الخميس 18 اغسطس 2022

الثقافة المصرية لمن؟

مقالات28-7-2022 | 20:48

سؤال قديم وقد يبدو مكررًا ولكنه لا يزال ملحًا في ظل كل ما مرت به مصر من أحداث فى السنوات الماضية، وأيضًا بسبب الهجمات المتتالية من قوى الظلام التي تريد هدم مصر واقتحام عقول شبابها بأفكار غريبة ومغتربة بهدف تقليل انتماء هؤلاء الشباب لمصر، وربما أيضا تجنيدهم من أجل زعزعة استقرارها، وأقوى وأسهل الوسائل فى نفس الوقت لتحقيق هذا الهدف الثقافة والفنون، وهى المعروفة باسم القوى الناعمة، وهذه القوى وحدها كافية لصد كل محاولات جماعات الظلام المتسترة وراء عباءة الدين تارة وعباءة الحرية المزعومة المستوردة من الخارج تارة أخرى.

من أجل هذا كانت أهمية استخدام قوتنا الناعمة كحائط صد أمام كل ما سبق، وكذلك أهمية أن تصل الثقافة المصرية الحقيقية إلى كل مكان على أرض مصر، وذلك من خلال وزارة الثقافة التي أدركت خطورة غياب هذه الثقافة وكان الفنان فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق سابقا لعصره بكثير ومبتكرًا لأفكار جديدة ومختلفة، فقد كان مؤمنًا كما ذكر أكثر من مرة أن  الفكرة تأتي قبل الإمكانية لأنها هى التي ستوجد القدرة وإمكانية تحقيقها في طياتها، وكان إنشاء صندوق التنمية الثقافية كأداة من أدوات العمل الثقافي بداية لمشروع ثقافي متكامل يتجاوز دوره فى دعم وتمويل المشروعات الثقافية فى كافة مجالاتها إلى دعم إعداد المثقف الذي يقوم بإدارة الأعمال الثقافية المختلفة، وقد أنشئ الصندوق بالفعل عام 1989 بناءً على قرار جمهورى على أن يكون كيانًا ذي طبيعة خاصة، تعي المفهوم الصحيح للتنمية الثقافية ويهدف القرار أيضا إلى رفع مستوى الخدمات الثقافية وزيادة كفاءتها، والمشاركة فى وصول هذه الخدمات إلى كل ربوع الوطن.

ثم كانت الفكرة الثانية الأكثر طموحًا فى ذلك الوقت تحويل البيوت الأثرية القديمة المنتشرة في كل ربوع مصر إلى مراكز تشع بالإبداع والفنون الراقية على أن يتخصص كل بيت فى نوعية محددة من الأعمال الثقافية، فهناك من تخصص فى التراث والموسيقى والفن التشكيلي وفنون الطفل والسينما والمسرح، وكان لابد أن توحي هذه الأماكن لمن يقودها بفلسفة خاصة تجعل من معمارها وجدرانها جزءًا لا يتجزأ من العمل الثقافي الذي تقدمه، وبالتأكيد كانت الدولة حريصة كل الحرص على وصول أنشطتها إلى جميع فئات الشعب فى كل مكان بأسعار بسيطة فى متناول الجميع تحقيقا للعدالة الثقافية التي لا تفرق بين طبقة اجتماعية بعينها والطبقات الاجتماعية الأخرى.

و لعل أبرز هذه البيوت الثقافية المتخصصة والذي استطاع من خلال أفكار الفنان انتصار عبد الفتاح تحقيق تلك المعادلة الهامة بين الفن والمعمار الأثري الجميل، وقد اختار الفنان الكبير اتجاها متفردًا يجمع كل أشكال فنون السماع والإنشاد الدينى والصوفي مع الترانيم الكنسية المسيحية، بحيث تتناغم جميعها في صلاة واحدة للآله الواحد، واتسعت الفكرة أكثر لتتحول إلى رسالة سلام للعالم كله من خلال مبادئ وتعاليم الأديان السماوية، وضمت فرقة رسالة سلام فرقًا من مختلف دول العالم اتحدوا جميعا فى هذه المنظومة برغم اختلاف اللغات واللهجات ليثبتوا لكل شعوب الأرض أن الأيدي عندما تتلامس والعقول عندما تتلاقى فكريا والقلوب عندما تنصهر جميعها فى الحب والتواصل والتعاطف لا تحتاج إلى لغة واحدة تجمع بينهم. 

وكانت قبة الغوري صاحبة الحظ فى أن تتحول إلى مكان معبر عن فلسفة فن السماع والمقامات الروحية، ثم خرجت الفكرة الفريدة مع صاحبها إلى شوارع وميادين مصر لتلتحم بالجماهير تاركة بداخلهم أبلغ تأثير، وتطورت مرة أخرى لتقدم المقامات الروحية في منازل أثرية أخرى مثل بيت السناري بالسيدة زينب، وبيت يكن فى الدرب الأحمر، و أقبل عليها جمهور هذه المناطق إقبالا منقطع النظير إلى درجة ابتكار الفنان صاحب الفكرة الأساسية لكورال جديد يردد معه أغاني التراث المصري من أبناء كل منطقة، وهي أيضا فكرة غير مسبوقة، كل هذا كان يقدم للجمهور إما مجانا أو بأسعار تذاكر تتناسب مع إمكانيات الأسرة المصرية البسيطة عملا بحلم وزارة الثقافة الذى ذكرناه فى بداية هذا المقال، إلى أن فوجئنا جميعا نحن المترددين على تلك الأماكن بإعلان عن حفل جديد بقبة الغوري يقدمه أحد أفراد فرقة دراويش المولوية وهو الدرويش حسين سليمان مع المنشد ناصر أشرف فى رحلة لآل البيت والمنشدة شيماء النوبي والسيرة الهلالية والابتهال والصوفية السورية مع فرقة الربانيين وهي من الفرق السورية المقيمة في مصر والتي شاركت من قبل فى حفلات سماع ورسالة سلام والحفل ليس حفلا خاصا بل هو تحت رعاية وزارة الثقافة وصندوق التنمية الثقافية وتحدد ثمن التذكرة بـ130 جنيها، و الـ v.i.p  بـ135 جنيها وتزيد التذكرة المميزة علي نظيرتها بكتابة اسم صاحبها عليها وتخصيص مقعد له فى الصفوف الأولى ثم توقيع الدرويش حسين عليها باسمه فهل هذا معقول؟

 لقد أثار الإعلان تعليقات مختلفة بين الجماهير الذين صدموا من هذا السعر غير المتعارف عليه فى كل مراكز الإبداع التابعة للوزارة، خاصة بعد صدور قرار آخر بأن تدفع أي أسرة تذكرة كاملة للأطفال الأكبر من عامين، والمؤكد أنه سلوك غريب من قبل صندوق التنمية ليس له أي مبرر، صحيح أن من حق الوزارة أن تحقق أرباحا من أعمالها الفنية ولكن ليس على حساب رسالتها الأساسية التي تهدف لتقديم الثقافة لكل فئات الشعب خاصة محدودي الدخل الذين ليس لهم حظ الاستمتاع بالفنون المقدمة فى أماكن أخرى لارتفاع أسعارها ارتفاعا كبيرا.

ثم، كيف يحدث هذا في الوقت الذي قامت فيه الوزارة بتدشين مشروع سينما الشعب والذي يعود بسعر تذكرة السينما إلى ٤٠ و ٢٠ جنيها فقط فى الحفلين الصباحيين فهل وصل التناقض بين قطاعات الوزارة إلى هذا الحد؟ نحن فى انتظار الرد .