18-4-2026 | 10:08
شيماء رحيم
فى دورته الـ 15 أسدل مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية الستار على فعالياته، والتى جاءت بمثابة مراهنة ناجحة على تقديم برنامج فنى شديد الثراء، ليكون امتداداً لنجاحات دورات المهرجان السابقة وتعهداً صريحاً باستمرار الجودة فى الدورات اللاحقة، وقد برهنت هذه الدورة على تنوع لافت بين العروض السينمائية والندوات التثقيفية، إلى جانب الورش الفنية والأنشطة النوعية التى ميزت برنامج هذا العام، حيث شهدت الفعاليات لقاءات متخصصة ومحاضرات أضفت ثقلاً معرفياً بجانب القيمة الفنية، مما عزز من توازن الدورة على مستويى الكم والكيف.
جاء حفل الختام بحضور نخبة من صناع السينما ونجوم القارة السمراء، وتولت تقديمه الإعلامية السودانية «تسنيم رابح» بمشاركة الفنانة المصرية ياسمين الهوارى، حيث تجلت معانى الأخوة قبل إعلان الجوائز الرسمية، وقد شهد الحفل حضور السيناريست عبد الرحيم كمال نائباً عن وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكى، حيث نقل تحياتها وتقديرها لإدارة المهرجان، معربةً فى كلمتها التى ألقاها نيابة عنها عن اعتزازها بتاريخ المهرجان وحرصها على حضور دورات سابقة منه، وأكدت الوزيرة فى رسالتها أن السينما تتجاوز كونها مجرد فن لتصبح لغة حوار عالمية تعبر عن هوية الشعوب، مشددة على أن الثقافة والفنون هى نقطة الالتقاء الجوهرية التى تجمع شعوب القارة.
جوائز مسابقة الفيلم الطويل
أما لحظات الترقب فقد انتهت بإعلان جوائز الدورة الخامسة عشرة وسط احتفاء الوفود المشاركة، حيث حصدت السينما المصرية والسودانية نصيب الأسد وجاءت الجوائز كالتالي: في مسابقة الفيلم الطويل فاز بجائزة أفضل إسهام فني في فيلم روائي طويل، التصوير السينمائي: فيلم (القصص) لمدير التصوير وولفجانج ثالر، وجائزة أفضل إسهام فني فى فيلم روائي طويل – التمثيل: فيلم (كولونيا) للممثل (أحمد مالك) – مصر، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة لأفضل فيلم (تمثال قناع توت عنخ آمون الفضي) تُمنح لفيلم «ملكة القطن» إخراج سوزانا مرغني (السودان)، وجائزة النيل الكبرى لأفضل فيلم (قناع توت عنخ آمون الذهبي) تُمنح لفيلم «كولونيا» إخراج محمد صيام (مصر).
حصاد الفيلم القصير ومسابقات «الدياسبورا» والصعيد
وفى مسابقة الفيلم القصير، حصد فيلم «أحلام دندرة» للمخرجة صابرين الحسامى على القناع الذهبى، والمغربى «عائشة» القناع الفضى، مع تنويهات خاصة لأفلام من السنغال ونيجيريا ورواندا.. كما فاز فيلم «قضاء الرب» من جنوب إفريقيا بجائزة رضوان الكاشف، وتوج فيلم «عيون غانا» بجائزة النيل الكبرى فى مسابقة «الدياسبورا» التى شهدت تنويهاً خاصاً للممثل حسام داغر، واختتمت التكريمات بمسابقة «أفلام الصعيد»، حيث تقاسمت أفلام «الصابى»، «البحث عن مأوى»، «فاطمة»، و«رحلة عبر المتوسط» جوائز المركز الأول ولجنة التحكيم مناصفة.
جوائز الإنتاج والتطوير
شهد ختام الدورة الـ15 لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية إعلان حزمة جوائز كبرى لدعم الإنتاج وما بعد الإنتاج، بمشاركة مؤسسات رائدة، حيث حصد المخرجان أحمد عزت (عن فيلم Terri-Tura) وممدوح حبيشى (عن فيلم العودة إلى حديقة الحيوان) جوائز إنتاج مشترك بقيمة 10 آلاف دولار لكل منهما، مع خدمات ما بعد الإنتاج.
استثمار فى المواهب الواعدة
كما نال المخرج محمد صلاح نجيب جائزة مالية قدرها 150 ألف جنيه عن فيلمه «ضيق الدنيا الواسعة»، وحصل المخرج أحمد تمام على 100 ألف جنيه عن فيلم «عطارد»، بينما فاز المخرج فارس التابعى بجائزة بقيمة 50 ألف جنيه عن فيلم «صورة غير ملتقطة».. وفى دعم السينما القصيرة، ذهبت جوائز للمبدعين أنوار الطيب ومارك أيمن، لتختتم هذه المنح دورة المهرجان بتعزيز حقيقى لصناعة السينما الإفريقية وتطوير مشاريعها الواعدة.
مئوية «الأستاذ» يوسف شاهين
لم يكن الختام مجرد توزيع للجوائز، بل كان وقفة وفاءٍ استعاد فيها مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية أمجاد «سينما يوسف شاهين» تزامناً مع مئويته، وفى أجواء ملؤها الحنين، احتفى المهرجان بالنجوم الكبار سهير المرشدى، ومحسن محيى الدين، وسيف عبد الرحمن، الذين شكلوا جزءاً أصيلاً من عالم «الأستاذ» الفريد، ولم يكتفِ المهرجان بالتكريم الرمزى، بل أحيا هذه الذكرى سينمائياً عبر عرض أفلامٍ خالدة وسط جمهور الأقصر؛ حيث استعاد الحضور بريق سهير المرشدى فى «عودة الابن الضال»، وعمق محسن محيى الدين فى «حدوتة مصرية»، وفلسفة سيف عبد الرحمن فى فيلم «الاختيار».
ورش العمل
لم تكن الدورة الحالية لمهرجان الأقصر مجرد تظاهرة احتفالية، بل تحولت إلى مختبر فنى يسعى لدعم وتأهيل الكوادر الشابة عبر سلسلة من الورش المتخصصة، وفي إطار حرص الإدارة على فتح آفاق مهنية جديدة للموهوبين، انطلقت ورش التمثيل والماكياج السينمائى لتمثل نقطة انطلاق حقيقية للانخراط فى الصناعة؛ حيث وضع الفنان حسام داغر خبراته بين يدى المتدربين فى ورشة التمثيل، بينما قاد الفنان شريف القزاز الجانب التقنى والجمالى من خلال ورشة الماكياج السينمائى، مما أتاح للمشاركين فرصة نادرة للتعلم على يد محترفين.
ندوات المهرجان
شهد مهرجان الأقصر ندوة استثنائية بعنوان «صناعة الفيلم التسجيلى الإبداعى»، أدارها الناقد رامى عبد الرازق بحضور لافت لنخبة من المبدعين؛ من بينهم الفنان خالد الصاوى، والمخرجان محمد صيام ومهند دياب، والدكتورة حنان الدرباشى، الندوة التى أقيمت تحت مظلة رئاسة السيناريست سيد فؤاد للمهرجان، لم تكن مجرد نقاش تقنى، بل كانت محاولة لإعادة تعريف هذا الفن، حيث استهل المخرج محمد صيام الحديث باستعراض تجربته فى فيلم «أمل»، مشدداً على ضرورة فك الاشتباك بين الفيلم التسجيلى والريبورتاج الصحفى، لأن العلاقة بينهما كثيراً ما يساء فهمها، مؤكداً أن الإبداع التسجيلى يكمن فى تجاوز السرد التقليدى وتقديم رؤية إنسانية متوازنة تبتعد عن القوالب الدعائية الجامدة.
فلسفة الصورة فى مدرسة «داود عبد السيد»
في واحدة من أقوى جلسات المهرجان، أقام مهندس الديكور العالمى أنسى أبو سيف «ماستر كلاس» استثنائياً حول سينما المخرج الكبير داود عبد السيد، بحضور كوكبة من النجوم يتقدمهم الفنان محمود حميدة وسلوى محمد على وحسام داغر. بكلمات مؤثرة، وصف أبو سيف داود عبد السيد بأنه «أبوه الروحى» فنياً وإنسانياً، مؤكداً أن سينماه لم تكن مجرد أفلام، بل فلسفة خاصة ورؤية عميقة تجاه الحياة.. وانتقل أبو سيف من المشاعر إلى التقنية، حيث استعرض مفهوم «محتوى الصورة» وعلاقة مهندس المناظر بالكادر السينمائى، شارحاً بتبسيط ممتع مراحل البناء البصرى وكيفية تحويل السيناريو المكتوب إلى واقع مرئى ينبض بالحياة، مستعيناً بمشاهد مختارة من أفلام عبد السيد لتطبيق تلك المفاهيم عملياً.
ريهام عبد الغفور فى الأقصر
بعيداً عن قاعات التحليل الفنى، عاش جمهور الأقصر لحظات من الدفء والمشاعر الصادقة مع النجمة ريهام عبد الغفور، التى عُرض فيلمها «خريطة رأس السنة» ضمن برنامج تكريمها فى الدورة الخامسة عشرة، وقبل العرض، التقت ريهام بجمهورها فى ندوة أدارها رامى عبد الرازق، حيث عبّرت عن سعادتها البالغة بردود فعل الجمهور «الدافئ والصادق».. وأكدت ريهام أن الفيلم يمثل تجربة إنسانية خاصة جداً فى مسيرتها، كونه يغوص برقة وبساطة فى عالم فتاة من «متلازمة داون»، محاولاً حكاية قصتها بروح مختلفة بعيداً عن القوالب الدرامية التقليدية، لتؤكد من جديد أن السينما هى مرآة القضايا الإنسانية المنسية.
ملتقى الأقصر
لم تتوقف طموحات مهرجان الأقصر عند العروض والسجادة الحمراء، بل امتدت لتشمل «مطبخ الصناعة» من خلال «ملتقى الأقصر للسينما الإفريقية»، فى نسخته الثانية، حيث تحول الملتقى إلى منصة متخصصة جمعت رؤساء المهرجانات ومنتجين ومبرمجين تحت سقف واحد، بهدف التطرق لأبرز الموضوعات التى تواجه السينما السمراء، وذلك بحضور الفنان محمود حميدة، الرئيس الشرفى للمهرجان، والسيناريست سيد فؤاد والمخرجة عزة الحسينى، حيث انطلقت الجلسات لتبحث فى محور حيوى، «برمجة المهرجانات في ضوء التحديات والتغيرات التكنولوجية»، وهو المحور الذى أثنى عليه حميدة مؤكداً أن هذا النوع من الأنشطة البحثية يمثل «الحلقة المفقودة» فى بعض المهرجانات، رغم كونه العنصر الأساسى فى تشكيل الخريطة السينمائية العالمية.