18-4-2026 | 09:52
هيثم الهواري
عندما قررت الذهاب لمشاهدة مسرحية الملك لير، بناءً على دعوة من الصديق الفنان هيثم حسن، اتخذت قرارًا بأن أضع جانبًا كل ما علق بذهني من مشاهدات سابقة للعمل في نسختيه اللتين شاهدتهما من قبل؛ فالأولى من إخراج الراحل المخرج الكبير أحمد عبد الحليم، والثانية كانت للمخرج تامر كرم، والحالية من إخراج المخرج شادي سرور، وبالتأكيد، لكل مخرج وجهة نظر مختلفة، وأنا أعرف شادي سرور جيدًا، وأعماله المسرحية تكشف عن وجود مخرج كبير وواعٍ؛ لذا قررت أن أتعامل مع العرض وكأنني أراه للمرة الأولى.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن العرض لا يسعى فقط إلى إعادة تقديم نص شكسبير الكلاسيكي، بل يحاول أن يخلق مساحته الخاصة، التي تتقاطع مع روح النص دون أن تُستنسخ منه، فقد جاءت الرؤية الإخراجية مشحونة بطاقة معاصرة، توازن بين الحفاظ على جوهر التراجيديا الإنسانية التي كتبها شكسبير، وبين محاولة إسقاطها على واقعنا الراهن، حيث تتكرر نفس الأسئلة حول الخيانة، والطمع الإنساني، وإن اختلفت الأزمنة.
أداء الفنان الكبير يحيى الفخراني في شخصية الملك لير هو المحور الأساسي في هذا العرض؛ حيث نجلس أمامه لنستمتع بطريقته في تقديم هذه الشخصية المركبة، التي تتأرجح بين جبروت الملك وضعف الإنسان، لم يكن لير هنا مجرد حاكم عجوز فقد صوابه، بل بدا ككائن مأزوم داخليًا، يكتشف تدريجيًا هشاشته أمام قسوة العالم وخداع المقربين، هذا التحول الدرامي تم تقديمه بتدرج محسوب، جعل المتفرج شريكًا في رحلة السقوط، لا مجرد شاهد عليها.
أما بقية الشخصيات، مثل الفنانين الكبار طارق دسوقي، حسن يوسف وأيضا المواهب الشابة أحمد عثمان، تامر الكاشف، أمل عبدالله، إيمان رجائي، بسمة دويدار،لقاء على , طارق شرف، محمد العزايزي، عادل خلف، احمد سمير وهيثم حسن ، مصطفي البراء ، ياسر مجاهد ، حازم صلاح ، وائل مصطفي، محمد أشرف ، أحمد هشام ، أحمد أشرف ، حمدي حسن ، فقد بدت وكأنها تتحرك داخل شبكة معقدة من المصالح والرغبات، حيث لم يُقدَّم الشر بشكل نمطي، بل كنتاج طبيعي لصراعات داخلية وظروف ضاغطة، وهو ما منح العرض عمقًا إضافيًا، وجعل العلاقات بين الشخصيات أكثر واقعية وقسوة في آنٍ واحد.
والحقيقة أن العرض، رغم ما ضمّه من عدد كبير من المواهب المتميزة، إلا أن بعض العناصر استطاعت أن تفرض حضورها وتلفت الانتباه بشكل لافت، فقد برز أحمد عثمان بأسلوب أدائي خاص، نجح من خلاله في المزج بين ملامح الشر ولمسات كوميدية خفيفة، مما أضفى على الشخصية عمقًا وجاذبية، كما قدمت أمل عبد الله أداءً متقنًا في دور “جرونيل”، عكست من خلاله فهمًا واضحًا لأبعاد الشخصية وسيطرة ملحوظة على أدواتها الفنية، أيضا تألقت إيمان رجائي في دور “ريجن”، حيث شهدت المنافسة بينها وبين أمل عبد الله قوة ملحوظة، خاصة في تجسيد دورَي ابنتي “لير”، ما أضفى على العمل حالة من التوازن الدرامي والتفاعل الحيوي، ولا يمكن إغفال الأداء المميز للموهوبة بسمة دويدار في دور الأخت الصغرى، التي نجحت في تقديم شخصية تحمل قدرًا من البراءة والصدق، لتكمل بذلك منظومة أداء جماعي اتسم بالتنوع والثراء.
على مستوى العناصر البصرية، جاءت السينوغرافيا جميلة باستخدام شاشات كبيرة في العرض المسرحي، ساعدت على إعطاء عمق فني وتفاعلي جديد للفضاء المسرحي، حيث تمكنت من نقل المشاهدين إلى بيئات افتراضية مختلفة في ثوانٍ معدودة، وقد بدا العرض في ظاهره بسيطًا، لكنه غني بالدلالات، بالإضافة إلى ديكور حمدي عطية، فقد اعتمد العرض على توظيف الإضاءة والفراغ المسرحي بشكل ذكي، ليعكس حالات التحول النفسي للشخصيات، خصوصًا في مشاهد الجنون والعاصفة وأيضا خارج القصور، التي لم تكن مجرد حدث خارجي، بل تعبيرًا عن الانهيار الداخلي للملك لير، كما تُعد ملابس علا علي، وموسيقى أحمد الناصر، واستعراضات ضياء شفيق من العناصر المهمة التي ساهمت في إنجاح العرض.
اللافت أيضًا هو الإيقاع العام للعرض، الذي حافظ على توازنه رغم طول النص الأصلي وتعقيداته، لم يشعر المتلقي بالملل أو الترهل، بل ظل مشدودًا إلى تطور الأحداث، دون الإخلال بجوهر النص وهو يحسب للمخرج الواعى شادى سرور.
في النهاية، يمكن القول إن هذه التجربة لم تكن مجرد مشاهدة جديدة لنص قديم، بل كانت إعادة اكتشاف له، يجب أن نشكر عليها د. أيمن الشيوي الذي وافق على إعادة إنتاج هذا العرض من جديد، فقد نجح العرض في أن يطرح نفس الأسئلة الخالدة التي كتبها شكسبير، لكن بلغة قريبة من روح العصر، ودون أن يفقد عمقه الإنساني. وربما كانت القيمة الأهم في هذه المشاهدة أنها أعادت التأكيد على أن الأعمال العظيمة لا تنتهي، بل تتجدد مع كل رؤية جديدة، ومع كل متفرج يقرر أن يراها بعين مختلفة.
هناك أيضًا عناصر مهمة في إدارة العرض المسرحي يجب أن نتوجه لها بالشكر، مثل د. مصطفى التهامي، مدير دار العرض، على جهوده المبذولة، هو ورجال المسرح، في تنظيم وإدارة العرض المسرحي.