الجمعة 1 يوليو 2022

قساوة رحيل صحفي متميز وصديق عزيز

مقالات22-6-2022 | 21:45

والناس يتهيؤون للعيد الكبير، قررت أنت إطفاء الأنوار وإغلاق الباب خلفك، والذهاب للنوم الأخير الذي ما بعده صحوة أو استيقاظ.

هذه هي المرة الأولى التي تقسو فيها على من حولك من الأحبة والأصدقاء، وإن كنت قاسيا باستمرار على نفسك.

لا أعرف من أين يأتي هذا الإحساس، كلما قرأت عن رحيل عزيز، بأن الخسارة فيه إنما هي خسارة شخصية لي.

ماذا يمكن القول إزاء هذا الفقدان المريع؟

No description available.

الصحافة  في حداد.. عبارة صارت جاهزة، ولم تعد تفيد المعنى والقصد كله.

لكنه حداد طويل لا يكاد ينتهي، ما أن نولي ظهرنا للمقبرة بعد مواراة جثمان زميل عزيز، حتى نعود إليها لنودعها عزيزا جديدا.

صباح اليوم الأربعاء 22ـ6ـ2022، فوجئت على بريد موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك (الإنبوكس) بواحدة من الرسائل التي تصل لي مثلما تصل إلى آخرين يوميا، كانت الرسالة من الصديق سامي الجزار مدير تحرير بوابة دار الهلال، وحملت خبرا مؤسيا فعلا عن رحيل الصديق أحمد النجمي مدير تحرير مجلة (المصور).

منذ وقوع الخبر الفاجعة، وسيل تبادل التعازي لم يتوقف، بين الأصدقاء والزملاء، ممن عملوا إلى جانب الراحل أو عايشوه أو عرفوه عن قرب أو من بعيد.. الكل يشيد بمزاياه الإنسانية والمهنية.

الكاتب الصحفي الراحل أحمد النجمي مدير تحرير مجلة المصور

بدأ أحمد النجمي رحلته الطويلة مع مهنة المتاعب منذ يافعته، في منتصف عقد التسعينيات مع معلمه وأستاذه الكاتب الصحفي أسامة عفيفي  - رحمة الله عليه -  وتوصيف المتاعب هنا، يليق أكثر بانتماء النجمي وأمثاله منا بهذه المهنة، وكانت جريدة  (صوت العرب) بشارع د. حندوسة بقصر العيني هي من احتضنت بداياته الأولى ونشرت موضوعاته حول الثقافة.. لكن الصحفي الشاب الطموح غير الباب، وبدل (صوت العرب)،  دخل باب شقيقتها (المصور) بمؤسسة دار الهلال  بشارع المبتديان، وسبب هذا التغيير بناء على رغبة أبيه الكاتب الصحفي القدير الأستاذ كمال النجمي - رحمة الله عليه - لتعيينه في مجلة (المصور).. وقد كان.

في الذكرى الخمسين اليوبيل الذهبي لمجلة (طبيبك الخاص) قمنا بإصدار عدد خاص عن المجلة  كله مكرس لهذا الحدث الكبير، وكان صديقي وزميلي أحمد النجمي ضمن من قاموا بتحرير بعض مواده كتابة وتحريرا.. ومساهمته في إخراج حفل المجلة على أكمل وجه.. وحينما حدثته عن المقابل المادي عن عمله رفض تسلم أي مبلغ، معتبرا عمله مساهمة حب لمجلة (طبيبك الخاص).

No description available.

لن أنسى أبدا ضحكة النجمي الطفولية، وسخريته المميزة، ولا الصداقة والأيام التي جمعتني به زمنا، سواء في العمل - في جريدة (صوت العرب) ومجلة (طبيبك الخاص) - أو صديقا ورفيقا بمقاهي وسط البلد والسيدة زينب، كان يملك أناقة لا تباع ولا تشترى، هي أناقة اللغة والقلم، أناقة الروح والقلب.

بالإضافة إلى مميزاته الصحفية البارزة في إصدارات  مؤسسة دار الهلال، هناك النجمي الإنسان الطيب الخلوق، والذي يعطي للصداقة حقها، صاحب الابتسامة التي لا تفارق محياه، المولود بحي المنيل الذي نسج فيه علاقات صداقة وأخوة  واسعة، حيث حافظ إلى آخر أيامه على مبادئ الاحترام والتقدير، إلى درجة من النادر أن تسمع أن النجمي على خلاف أو خصومة مع أي شخص.. فالطرائف التي تختزنها الذاكرة عن الصديق النجمي كثيرة.

No description available.

فقدانك يا نجمي رجلا متميزا في عمله وفِي أخلاقه، فهذا الرجل كما عرفته وخبرته كان صحفيا متكاملا، لا يتطرق لموضوع إلا أتقنه، ولا يطلب منه شيء إلا أنجزه.

عندما يأخذ مكتبه بين الزملاء، ينكب على العمل مستعينا بذاكرته، لا يضيع وقته في الهدر، ويبدو واثقا من نفسه. فيما ينجز من أعمال صحفية. كان لا يقتصر على الكتابة للصفحات المختصة في الشأن الثقافي، ليجرب الكتابة في كل المواضيع والأجناس الصحفية، من الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطبية وغيرها.. هكذا كان  النجمي صحفيا جامعا.

لم يكن يريد أو يسعى لأن يصبح نجما لامعا، بل كان صحفيا لا يتكالب على المآدب.

الحبيب أحمد النجمي كم صدمني خبر رحيلك.. قبل أقل من شهرين تقابلنا وحكينا.. قلت لي (أموري تمام. وتحت السيطرة).

No description available.

هذا هو أحمد النجمي الصحفي والإنسان الذي شكل منبعا خصبا للعطاء والتكوين، ومد الأجيال الحالية والقادمة بخبرته وحنكته، وتفوقه في المجال الصحفي، إلا أن الموت لم يمهله ليغادرنا في ومضة عين، دون أن يتمكن من مد الخلف بكل ما يملكه من مميزات اجتمعت فيه وتفرقت في غيره.

خسارة، خسارة، خسارة كبيرة، ويصعب أن تعوض، ومن الصعب أن يجود الزمان بمثل أحمد النجمي الصحفي المتميز والإنسان الرائع.

رحمك الله يا عزيزي، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن لفراقك القاسي والصعب علينا.

وفي النهاية، لا أجد ما أقوله سوى رحمك الله يا أبا لؤلؤة، وألهم شقيقك الكاتب الصحفي محمد النجمي وزوجتك الكاتبة الصحفية سناء الطاهر  وعلى رأسهم ابنتك لؤلؤة، وأسرة مجلة (المصور) وكل ذويك الصبر والسلوان.

(إنا لله وإنا إليه راجعون)

No description available.