15 عامًا مرت على رحيل الفنانة الكبيرة هند رستم، التى توفيت فى 8 أغسطس 2011 عن عمر ناهز 79 عامًا، لكنها ما زالت تحتفظ بمكانة استثنائية فى ذاكرة السينما العربية باعتبارها واحدة من أبرز نجمات العصر الذهبى، وصاحبة حضور طاغٍ جمع بين الموهبة والكاريزما خلال مشوارها الفنى.
مجلة «الكواكب» تسلط الضوء على هذا التاريخ الكبير وأعمالها الفنية التى وصلت إلى 83 فيلمًا تنوعت بين الرومانسية والكوميديا والدراما، لتترك بصمة لا تزال حاضرة فى وجدان الجمهور، وتحصد لقب «مارلين مونرو الشرق» بفضل أدائها اللافت إلى جانب نجاحها في تقديم أدوار متميزة بصورة مختلفة جعلتها إحدى أيقونات السينما المصرية.
ولدت ناريمان حسين التى اشتهرت فيما بعد بـ «هند رستم»، فى حى محرم بك بالإسكندرية يوم 12 نوفمبر 1931، ورغم مولدها فى عروس البحر المتوسط، فإن القاهرة كانت المدينة التى احتضنت معظم سنوات حياتها، حيث عاشت فى حى جاردن سيتى، وهو الحى الذى ظل شاهدًا على سنوات مجدها الفنى، ثم سنوات اعتزالها وابتعادها عن الأضواء.
الانطلاق إلى أولى خطوات النجومية
لم يكن الطريق إلى الشهرة مفروشًا بالورود أمام هند رستم، بل بدأ طويلاً وشاقًا، مليئًا بالأدوار الصغيرة التى لم تكن تلفت الأنظار.. وكانت البداية عندما رشحها الكاتب الكبير بديع خيرى للعمل بالمسرح فى أدوار صغيرة، إلا أن السينما كانت حلمها الأول، لذلك فضلت البحث عن فرصة أمام كاميراتها، حتى تعرفت عن طريق الفنانتين نجوى سالم وعلية فوزى، إلى عالم البلاتوهات.
بدأت « هند» رحلتها بأدوار صغيرة فى عدد من الأفلام، من بينها :فيلم «غزل البنات» مع ليلى مراد ونجيب الريحانى، وفيلم «أزهار وأشواك» للمخرج محمد عبدالجواد، قبل أن تظهر مع عدد كبير من نجمات ذلك الزمن، منهن: فاتن حمامة، ومريم فخر الدين، وسامية جمال، ومديحة يسرى، وهاجر حمدى، وتحية كاريوكا، وكاميليا، ونور الهدى، وماجدة، وهدى سلطان، ودرية أحمد، وليلى مراد.
استمرت هذه المرحلة قرابة ثمانى سنوات كاملة، شاركت خلالها فى نحو عشرين فيلمًا بأدوار محدودة لا تتجاوز مشاهد قليلة أو جملاً قصيرة، ولم تحقق خلالها أى تأثير حقيقى فى مشوارها الفنى، لكنها اكتسبت خبرة كبيرة فى الوقوف أمام الكاميرا، وتعلمت تفاصيل العمل السينمائى من خلال التعامل المباشر مع كبار النجوم والمخرجين، وهو ما مهد الطريق أمام انطلاقتها الحقيقية فيما بعد.
حسن رضا.. نقطة التحول فى حياتها الفنية والشخصية
مثلت مرحلة تعاونها مع المخرج حسن رضا نقطة التحول الأهم في حياتها، إذ لم يمنحها فقط فرصة البطولة، وإنما ارتبط بها أيضًا في أول تجربة زواج لها، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة بسنت، وعلى المستوى الفنى، آمن حسن رضا بموهبتها وقدراتها، وأسند إليها دور البطولة الثانية أمام الفنانة كاميليا فى فيلم «العقل زينة»، وهو الفيلم الذى حصلت عنه على أجر بلغ 150 جنيهًا، وهو أكبر أجر تقاضته فى ذلك الوقت، ليصبح هذا العمل بوابة عبورها الحقيقية إلى عالم البطولة، بعد سنوات طويلة من الانتظار والعمل فى الظل.
ورغم انتهاء زواجها الأول بالطلاق، فإن حياتها الشخصية شهدت استقرارًا كبيرًا بعد زواجها من طبيب الأشعة الشهير الدكتور محمد فياض، الذى ظل رفيق حياتها حتى وفاتها، وكان هذا الزواج أحد الأسباب الرئيسية وراء قرارها اعتزال الفن، إذ فضلت التفرغ لحياتها الزوجية، مؤكدة فى أكثر من مناسبة أنها اتخذت هذا القرار عن اقتناع كامل، بعدما رأت أن الأسرة تستحق أن تمنحها كل اهتمامها.
أدوار متعددة
على الرغم من أن البعض قد ربط بين اسم هند رستم وأدوار الإغراء، فإن هذا التصنيف لم يكن منصفًا لموهبتها الكبيرة، فقد امتلكت قدرات تمثيلية مميزة ظهرت بوضوح فى العديد من الأعمال التى قدمتها، واستطاعت أن تثبت أنها ممثلة قادرة على أداء الشخصيات المركبة والدرامية والرومانسية، وليس مجرد نجمة تعتمد على إطلالتها وحضورها.
جاءت نقطة التحول الكبرى فى هذا الاتجاه عندما اختارها المخرج يوسف شاهين لتجسيد شخصية «هنومة» فى فيلم «باب الحديد»، وهو الدور الذى اعتبره كثير من النقاد واحدًا من أهم الأدوار النسائية فى تاريخ السينما المصرية، بعدما كشفت من خلاله عن طاقات تمثيلية كبيرة، وأكدت أنها واحدة من أكثر فنانات جيلها قدرة على التعبير الصادق والأداء العميق، بعيدًا عن الصورة النمطية التى حصرتها فيها السينما لسنوات.
لم يكن نجاحها فى هذا الفيلم سوى بداية مرحلة جديدة من النضج الفنى، أثبتت خلالها أنها قادرة على التنقل بين الرومانسية والدراما والكوميديا بنفس القدر من الإتقان، لتصبح واحدة من أبرز النجمات في تاريخ السينما المصرية.
قد نافس الفيلم على جائزة الدب الذهبى فى مهرجان برلين السينمائى عام 1958، كما احتل المركز الرابع فى استفتاء مهرجان القاهرة السينمائى عام 1996، لاختيار أفضل الأفلام في تاريخ السينما المصرية بمناسبة مرور مائة عام على السينما، ليظل واحدًا من أهم الأعمال التى صنعت تاريخها الفنى.

الرومانسية والكوميديا والدراما
لم تتوقف نجاحات هند رستم عند أدوار الإغراء أو الدراما، بل امتدت إلى الرومانسية والكوميديا، حيث قدمت مجموعة كبيرة من الأفلام التى أصبحت من كلاسيكيات السينما المصرية، ومن أبرزها فيلم «إشاعة حب» الذى شاركت فى بطولته باسمها الحقيقى إلى جانب عمر الشريف ويوسف وهبى وسعاد حسنى وعبد المنعم إبراهيم، وقدمت فيه أداءً مختلفًا أضاف إلى رصيدها الفنى.
كما جسدت شخصية «عنان» أمام فريد الأطرش فى فيلم «الخروج من الجنة»، حيث قدمت أداءً رومانسيًا مؤثرًا أكد قدرتها على التعبير عن المشاعر الإنسانية بعيدًا عن القوالب التقليدية، وواصلت نجاحها فى أفلام «فطومة» مع كمال الشناوي ومحمود المليجي، و«صراع فى النيل» مع عمر الشريف ورشدى أباظة، إلى جانب «شفيقة القبطية» و«نساء فى حياتى» و«بين السما والأرض»، وهى أعمال أكدت مكانتها بين نجمات الصف الأول فى السينما المصرية.
شراكة فنية مع كبار النجوم
خلال مشوارها الطويل وقفت هند رستم أمام معظم نجوم العصر الذهبى، ونجحت فى تكوين ثنائيات فنية مميزة مع عدد كبير منهم، فقد تعاونت مع نجم الكوميديا إسماعيل ياسين فى الفيلم الشهير «ابن حميدو» عام 1957 للمخرج فطين عبد الوهاب، وهو العمل الذى لا يزال يحظى بجماهيرية واسعة حتى اليوم، كما شاركت فى أفلام بارزة مع فريد شوقى، وعمر الشريف، ورشدى أباظة، وكمال الشناوى، ومحمود المليجى، ويحيى شاهين، وعادل أدهم، وأحمد مظهر، وحسن يوسف، وعماد حمدى، وغيرهم من كبار نجوم السينما.
ولم يقتصر نجاحها على الدراما والرومانسية، بل أثبتت حضورها اللافت فى الكوميديا أيضًا، عندما شاركت فؤاد المهندس وأحمد مظهر وحسن فايق وإيمان بطولة فيلم «حب فى حب»، حيث قدمت أداءً خفيف الظل كشف عن جانب مختلف من موهبتها، وأكد قدرتها على التنقل بين الأنماط السينمائية المختلفة بسهولة واقتدار.

رصيد سينمائى حافل بالأعمال الخالدة
ضم مشوار هند رستم عشرات الأفلام التى أصبحت جزءًا من ذاكرة السينما المصرية، ومن بينها «الروح والجسد»، و«جواهر»، و«بابا أمين»، و«انتصار الإسلام»، و«طريق السعادة»، و«بنات حواء»، و«الستات ما يعرفوش يكذبوا»، و«نساء وذئاب» و«لا أنام» مع فاتن حمامة، كما شاركت فى «رد قلبى» مع مريم فخر الدين و«أنا وابنتي والحب» مع شهيرة ومحمود ياسين، و«كلمة شرف» مع فريد شوقى وأحمد مظهر، و«ملكة الليل» مع يحيى شاهين وحسين فهمى، إلى جانب شخصية «هنومة» فى «باب الحديد»، وشخصية «فطومة» فى فيلم «فاطمة»، وشخصية «سونيا» فى فيلم «طريق الأبطال».
هذا التنوع الكبير فى اختياراتها الفنية منحها مكانة خاصة بين نجمات جيلها، ورسخ اسمها كواحدة من أبرز أيقونات السينما العربية، بعدما نجحت فى تقديم شخصيات متعددة ومتباينة، جمعت بين القوة والأنوثة والرومانسية وخفة الظل، لتبقى أعمالها حاضرة فى ذاكرة المشاهدين حتى اليوم.
الاعتزال.. قرار اتخذته بإرادتها
رغم النجومية الواسعة التي حققتها، فضّلت هند رستم أن تنسحب من الساحة الفنية وهى في قمة تألقها، بعدما قدمت آخر أفلامها «حياتى عذاب» عام 1979 بمشاركة عادل أدهم ونورا، وجاء قرار الاعتزال نابعًا من قناعة شخصية ورغبة فى التفرغ لحياتها الأسرية مع زوجها، الدكتور محمد فياض، رافضة كل محاولات إعادتها إلى الشاشة، ومؤمنة بأن الفنان يجب أن يترك لجمهوره الصورة التى أحبها له دون أن ينتظر حتى تفرض عليه السنوات أدوارًا لا تشبه تاريخه.
خلال أكثر من ثلاثة عقود ابتعدت هند رستم عن الأضواء، وحرصت على حياة هادئة بعيدًا عن صخب الوسط الفنى، كما رفضت معظم العروض الإعلامية، ولم تظهر إلا فى مناسبات نادرة، وعدد محدود من الحوارات الصحفية التى تحدثت خلالها عن ذكرياتها الفنية ورؤيتها لبعض الموضوعات.
وفى الثامن من أغسطس عام 2011، أسدل الستار على حياة واحدة من أهم نجمات السينما المصرية، بعدما رحلت عن عمر ناهز 79 عامًا، لكن أعمالها بقيت شاهدة على موهبة استثنائية صنعت مجدها بجهدها وإصرارها.. ولم يتوقف تكريمها عند حدود الجوائز التى حصلت عليها خلال حياتها، بل ظل اسمها حاضرًا فى المهرجانات السينمائية والفعاليات الثقافية، تأكيدًا على مكانتها الراسخة كواحدة من أبرز أيقونات السينما المصرية، ونجمة تجاوز تأثيرها حدود الزمن، لتظل أعمالها مصدر إلهام للأجيال الجديدة من الفنانين ومحبى الفن السابع.