الثلاثاء 5 مايو 2026

" سجن اختيارى " .. حين تصبح الحرية عبئًا

سجن اختياري

5-5-2026 | 09:33

هيثم الهوارى
تظل العروض المسرحية التي تنحاز إلى القضايا الفلسفية والنفسية من أكثر التجارب قدرة على إثارة الجدل، لأنها لا تسعى إلى تقديم إجابات جاهزة بقدر ما تغوص في طرح تساؤلات إشكالية تتعلق بجوهر الوجود الإنساني، هنا يأتي عرض " سجن اختياري" للمؤلف محمود جمال الحديني بوصفه تجربة فكرية عميقة، تنحاز إلى منطقة الأسئلة المقلقة، حيث يتوارى اليقين لصالح الشك، وتتقدم الحيرة بوصفها أداة للوعي. ينجح العرض في التوغل داخل النفس البشرية، كاشفًا عن طبقاتها الخفية، حيث تتجلى مشاعر الطمع والخوف والجشع، ليس باعتبارها حالات طارئة، بل كجزء من البنية الإنسانية المعقدة، ومن خلال هذا ، يعيد العمل طرح واحدة من أقدم الإشكاليات الفلسفية: هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟ وهل ما يعيشه من قيود هو قدر مفروض عليه، أم نتيجة مباشرة لاختياراته؟ المفارقة التي يشتغل عليها العرض بذكاء تكمن في مفهوم “السجن” ذاته؛ فالسجن هنا لا يُقدَّم بوصفه مكانًا ماديًا، بل كحالة نفسية يصنعها الإنسان بإرادته، حين يخضع لاختيارات تقوده تدريجيًا إلى تقييد حريته .. وهنا يطرح العرض سؤالًا جوهريًا: هل الإنسان مسجون فعلًا، أم أنه صانع قيوده بوعيه أو دون وعيه؟ من خلال حكاية مجموعة من الأصدقاء الذين يقررون البقاء داخل “سجن” اختاروه بأنفسهم مقابل المال، يفتح العمل بابًا واسعًا للتأمل في العلاقة الملتبسة بين الحرية والمصلحة، فكلما ظن الإنسان أنه يحقق مكاسب مادية، كان في الوقت ذاته يخسر جزءًا من حريته، إلى أن تتحول هذه الاختيارات إلى قيود داخلية يصعب الفكاك منها. لا يقدّم العرض إجابات حاسمة، بل يراهن على وعي المتلقي، ويدفعه إلى إعادة النظر في مفهوم الحرية ذاته، وفي الثمن الذي قد يدفعه الإنسان عندما يضع المادة فوق كل اعتبار. وهنا تكمن قوة العرض، ليس في ما يقوله، بل في ما يتركه معلقًا داخل ذهن المشاهد من أسئلة لا تهدأ. اعتمد المخرج باسم كرم على تكثيف الفضاء المسرحي، من خلال ديكور محمد طلعت والذي أوحى بالانغلاق، بما يعكس الحالة النفسية للشخصيات، وقد جاء الاستخدام الذكي للإضاءة التي قدمها عز حلمي كأحد أهم عناصر العرض، حيث تحولت من أداة إنارة إلى عنصر دلالي يحدد لحظات القهر أو الوهم أو الانكشاف التي تمر بها الشخصيات، وهو ما انسجم مع موسيقى زياد هجرس وملابس مي كمال، ومكياج وفاء مدبولي ومساعد الإخراج محمد جمال، والمخرج المنفذ صافيناز محمد عبد الله. جاءت الشخصيات مرسومة بشكل جيد، وعبر عنها الفنانون إيهاب محفوظ، يوسف المنصوري، أمل عبد المنعم، نجاة الإمام، بولا ماهر، عماد صابر، محمود البيطار، سيف مرعي، حسن عشماوي، أحمد رضا بشكل جيد، حيث استطاعوا التعبير عن مكنون الإنسان وصراعاته الداخلية. غير أن الخط الدرامي لشخصية “سلمى”، التي قدمتها أمل عبد المنعم، بدا محل تساؤل في مسار تحوّله؛ إذ ظهرت الشخصية منذ البداية بملامح محافظة وملابس محتشمة، واستمر هذا التكوين حتى خلال فترة زواجها، قبل أن تشهد بعد الطلاق تحولًا حادًا ومفاجئًا، تجلّى في التخلي عن هذا النمط والاتجاه إلى مظهر أكثر جرأة، دون أن يواكب ذلك تمهيد درامي كافٍ يكشف عن صراع داخلي يبرر هذا التبدل ومع ذلك، نجحت أمل عبد المنعم في التعبير بصدق عن طموحات فتاة عادية، وعن صدامها القاسي مع واقع اقتصادي محدود، حين ترتبط بزوج ضعيف الإمكانيات، الأمر الذي يدفعها إلى التنازل عن كل شىء في سبيل تحقيق مكاسب مادية. أيضا استطاع إيهاب محفوظ أن يجسد ببراعة شخصية المحامي الجشع، مقدمًا نموذجًا واضحًا لشخصية مستعدة للتخلي عن كل شيء في سبيل المال، كما قدم يوسف المنصوري دورًا مركبًا أتاح له إبراز قدراته الفنية بشكل لافت، بينما ظهر بولا ماهر بإمكانات أدائية قوية، وأكدت نجاة الإمام ما تمتلكه من رصيد فني، من خلال أداء مؤثر ومتوازن، في حين أظهر سيف مرعي براعة واضحة في تجسيد دوره. أما حسن عشماوي، فقد ساعدته ملامحه البريئة وإمكاناته الأدائية الجيدة على تقديم شخصية متصالحة مع ذاتها بشكل مقنع، بينما قدم محمود البيطار دوره بحضور بسيط وجميل، وجاء أداء أحمد رضا هادئًا وبسيطًا، لكنه اتسم بالصدق والقبول. العرض يستحق المشاهدة، لأنه يفتح آفاق المتلقي ويثير بداخله تساؤلات مهمة، وهو ما يحسب له كقيمة فكرية وفنية .. وفي هذا السياق، يجب توجيه الشكر إلى المخرج سامح بسيوني، مدير مسرح الطليعة، على دعمه لتقديم مثل هذه التجارب، وكذلك إلى مهندسة الديكور نهاد السيد، مديرة دار العرض، على حسن التنظيم الذي أسهم في خروج العرض بصورة تليق بقيمته الفنية.