رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


مساجد لها تاريخ.. المسجد الصيني بجرجا تحفة معمارية تروي حكايات التراث الإسلامي بسوهاج

13-10-2026 | 13:12


المسجد الصيني بجرجا

خلف ابوزهاد

في قلب مدينة جرجا بمحافظة سوهاج، تقف شواهد التاريخ حارسةً لذاكرة المكان، وتحمل تفاصيل معمارية تحكي جانبًا من عظمة الحضارة الإسلامية في صعيد مصر، ويأتي المسجد الصيني ضمن أبرز هذه الشواهد، بما يضمه من زخارف فريدة وبلاطات قيشاني مميزة وعناصر معمارية عتيقة، تجعله صفحة مضيئة من تاريخ المدينة وتراثها الديني والحضاري.

يرجع تاريخ إنشاء المسجد إلى العصر العثماني، حين أقامه الأمير محمد بك الفقاري، أحد أمراء المماليك، عام 1117هـ، قبل أن يشهد تجديدًا عام 1202هـ، عقب تعرض المنطقة لفيضان، على يد الشيخ عبد المنعم عبد الرحمن، المعروف بأبي بكري الخياط.

واكتسب المسجد اسمه من بلاطات القيشاني الصيني المزخرفة التي تزين محراب القبلة وأجزاءً من جدرانه، وتمنحه طابعًا فنيًا خاصًا، حيث تتداخل الزخارف والألوان في مشهد يعكس ثراء الفنون الإسلامية واهتمام المعماريين بالتفاصيل الجمالية داخل دور العبادة.

يقع المسجد بمنطقة القيثارية شرق مدينة جرجا، وقد أُقيم على أرض مرتفعة نسبيًا للحد من مخاطر الفيضانات التي كانت تتعرض لها المنطقة، وشُيدت جدرانه بالطوب المحروق، باستثناء جدار المدخل الرئيسي من الناحية الشمالية، الذي بُني بالحجر، فيما أضفت الأسقف والأعمدة الخشبية على المبنى طابعًا معماريًا مميزًا.

ويتكون المسجد من أربعة أروقة تحيط بصحن مكشوف في المنتصف، وتستند أسقف الأروقة إلى صفوف تضم 22 عمودًا خشبيًا، في تصميم يجمع بين البساطة الوظيفية وجمال التكوين المعماري.

ويضم المسجد منبرًا خشبيًا قديمًا، ومحرابًا رئيسيًا يحتفظ بزخارفه وبلاطات القيشاني الصيني، إلى جانب محراب صغير ومقصورة خشبية مخصصة للنساء، بما يكشف عن تنوع عناصره الداخلية وثراء تفاصيله التراثية.

ولا تقتصر القيمة المعمارية للمسجد على زخارفه الداخلية، بل تمتد إلى مئذنته المكونة من ثلاثة طوابق، والمنفذة وفق الطراز المحلي للمآذن المصرية، فضلًا عن وجود بابين، أحدهما يطل على شارع البحر، والآخر يفتح على منطقة القيثارية، وهو ما يعكس ارتباط المسجد بالنسيج العمراني التاريخي لمدينة جرجا.

وتمنح هذه العناصر المسجد خصوصية معمارية تستحق التوثيق، باعتباره أحد المباني الدينية التي تحتفظ بملامح من تطور العمارة الإسلامية في صعيد مصر عبر العصور.

تتجاوز أهمية المسجد الصيني حدود كونه مبنى أثريًا، فهو جزء من الذاكرة الحضارية لمدينة جرجا، وشاهد على ما شهدته سوهاج من ازدهار عمراني وديني، وما تركته العصور المتعاقبة من آثار لا تزال تحمل ملامحها حتى اليوم.

ويبقى المسجد الصيني بجرجا رسالة من الماضي إلى الحاضر، تؤكد أن التراث ليس مجرد جدران عتيقة أو زخارف جميلة، بل هو هوية وطن وذاكرة أجيال، الأمر الذي يجعل الحفاظ على هذه الكنوز التاريخية والتعريف بها مسؤولية ثقافية وحضارية، لضمان بقائها شاهدًا على عراقة مصر وأصالة حضارتها أمام الأجيال القادمة.