملية، يمكن تقييم مدى نجاح الزيارة في تحقيق أهدافها وبناء شراكات مستدامة تحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف.
فرص جديدة للاستثمارات وتعزيز التعاون
قال الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، إن الجولة الآسيوية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وشملت ثلاث دول هي كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، تُعد جولة مهمة تعكس توجهات السياسة الخارجية المصرية، وتأتي في إطار دبلوماسية القمة التي تمثل إحدى الأدوات الفاعلة في تعزيز العلاقات الدولية، كما تعكس هذه الجولة أحد المحاور الرئيسية للسياسة الخارجية المصرية، وهو الانفتاح على الشرق، ولا سيما القارة الآسيوية التي تضم دولًا ذات ثقل سياسي واقتصادي كبير، مثل الصين ودول النمور الآسيوية.
وأوضح "بدر الدين"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن الجولة تكتسب أهمية كبيرة لما تعكسه من حرص مصر على تحقيق التوازن والمرونة والاستقلالية في سياستها الخارجية، وتعزيز حضورها على المستويين الإقليمي والدولي، موضحا أنها شهدت بحث عدد من القضايا والملفات المهمة، إلى جانب توقيع اتفاقيات تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي بين مصر وكل دولة من الدول التي شملتها الجولة، وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما المجالات الاقتصادية والتنموية، والتجارة البينية، ونقل التكنولوجيا، والتحول الرقمي، والطاقة.
وأضاف أنه من شأن هذه الخطوات أن تحقق فوائد متبادلة لجميع الأطراف، وتسهم في توطيد العلاقات الثنائية ودعم المصالح المشتركة، مشيرا إلى أنه على صعيد آخر، تناولت المباحثات عددًا من القضايا ذات الاهتمام المشترك، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، بما في ذلك الأزمات والتحديات التي تشهدها المنطقة والعالم.
وتابع أن القضية الفلسطينية حظيت باهتمام خاص، حيث جرى التأكيد على أهمية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية، وهو الموقف المصري الثابت الذي تؤكد عليه مصر في مختلف المحافل والمناسبات الدولية، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تخفيف حدة التوترات والأزمات في المنطقة، والحفاظ على وحدة دولها وسلامة أراضيها، ودعم استقرارها، والعمل على إيجاد حلول سياسية وسلمية للأزمات التي تواجهها.
وأكد أن الزيارة عكست مستوى التقدير الذي تحظى به مصر، حيث شهدت استقبالًا حافلًا للرئيس على المستويين الرسمي والشعبي، إلى جانب الإشادة بالدور المصري في السياسة الدولية، وبجهود القاهرة الرامية إلى تعزيز علاقاتها مع مختلف دول العالم، ولا سيما الدول الآسيوية، بما يفتح آفاقًا أوسع للتعاون والتنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وأوضح أنه من الجوانب المهمة التي يمكن لمصر الاستفادة منها خلال هذه الجولة، الاستفادة من التجارب التنموية والاقتصادية الناجحة للدول الآسيوية، وخاصة دول النمور الآسيوية التي استطاعت تحقيق تقدم ملحوظ في مجالات الصناعة والإنتاج والتصدير، مضيفا أنه يمكن لمصر الاستفادة من هذه التجارب في تطوير الصناعات الصغيرة والحرف اليدوية، خصوصًا في ظل توافر العنصر البشري والقدرات الإنتاجية التي تمتلكها. كما أن دعم هذه الصناعات وتطويرها بما يتوافق مع متطلبات الأسواق الخارجية يمكن أن يسهم في زيادة الصادرات، وتوفير العملة الأجنبية، وتعزيز موارد الاقتصاد المصري، وتحسين ميزان المدفوعات.
وشدد على أن هذه الجولة الآسيوية تمثل خطوة مهمة على المستويين السياسي والاقتصادي، فضلًا عن أبعادها التنموية والاستثمارية، فهي تتيح فرصًا جديدة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وإقامة مشروعات مشتركة، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، وتبادل الخبرات والتكنولوجيا، بما يدعم جهود التنمية في مصر ويعزز مكانتها الدولية، ويؤسس لمرحلة أكثر اتساعًا وفاعلية في علاقاتها مع الدول الآسيوية.
مكانة مصر المتميزة إقليميا ودوليا
ويقول الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، إن الجولة الآسيوية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي تؤكد المكانة المتميزة التي تحظى بها الدولة المصرية على المستويات الإقليمية والدولية، كما تعكس مدى التقدير الذي تكنّه الدول التي شملتها الجولة لمصر، قيادةً وحكومةً وشعبًا.
وأوضح في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أنه نتائج الجولة أظهرت بوضوح ما تتمتع به مصر من مكانة حضارية وثقافية وسياسية وإقليمية وأمنية، فضلًا عن دورها المحوري في المنطقة باعتبارها إحدى ركائز الاستقرار الإقليمي والعامل المؤثر في تحقيق التوازن في محيطها.
وأضاف أنه انطلاقًا من هذه المكانة، تسعى مصر إلى توظيف مزاياها الجغرافية والاستراتيجية وتحويلها إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، من خلال تنويع شراكاتها الدولية وتوسيع دائرة علاقاتها مع مختلف دول العالم، مضيفا أنه تبرز أهمية التوجه نحو دول مثل ماليزيا وإندونيسيا وكوريا الجنوبية، للاستفادة من تجاربها المتقدمة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا، والعمل على نقل هذه التكنولوجيات وتوطينها داخل مصر، بما يسهم في تطوير القدرات الإنتاجية وتعزيز مسيرة التنمية.
وأضاف أنه لا يقتصر الطموح المصري على أن تكون البلاد سوقًا للمنتجات الأجنبية أو مجرد موقع جغرافي يتمتع بمزايا استراتيجية فريدة، بل يمتد إلى المشاركة الفعلية في عمليات التصنيع والإنتاج ونقل المعرفة، موضحا أن الهدف هو تحويل الموقع الجغرافي المتميز والمكانة السياسية التي تتمتع بها مصر إلى قوة اقتصادية حقيقية، تستند إلى قاعدة صناعية متطورة وقدرات تكنولوجية قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
وأكد أن مصر تتمتع بمقومات مهمة، يأتي في مقدمتها ما شهدته من تطور في البنية التحتية، إلى جانب امتلاكها ثروة بشرية شابة تتميز بالكفاءة والقدرة على التعلم والتكيف مع التطورات الحديثة، كما يُعد الشباب المصري عنصرًا أساسيًا في إنجاح جهود نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات المتقدمة، لما يمتلكه من قدرات على الاستيعاب والتطوير والتعامل مع التقنيات الحديثة.
وأشار إلى أن الاستفادة من التجارب الآسيوية الناجحة ونقل التكنولوجيا المتقدمة إلى مصر يمثلان فرصة مهمة لدعم الصناعة الوطنية، ورفع كفاءة الإنتاج، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.