السبت 16 مايو 2026

"سجن اختياري" و "شفيقة ومتولى" المسرح المصري لا يزال حيًا


سجن اختياري و شفيقة ومتولى المسرح المصري لا يزال حيًا

16-5-2026 | 12:53

شيماء رحيم
تبدو الساحة المسرحية في الفترة الأخيرة وكأنها تستعيد جزءًا من وهجها الحقيقي، من خلال مجموعة من العروض التي تراهن على الفكرة، والموهبة، والحضور الإنساني الصادق، بعيدًا عن الاستسهال أو التكرار، وبين هذه العروض، يبرز «متولي وشفيقة» و«سجن اختياري» كتجربتين استطاعتا أن تخلقا حالة خاصة مع الجمهور، وأن تؤكدا أن المسرح لا يزال قادرًا على الإدهاش حين تتوافر له الرؤية والدعم الحقيقي. في عرض «متولي وشفيقة»، يقدم المخرج الفنان أمير اليماني معالجة مختلفة للحكاية الشعبية الشهيرة، بعيدًا عن التناول التقليدي، حيث يمزج العرض بين روح التراث والبعد الإنساني المعاصر، ليعيد اكتشاف الشخصيات من الداخل، لا باعتبارها مجرد رموز شعبية محفوظة، وإنما ككائنات مليئة بالضعف والرغبة والخوف والانكسار. استطاع العرض أن يخلق حالة بصرية وشعورية ثرية، اعتمدت على الأداء الجماعي المتناغم، والإيقاع المسرحي الحي، مع الحفاظ على روح البيئة الشعبية المصرية دون الوقوع في فخ التكرار أو الاستسهال، وقدم الفنان محمد فريد شخصية «متولي» بحضور قوي ومؤثر، بينما تألقت يسرا المنسي في دور «شفيقة» الكبيرة، مقدمة أداءً يحمل عمقًا إنسانيًا واضحًا، كما استطاعت منة اليماني أن تمنح شخصية شفيقة الشابة روحًا مفعمة بالشجن والحيوية، فيما أبهرت الطفلة دالا حربي الجمهور بعفويتها وصدق حضورها. كما برز كل من إسلام مصطفى في دور «صالح»، وأحمد عودة في دور «دياب»، وتقى طارق في دور «نوارة»، حيث بدا واضحًا حجم الانسجام بين فريق العمل بالكامل، وكأن الجميع يتحرك بروح فرقة حقيقية تعرف جيدًا معنى المسرح الجماعي. وعلى الجانب الآخر، يواصل عرض «سجن اختياري» نجاحه اللافت، وهو العرض الذي يحمل رؤية فكرية وإنسانية شديدة الخصوصية، من تأليف محمود جمال الحديني وإخراج باسم كرم. يناقش العرض فكرة “السجن النفسي” الذي يصنعه الإنسان لنفسه؛ سجن الخوف، والذنب، والتردد، وذلك من خلال معالجة تعتمد على التوتر النفسي والإيقاع السريع، مع أداء تمثيلي جماعي شديد التماسك، وقد نجح المخرج باسم كرم في تحويل الفكرة الفلسفية إلى حالة بصرية نابضة بالحياة، تجعل المشاهد متورطًا طوال الوقت في التساؤل: هل نحن أسرى الظروف فعلًا… أم أسرى أنفسنا؟ شارك في بطولة العرض مجموعة مميزة من الفنانين، من بينهم إيهاب محفوظ، يوسف المنصوري، أمل عبد المنعم، بولا ماهر، نجاة الإمام، وعماد صابر، وغيرهم من الفنانين الذين قدموا أداءً جماعيًا متناغمًا يعكس احترافية واضحة وروحًا مسرحية حقيقية. الحقيقة أن النجاح الذي تحققه هذه العروض لا يمكن فصله عن حالة الدعم والحراك الفني التي تقف خلفها إدارة واعية تؤمن بالفعل المسرحي الحقيقي، وهو ما ينعكس بوضوح في حالة النشاط الملحوظة داخل مسرح الطليعة تحت إدارة الفنان والمخرج سامح بسيوني. يُعد سامح بسيوني من أبرز المخرجين الشباب في الساحة المسرحية، حيث يشغل منصب مدير فرقة مسرح الطليعة منذ فترة، وسبق له إدارة فرقة مسرح الشباب لمدة أربع سنوات، إلى جانب توليه إدارة فرقة مسرح الإسكندرية، فضلًا عن عمله مديرًا لمهرجان نقابة المهن التمثيلية للمسرح المصري. كما قدم بسيوني عددًا من العروض المسرحية اللافتة، من بينها «ما تحبكوهاش»، و«جريمة بيضاء»، و«متولي وشفيقة»، إلى جانب مشاركاته الدرامية في أعمال مثل «السبع وصايا» و«دلع بنات». ويُعرف أيضًا بدوره في دعم المواهب الشابة، وحرصه الدائم على متابعة العروض بنفسه، وتوفير المناخ الذي يسمح للفنانين بالعمل بحرية وشغف وثقة، ليخرج العرض في أفضل صورة ممكنة. لا يمكن إغفال الدور المهم الذي تقوم به مهندسة الديكور نهاد السيد، مديرة دار العرض، بما تبذله من جهد واضح في متابعة التفاصيل التنظيمية والفنية، بما يسهم في خروج العروض بهذا الشكل الاحترافي. كما لا يمكن تجاهل الدور الكبير لكل الجنود المجهولين خلف الكواليس؛ من فرق الإضاءة والديكور والملابس والصوت والتنفيذ المسرحي والإدارة الفنية، فكل هذا الجهد يظهر بوضوح على خشبة المسرح، ويمنح العروض هذه الحالة الاحترافية التي يشعر بها الجمهور منذ اللحظة الأولى. إن ما يحدث حاليًا يؤكد أن المسرح المصري لا يزال قادرًا على إنتاج عروض قوية ومختلفة، حين تتوافر الرؤية، والإدارة المحبة للفن، والإيمان الحقيقي بقيمة المسرح كقوة تنوير وجمال وإبداع.