الجمعة 1 يوليو 2022

هكذا تحدث فرج فودة: الإرهاب (2)

مقالات16-6-2022 | 22:39

في هذا الجزء الخاص بمناقشة كتاب فرج فودة "الإرهاب" نعرض لنقد فرج فودة للشائعة التي أطلقتها جماعة الإخوان الإرهابية بأن الأصل في تبني الجماعات الإسلامية العنف والإرهاب جاء ردًا على التعذيب في سجون عبد الناصر، وأيضا مناقشة التقسيم الذي قام به فرج فودة لتيار الإسلام السياسي إلى 3 مستويات يجتمعون حول هدف واحد؛ المعسكر الأول الذي يعتمد على الإرهاب، وأطلق عليه "التيار الثوري"، مثل جماعة "التكفير والهجرة"، والثاني الذي يتبنى منهج تجميع الثروات، ويستهدف السيطرة على الاقتصاد القومي، والثالث هو التيار التقليدي المتمثل في جماعة الإخوان، وهي الأكثر تأثيرًا -حسبما ذكر "فودة"- فيما قسم معسكر الإخوان إلى "الهضيبي للاعتدال" -حسن الهضيبي المرشد الثاني لجماعة الإخوان- و"السندي للاغتيال" -عبدالرحمن السندي قائد التنظيم الخاص- و"السيد للفتوى"- سيد قطب مُنَظّر جماعة الإخوان.

التعذيب والإرهاب:

يناقش فرج فودة في هذا الجزء شائعة أن الإرهاب السياسي والديني كان نتيجة مباشرة للتعذيب في سجون عبد الناصر، ويدحض هذه الشائعة -إن صحت- بأن عمليات الإخوان الإرهابية كانت قد تأسست قبل مجيئ عبد الناصر مستشهدًا باغتيال الخازندار ومحاولة اغتيال النقراشي وقضية السيارة الجيب وإلقاء القنابل في حارة اليهود، ومحاولة نسف محكمة الاستئناف وغيرها..، فلم يكن هناك تعذيب في سجون عبد الناصر، كما يطلق البعض أن سيد قطب قد ألف كتابه "معالم على الطريق"، والذي يعد المرجع الأول والرئيسي لمعظم جماعات الإسلام السياسي، وحركاته الإرهابية، تحت سياط عبد الناصر، وهنا لنا وقفة موازية لوقفة فرج فودة لمناقشة هذه القصة المثيرة، فأي سجن هذا الذي يسمح بدخول أوراق وأقلام ومراجع لتأليف كتب!

الذي لا يعلمه الكثير أن إنتاج سيد قطب المهم لهذه الجماعات والذي يعد حجة عندهم تم تأليفه بالفعل داخل سجون عبد الناصر، فأنتج الظلال بأجزائه وأنتج معالم على الطريق وغيرهما والسؤال المهم، هل كان سيد قطب يقوم بالتأليف في فترة استراحته من التعذيب أم أنه كان يعيش داخل محبسه حياة تسمح له بالتأليف والكتابة، كنوع من أنواع الاستفادة من الوقت الذي يقضيه محبوسا بالقراءة والتأليف؟

كيف كانت إدارة السجن تسمح بدخول أوراق وأقلام ومراجع لسيد قطب وتمنعها عن غيره من المحبوسين، الشيوعيون على سبيل المثال لا الحصر، حيث أن شهادات من تم حبسهم في نفس الفترة من الشيوعيين تؤكد جميعها أن الأوراق والأقلام كانت ممنوعة في هذه الفترة.

هذا ما يؤكد حسب فرج فودة أن الإرهاب السياسي الديني قد بدأ مع نشأة جماعة الإخوان المسلمين، حيث كانت البيعة تتم على المصحف والمسدس، وقد ذكر ذلك مرشدهم محمد حامد أبو النصر في مذكراته التي نُشرت في جريدة الأحرار.

كما يؤكد فرج فودة أن تنامي ظاهرة التطرف والعنف، والمهدد للنظام العام للمجتمع على يد تلك الجماعات، يرجع إلى تهاون الدولة في مواجهتهم، وليس إلى العنف في المواجهة، وتخاذلها في التصدي لهم، وليس إلى التجاوز في التصدي، ويسرد فرج فودة عددًا من الشواهد لتأييد وجهة نظره، بينما يرى كاتب هذه السطور أن الدولة وإن كانت متهاونة في مواجهة هؤلاء الآن، فملامح هذا التهاون تختلف عن وقت فرج فودة حيث ركزت الدولة منذ التسعينيات وحتى الآن على المواجهة الأمنية دون باقي أوجه المواجهة، فنرى أن مواجهة هذه الجماعات لا بد وأن تكون مواجهة شاملة على أكثر من محور وأن يقوم بها المجتمع بجانب مؤسسات الدولة، وأهم حوائط صد للإرهاب والتطرف الثقافة والإعلام والتعليم ومعها وزارة الشباب، فلابد من تشكيل ما يشبه هيئة قومية لمواجهة الإرهاب لوضع الخطط والبدائل ودراسة هذه الجماعات وطرق وأليات تجنيدها للشباب وانتشارها ومدى تأثيرها ومرجعياتها.. إلخ، لمعرفة كيفية المواجهة، لكن وضع المسألة كاملة في يد المؤسسة الأمنية فهذا من ناحية فوق طاقتها، ومن ناحية أخرى يؤثر على هذه المؤسسة بالسلب، وليس المطلوب من المؤسسة الأمنية نشر الوعي لمواجهة التطرف ولا محاورة ومناظرة هؤلاء المتطرفين ولا تدقيق وتعديل المناهج التعليمية وإقامة الندوات وإنتاج مواد مرئية ومسموعة للتحذير من خطورة هذه الجماعات.

الإرهاب والمعادلة الجديدة:

 يقول فرج فودة في هذا الجزء من كتابه "الإرهاب" ينقسم الإرهاب في نظره إلى ثلاثة تيارات رئيسية:

أولها: يتبنى موقف الثورة العنيفة سعيًا إلى تغيير نظام الحكم بالقوة، وهو ما يتمثل في الجهاد (جماعة المسلمين)، والتكفير والهجرة، وغيرهما ويطلق عليه فرج فودة (التيار الثوري)

الثاني: يتبنى منهج تجميع الثروات ويستهدف السيطرة على الاقتصاد القومي تمهيدًا لتوظيفه لصالح التيار العام، وهو ما يتمثل في بيوت - وليس شركات - توظيف الأموال الإسلامية ويطلق عليه فرج فودة (التيار الثروي)

الثالث: تيار تقليدي أو أصبح تقليديا بعد ظهور التيارين السابقين وهو تيار الإخوان المسلمين، ويرى فرج فودة أن التيار الأول (الثوري) أكثر خطرا والثاني (الثروي) أكثر نجاحا والثالث (التقليدي) أكثر تأثيرًا، وإن لكل تيار خصائصه وأساليبه، وانه خطأ جسيم أن ننظر إلى التيار السياسي الديني على أنه تيار واحد.

كان هذا التقسيم الذي قام به فرج فودة ربما يكون صادقا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، فقد تغيرت خريطة الجماعات الإسلامية كثيرا في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، فقد ظهر تنظيم الدولة "داعش" على أطلال تنظيم القاعدة في العراق ودخلت الطرق الصوفية دائرة العنف "الطريقة النقشبندية" هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أهمل فرج فودة جماعات وفصائل أخرى من تيار الإسلام السياسي كانت فاعلة في المجتمع مثل الفصيل السلفي وجماعة التبليغ والدعوة وبعض المؤسسات التي كانت تشرف عليها الدولة مثل جماعة أنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية، هذه الكيانات كلها فاعلة ولو بحرث وتمهيد الأرض لجماعة الإخوان وغيرها من الفصائل العنيفة.

ومع انطلاقة ما أطلق عليه الربيع العربي لم تعد جماعة الإخوان المسلمين هذا الفصيل التقليدي على حد وصف فرج فودة، فقد أصبح التنظيم الدولي للجماعة مرتبطا بالدول الموجود فيها ويتمتع بعلاقات جيدة بهذه الدول خصوصا مع صانعي القرار سواء كان في أوروبا وأمريكا، وهذا التواجد في الخارج منذ النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، لكن الواضح أن الدوائر الثقافية في مصر لم تكن تعلم عنه شيئا أو كانوا يغضون الطرف عن هذا التنظيم فلم يتحدث أحد منهم حتى فرج فودة نفسه عن خطورة التنظيم الدولي وارتباطه بأجهزة استخبارات عالمية والذي تم كشفه وملاحظته بعد أحداث يناير 2011.

أما من الناحية الاقتصادية أو ما اطلق عليه فرج فودة (التيار الثروي) استطاعت جماعة الإخوان بناء نظام مالي وكتلة اقتصادية مهمة في ظل محمد حسني مبارك بعيدا عن (بيوت توظيف) الأموال أو التيار الذي يتحدث عنه فرج فودة، وكانت الجماعة هي الأنجح في استثماراتها من غيرها في هذا المجال. فبعد عزل محمد مرسي ومصادرة أموال وشركات الجماعة في الداخل اتضح أن الجماعة لديها اقتصاد موازي للاقتصاد المصري "إمبراطورية مالية" يديرها خيرت الشاطر من الداخل وحسن مالك من الخارج بالتعاون مع بنك التقوى التابع للتنظيم الدولي للجماعة.

أما عن التيار الأول (الثوري) الذي يريد الوصول للحكم باستخدام القوة، باعتراف قادة هذا التيار في مذكراتهم أو في التحقيق معهم أقروا بتعاونهم وعلاقاتهم التنظيمية بجماعة الإخوان وهنا نستطيع أن نعدهم جزء من التيار التقليدي الذي صنفه فرج فودة رغم الاختلاف مع فرج فودة حول اعتبارهم تيار فهم محض فصيل تابع لتيار الإسلام السياسي ونستطيع القول إنه الجناح المسلح لجماعة الإخوان في وقت فرج فودة، أما في القرن الحالي، فقد شكلت جماعة الإخوان عددا لا باس به من المكاتب النوعية بعد خسارتهم الحكم في 2013، على يد محمد كمال الذي قتل في شقة سكنية في منطقة البساتين أكتوبر 2016، على أيدي قوات الأمن، ومن بين هذه المكاتب النوعية "حسم، لواء الثورة، المقاومة الشعبية، كتائب حلوان.. وغيرها" فهذا فصيل واحد الذي نتحدث عنه بينما هناك فصائل أخرى كثيرة بين السلفية الجهادية والسلفية العلمية أو الدعوية والسلفية المدخلية أو السرورية وأنصار السنة المحمدية والتبليغ والدعوة… وغيرها من الفصائل التي يجمعها تيار واحد وهو تيار الإسلام السياسي في مصر فقط غير الفصائل المنتشرة في باقي أنحاء المعمورة.

نعم، لقد اختلفت خريطة هذه الجماعات عن وقت فرج فودة وعلينا أن ندرس هذه الجماعات جيدا ونعرف أساليب التجنيد والانتشار والبيئة الحاضنة لمعرفة كيفية مواجهتها، فلن تنجح المواجهة الأمنية وحدها في التصدي لهذه الكيانات ولابد من مواجهة شاملة على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني.