الخميس 23 يوليو 2026

وداعا هاني شنودة.. صديق العمر الذي علمنا كيف تولد الألحان

22-7-2026 | 04:43

هناك رجال لا يصنعون الموسيقي فقط ..بل يصنعون زمنا كاملا وحين يرحلون ،لا نشعر بأننا فقدنا فنانا وإنما ندرك أن صفحة كاملة من الوجدان المصري قد أغلقت، وأن صوتا ظل يعزف في خلفية حياتنا لعقود ، قد صمت للأبد هكذا كان شعوري في وداع الموسيقار الكبير هاني شنودة ، لم أبك لأن مصر فقدت واحدا من أهم موسيقاها فهذا يعرفه الجميع، ولم أبك لأن الأغنية المصرية فقدت أحد أهم المجددين في تاريخها فهذه حقيقة سيكتبها التاريخ ،بكيت لأنني فقدت إنسانا عرفته عن قرب، شخص احتل مكانة خاصة في قلبي وصديق امتدت بيننا سنوات من الود والاحترام، بدأت بمصادفة صحفية وانتهت بعشرة عمر كان دائما يقول لي (بحبك ذي دينا بنتي). في الكنيسة وأنا أتابع صلاة الجنازة علي روحه الغالية لم تكن عيني معلقتين بالمشهد بقدر ما كانت ذاكرتي تعيدني إلي أكثر من خمسه وعشرين عاما مضت، إلي عام ٢٠٠١ تحديدا حين كنت أخطو أولي خطواتي في عالم الصحافة الفنية ، كنت يومها أحمل أوراقي بيد مرتجفة وقلبا يختلط فيه كل شيء سعادة لا توصف لأن أول حوار فني في حياتي سيكون مع موسيقار بحجم هاني شنودة، وفخر لأنني سأجلس أمام اسم صنع جزءا أصيلا من وجدان المصريين وصلت إلي الاستديو الذي يحمل اسمه بشارع الهرم، وأنا أراجع في ذهني الأسئلة عشرات المرات لكن كل ذلك القلق تبخر في اللحظة التي فتح فيها الباب واستقبلني بابتسامته المعهودة التي لم تكن تفارق وجهه وبخفة ظله، اختفت رهبة اللقاء وتحول إلي جلسة ممتعة تخللتها الضحكات والذكريات وكوبين شاي ، وهنا لابد أن آخذكم في جولة سريعة ممتعة مع مقتطفات من حواري مع عملاق الموسيقي، حوار يغلب عليه هاني شنودة الأنسان في البداية أخذنا نتحدث عن بداياته وكيف وصل لهذا النجاح الكبير رغم لونه الموسيقي الغربي ذا الرتم السريع المختلف عن الموسيقي الشرقية التقليدية، وهل وجد صعوبة في تقبل الناس له بالفعل بدأ يتحدث بكل أريحية وسعادة بالغة كأنه دخل آلة الزمن وعاد بأجمل الذكريات مع فرقة المصريين ، وكيف نجحوا وكسروا الدنيا وقال لي كانت بدايتنا أغان أجنبية إلي أن شاهدنا الأديب الكبير نجيب محفوظ واقترح علي الجمع ما بين روح الأغنية العربية والتوزيع الموسيقي وبالفعل قد كان وحققنا قاعدة جماهيرية عريضة ثم قاطعته متسألة وماذا عن الصعوبات التي واجهتك، قالي لي أكثر صعوبات وأزمات نفسية عندما فقدت فرقة المصريين الواحد تلو الآخر كانت صدمة كبيرة لم اتجاوزها بعد لأنهم كانوا أقرب وأحب أصحاب لقلبي، وقال لي عشنا مع بعض أجمل سنوات العمر نجاحات وسفر وذكريات لا تنسي، وهو يحكي رأيت الدموع تختلط بعيونه الزرقاء ووجه الطفولي ثم قلت في نفسي لابد أن أخرجه من هذه الحالة، فسألته عن اكتشافه للهضبة عمرو دياب وقتها مسح دموعه برقة ثم أمسك بيدي وقال بحماس (تعالي ....هوريكي حاجة) سرت معه حتي توقف وقال شايفه الكنبة، هنا كان يجلس عمرو دياب مع مدرس لغة عربية لكي يتدرب، ثم وجدت نفسي اسأله في رأيك ما سر استمرارية ونجاح عمرو، أجابني دون تردد.. ثقته في موهبته وامكانياته ثم استكمل ضاحكا بالإضافة أن عمرو يمتلك من الوسامة التي تجعل الجمهور يحبه ، عملت معه ألبوم (يا طريق ) ونجح نجاحا كبيرا وكانت بداية الهضبة وبعدها انهالت عليه العروض، ثم انتقلنا للحديث عن الكينج محمد منير وهنا (لا أنسي اللمعة التي ارتسمت في عينيه وهو يتحدث عنه بحماس المقتنع برمز فني وقال أنا وجدت فيه لونا جديدا يحمل رائحة الجنوب وطعم النيل وروح مصر وبالفعل عملنا معا أول البوماته (علموني عنيكي) وكانت بداية مشواره، الحقيقة هنا لابد أن أخبركم أني لم أجد في ملامحه أو صوته موسيقار يتحدث عن اكتشافه لمواهب كبيرة بقدر الهضبة والكينج ، ولكن رأيت فخر الأب أكثر من فخر المكتشف ، وفي حوار آخر أخذ يحدثني عن نجاة الصغيرة وأنه يحرص بقدر الإمكان علي الإطمئنان عليها من وقت لآخر ، وتحدث عن تعاونه معها في أغنية "انا بعشق البحر" وأخبرني أنها من الألحان القريبة لقلبه وأيضا لحن لها أغنية بحلم معاك. ثم فاجأته بالحديث عن أغنية "زحمة يا دنيا زحمة" لمحمد عدوية لا أنسي ضحكته وقتها بصوت عال ثم قال لي ( يا رشا إيه النقلة ديه) تحدث عن هذه الأغنية بالتحديد أنها مثلت نقلة نوعية في موسيقاه التي تميزت بالتجدد والمفاجآت، وكانت بداية علاقة قوية مع عدوية ، وبالطبع أخذنا نتنقل في الحديث لأعماله السينمائية فقد قدم موسيقي وتترات لعدد كبير من الأفلام السينمائية مع الزعيم عادل إمام كان يفخر بها مثل " المشبوه، شمس الزناتي ،الغول ،الحريف ،عصابة حمادة وتوتو والافوكاتو"، بجانب "ولا عزاء للسيدات" لسيده الشاشة العربية فاتن حمامة" ، والكثير من الأعمال الأخري العظيمة التي يتحدث عنها تاريخه. للأسف هذه السطور القليلة لم تسع للحديث عن هذا العملاق ، رحل هاني شنودة لكنني كلما استدعيت أحاديثه أيقنت أن بعض البشر لا يقاس عمرهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بعدد القلوب تركوا فيها أثرا وعدد الأحلام التي صنعوها للآخرين ، لم يكن مجرد موسيقار يكتب لحنا جميلا بل كان صاحب رؤية، آمن بأن الفن رسالة وأن التجديد ليس رفاهية بل ضرورة حتي يظل الفن حيا لذلك لم يترك خلفه أغنيات فقط وإنما ترك مدرسة كاملة في التفكير والإبداع الموسيقي، وترك أسماء أصبحت علامات في تاريخ الغناء العربي لأنه آمن بها في الوقت الذي لم يكن أحد يعرفها، أما أنا فسأظل أتذكره بعيدا عن الأضواء كما عرفته لأول مرة انسانا بسيطا ، مهذبا ،مضيافا ، خفيف الظل وسأظل كلما مررت من شارع الهرم أو سمعت لحنا من ألحانه أو رأيت عمرو دياب يعتلي المسرح أو انصت لصوت منير أتذكر ذلك اليوم الذي أمسك فيه بيدي وقال لي :( تعالي هوريكي حاجه) أدرك الآن أنه لم يكن يريني أريكه داخل استديو كان يريني تاريخا كاملا ، تاريخا كتبه بالنغم وحفره في وجدان أمة وتركه للأجيال شاهدا علي أن الموهبة الحقيقية لا تموت وأن أصحاب البصمة الصادقة لا يغيبون لأنهم يظلون يعزفون في قلوبنا ، أرقد في سلام يا صديقي فقد أسدل الستار علي العمر لكنه لم يسدل يوما علي اللحن ….