السبت 13 ابريل 2024

الرسول صلى الله عليه وسلم من الوداع إلى اللقاء

مقالات14-7-2022 | 19:53

كثيراً ما تمنيت وأنا أدرس سيرة رسول الله- صلى الله علىه وسلم - أن لو كنت واحداً من أصحابه، أو حتى من خدمه ، فقد ملأ الحبيب كل مساحة شعوري ووعيّ إعجاباً بخلقه ورحمته وحكمته وعظمته وسماحته .

 

هذا الشعور الفائر بحب رسول الله يتعاظم كل يوم، ويزداد بالتبعية  شوقي للقياه يوم القيامة وأن أكون تحت لوائه بعدما حُرمت ذلك في الدنيا، عساي أن أكون من هؤلاء الذين قال الله تعالي في شأنهم: ( يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْوَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) التحريم: 8.

إن شوق المحبين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شعورٌ متبادل بينهم وبينه حتى بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى وإن لم يروه أو يعاصروه، (فقد روي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله علىه وسلم - أتي المقبرة فقال: السلام علىكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددنا أنّا قد رأينا إخواننا؟، قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟، قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) ،( وفي رواية أخرى قال : من أشد أمتي لي حباً أناسٌ  يكونون بعدي يودُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله ).

 

 

هذا الشعور الفائر بالحب يدفعني إلى أن أتجرأ وأقول لحضرته علىه الصلاة والسلام: لماذا ودعتنا؟ لقد خيرك ربك بين أن تبقى، وبين أن تنتقل إلى الرفيق الأعلى، فاخترت الرفيق الأعلى، العالم في حاجة إليك! وأنا يا سيدي في حاجة إلى نظرة منك، إلى رحمتك، إلى أن أكون بين يدك الحانية ولو لثانية واحدة.

قلبي يا رسول الله أولى من الجذع الذي حنّ لفراقك وانتحب باكياً وما سكت حتى وضعت يدك الشريفة علىه.

لو كنت بيننا ما تركت قلباً حزيناً أو جريحاً حتى داويته ومنحته الأمان.

لو كنت بيننا ما تركت أمتك تتيه في الضلال والظلام.

لو كنت بيننا لحلّ السلام على الأرض كلها.

عذراً يا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على جرأتي في مناجاتك، وسأصبر بشوقي إليك حتىي ألقاك يا حبيبي وسيدي.

وأرجع إليك عزيزي القارئ وأقول :

لقد ودع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  أمته في حجته الوحيدة عام 632 م،  العام العاشر من الهجرة، ووقف على عرفة يوم جمعة قبل انتقاله إلى ربه بواحد وثمانين يوماً، بعد بلاءٍ طويل في إبلاغ الرسالة، ناصحاً أمته إلى يوم القيامة نصيحة مودع، يصيح فيهم كما يصيح الوالد بولده إشفاقاً علىه من منعطفات الدنيا وغرورها، ومكائد الشيطان وشَركه، وتقلبات الأزمنة وأمواجها.

لقد ظل 23 سنة يصل الأرض بالسماء، يتلو على الناس آيات القرآن، ويزكيهم بالحكمة والموعظة الحسنة حتى اكتمل الدين، وتمت النعمة ، وبانت حقائق الدين محجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، وأنزل الله قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ علىكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]. عندما سمعها سيدنا عمر - رضي الله عنه- بكي،  وقال: ليس بعد الكمال إلا النقصان، وكأنه استشعر قرب وفاة رسول الله.

خطب الحبيب - صلى الله عليه وسلم - قائلاً: (أما بعد، أيها الناس: اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا).

أيها الناس: إن دماء كم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلَّغتُ؟ اللَّهم اشهد.

فمن كانت عنده أمانة فليؤدِّها إلى من ائتمنه علىها. وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أن لا ربا، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمِّي العباس بن عبد المطلب. وإنَّ دماء الجاهلية موضوعة وإنَّ مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية. والعمد قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.

أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.

أيها الناس: إن لنسائكم عليكم حقا، ولكم علىهن حق، لكم علىهن ألا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.

أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، فلا يحل لإمرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.

 فلا ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده، كتاب الله وسنتي، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.

 أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلُّكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى.. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.

فليبلغ الشاهد الغائب، والسلام علىكم ورحمة الله وبركاته.

والسؤال: هل نحن على عهد رسول الله وعلى وصاياه كما جاءت في خطبة الوداع؟

أعتقد يقيناً لو أن رسول الله حياً لطرد خلقاً كثيراً يرفعون رايته، يكفرون المسلمين ويعملون في أعناق العباد ذبحاً وفي البلاد فساداً حتى وإن صلوا وصاموا وزعموا أنهم من المسلمين ، كما فعل مع أبي عامر المنافق الذي بنى مسجداً إرصاداً لمن حارب الله ورسوله وإرهاباً للناس باسم الله، فقام بهدم مسجده وسماه مسجد الضرار وهرب المنافق قبل القصاص منه. وأنزل الله في شأنه قوله تعالي ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) التوبة:  107.

إن كل من استحل الدماء والأعراض ومقدرات الأمة التي حرمها رسول الله كحرمة البلد الحرام والشهر الحرام ، ليس له مكانٌ من الرحمة، لا عند الله ولا عند رسول الله، وبالتالي ليس له موضع قدم بيننا ، فليذهبوا إلى الجحيم .

أما من سلم الناس من لسانه ويده ، فهو المؤمن الذي سيكون في ظل الله يوم القيامة ومن أحباب رسول الله، اللهم اجعلنا منهم.