على مدار سنوات طويلة، تواجدت حياة ذوى الهمم على شاشة السينما والدراما المصرية، فى أعمال تميز بعضها بالتنوع والعمق، بينما تطرق البعض الآخر إلى التحديات التى قد تعترض هذه الحياة، وأخرى تم تقديمها فى قالب حكايات إنسانية واجتماعية أوسع، ومع تغير نظرة المجتمع بعد الاهتمام الذى أصبحوا يلقوه فى السنوات الأخيرة، بدأت الشاشة المصرية تقدم نماذج أكثر تنوعًا، يرصد أحلامهم وطموحاتهم وما نجحوا فى تحقيقه على أرض الواقع من بطولات، فمن «الصرخة» و«الكيت كات» و«أمير الظلام»، مرورًا بـ«توت توت» و«التوربينى» و«خالى من الكوليسترول»، وصولا إلى «حالة خاصة»، جاءت حياة ذوى الهمم على الشاشة حافلة بالعديد من التحديات والبطولات والإنجازات، كما نتعرف على ذلك فى جولتنا التالية مع هذه الأعمال ولقاءاتنا مع نخبة من المبدعين، محاولين رصد نجاح هذه الأعمال فى تقديم حياة ذوى الهمم بما تحفل به حالياً من تغيرات إيجابية على كافة المحاور.

البداية
مع فيلم «الصرخة» الذى قام ببطولته الفنان الكبير نور الشريف ومعالى زايد، وأخرجه محمد النجار، ويعد من الأعمال التى تناولت قضية ذوى الهمم من منظور اجتماعى وإنسانى، من خلال شخصية تعانى إعاقة سمعية، ولم تتوقف الحكاية عند معاناتها، بل سلطت الضوء على تعامل المحيطين بها تحديات الاجتماعية أمام اندماجها فى الحياة والعمل، وطرح الفيلم سؤالا حول قدرة المجتمع على تقبل ذوى الهمم باعتبارهم أفراد لهم حقوق وواجبات كما تعنى بهم الدولة حالياً.
«الكيت كات»
أما فى فيلم «الكيت كات»، فقد قدم الفنان الكبير محمود عبدالعزيز شخصية الشيخ حسنى، الرجل الكفيف الذى يعيش تفاصيل الحياة اليومية بأحلامها ومواقفها الإنسانية، ولم يقدم باعتباره نموذجًا للشفقة، بل كان له أفكاره وأحلامه وعلاقاته ونقاط قوته وضعفه، فأصبح فقدان البصر جزءًا من تكوين الشخصية لكل من يعرفها، لتظهر كشخصية لها حياة كاملة، من هنا جاءت أهمية التجربة الفنية فى تقديم شخصية قادرة على الصمود والتحدى وإكمال الحياة بصورة طبيعية.

«أمير الظلام»
قدم الزعيم عادل إمام فى فيلم «أمير الظلام» دور طيار يعانى من فقدان البصر، ولكنه قادر على استكمال حياته والمشاركة فى دعم من حوله دون أى اختلاف عن أى فرد عادى، حيث ظهر فاعلا رئيسيًا له تاريخه وتجربته ومواقفه، وهو اتجاه يختلف عن الصورة التقليدية التى تربط حياة ذوى الهمم بالضعف والبعد عن المشاركة المجتمعية.
«توت توت»
تناول فيلم «توت توت» حياة امرأة تعانى من إعاقة ذهنية، جسدتها الفنانة الكبيرة نبيلة عبيد، ولكنها تتعرض للاستغلال والقسوة من قبل البعض، كاشفًا بعض التحديات المجتمعية التى يقابلها ذوى الهمم على الرغم من حماية ودعم الدولة لهم.

«التوربينى»
فى فيلم «التوربينى» بطولة أحمد رزق وشريف منير، تدور الأحداث حول (محسن) الذى يعانى من التوحد، وتحدث بينه وبين شقيقه الأكبر (كريم) العديد من المواقف بعد وفاة والديهما، ويحاول (كريم) الحصول على الوصاية على شقيقه للحصول على نصيبه من الميراث، وتتطور علاقة الشقيقين لما هو أبعد من ذلك.
وهنا جاءت معاناة الشقيق الأصغر كجزء من الصراع الدرامى عبر شخصية تعانى إعاقة ذهنية، لتصبح الأسرة والعلاقات الإنسانية والمصالح المادية محاور أساسية، تعكس نظرة البعض فى المجتمع لذوى الهمم.
«خالى من الكوليسترول»
من الأعمال التى عكست حياة ذوى الهمم، جاء فيلم «خالى من الكوليسترول»، بطولة أشرف عبد الباقى وإلهام شاهين وحسن حسنى، حيث يتمتع البطل «أيوب» بموهبة فى مجال الإعلانات، وتساعده والدته المعاقة ذهنيًا فى حياته وعمله.
وهنا نشاهد شخصية تعانى إعاقة ذهنية وتأخرًا فى الإدراك والعمر العقلى، فى إطار إنسانى ركز على مشاعرها وبراءتها ونقائها، لتظهر الشخصية بعالمها الداخلى وصفاتها الإنسانية.
«حالة خاصة»
كما يبرز مسلسل «حالة خاصة» بطولة غادة عادل وطه الدسوقى، حكاية المحامى «نديم» الذى يعانى من التوحد ولكنه يمتلك فى الوقت ذاته قدرات خاصة، ويلتحق بالعمل فى مكتب محاماة شهير، ليستطيع تحقيق النجاح مقارنة بزملائه فى المكان، يعكس العمل مدى نجاح ذوى الهمم فى تحقيق طموحاتهم وأحلامهم رغم ما يواجهونه من تحديات على أرض الواقع.
إلهام شاهين.. الشخصية الأقرب إلى قلبى
حول مدى نجاح هذه الأعمال فى التعبير عن حياة ذوى الهمم أشارت الفنانة الكبيرة إلهام شاهين إلى أن الدراما والسينما تناولتا تجارب وحياة ذوى الهمم، وكان لذلك تأثير في توعية الجمهور بأهمية التعامل معهم كأفراد لهم حقوق وواجبات مع احترام تواجدهم وطموحاتهم ومشاركتهم المجتمعية، مؤكدة أن من أقرب الشخصيات إلى قلبها دورها فى «خالى من الكوليسترول» مع أشرف عبدالباقى والمخرج محمد أبو سيف، حيث جسدت دور أمًا تعانى من إعاقة ذهنية وتأخرًا فى الإدراك، ووصفتها بأنها رمز للنقاء والبراءة والطيبة، ومن أجمل أدوارها على الإطلاق.
وأوضحت أن الشخصية لم تكن قائمة فقط على الإعاقة، وإنما كان لها عالمها ومشاعرها وصفاتها الإنسانية، ما جعلها قريبة منها ومميزة في مشوارها، وأشارت إلى نجاح وتميز الفنانين الكبيرين فاروق الفيشاوى فى «ديك البرابر» ونبيلة عبيد فى «توت توت»، فى تقديم هذا العالم بكافة جوانبه الإنسانية.
وأكدت أن الدراما قادرة على الوصول إلى الجمهور ونشر الوعى وتصحيح المفاهيم حول حياة ذوى الهمم وقدراتهم واحتياجاتهم اليومية، داعية إلى منح هذه الشخصيات مساحة أكبر على الشاشة.
ميدو عادل.. فنانين من ذوى الهمم
كما يرى الفنان ميدو عادل أن الفن قد نجح فى تقديم جانب كبير من حياة ذوى الهمم بنجاح على الشاشة مستشهدا فى هذا بفيلم «الساحر» للفنان الكبير محمود عبد العزيز، وإن كان يدعو إلى تقديم المزيد من الأعمال التى تعبر عنهم وبخاصة مع الدعم الذي يلقونه حالياً على كافة الأصعدة، على أن يشارك البعض من الموهوبين منهم فى تقديم هذه الأعمال حتى تكون أقرب إلى الواقع.
ماجدة موريس: يجب الاستمرار على الشاشة
كما أكدت الناقدة الفنية ماجدة موريس أنه يجب الاستمرار فى دمج ذوى الهمم كما يحدث حالياً فى كافة المجالات الإبداعية كالرياضة والفن والثقافة، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من المجتمع.
وترى «موريس» أنه يجب تقديم المزيد من الأعمال الفنية التى تتناول حياة ذوى الهمم وترصد التحديات التى تواجههم وكذلك تبرز قصص الناجحين منهم ومن استطاعوا تحقيق تميز أو بطولات فى العديد من المجالات.
أحمد سعد الدين: الموهبة أولا
من جانبه يرى الناقد الفنى أحمد سعد الدين أن إشراك ذوى الهمم فى الدراما يجب أن يقوم على توظيف قدراتهم ومواهبهم، كاشفا عن إعجابه الكبير بمسلسل «ولاد الشمس» وبخاصة من خلال الدور الذى تم تقديمه عن شخصية من ذوى الهمم، مؤكدًا أن الأفلام والمسلسلات يمكن أن تستعين بالموهوبين من ذوى الهمم على أن يتم توظفهم بصورة صحيحة.
وتتفق هذه الرؤى على أهمية انتقال حضور ذوى الهمم على الشاشة من الظهور المتقطع إلى المشاركة بصورة أكبر راصدة نجاحاتهم وقدراتهم على إثبات ذاتهم على أرض الواقع هذا بجانب أحلامهم وما تحقق لهم من مكتسبات فى السنوات الأخيرة.