الخميس 18 ابريل 2024

الابتزاز وتسجيل المكالمات دون إذن

مقالات11-8-2022 | 21:16

سألنى سائل عن حكم من يقوم بتسجيل المكالمات للناس بقصد الإضرار بهم؟

وطلب منى البعض أيضاً الحديث عن الابتزاز الإلكترونى للفتيات وحرمة اختراق حسابات أدوات التواصل الاجتماعى؟

فكتبت هذا المقال للتبيان والتوضيح، حيث يعمد بعض الناس إلى تسجيل المكالمات الهاتفية أو تسجيل أى لقاءات تواصل بسرية دون علم الطرف الآخر، بقصد تصيد أخطائه أو انفعالاته لابتزازه لاحقاً أو أى غرض آخر .

وهذه جريمة كاملة الأركان على المستويين الدينى والقانوني.

أما دينياً:  فقد قال الله تعالى "ولا تجسسوا" الحجرات : 12 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة. رواه الترمذي.

وقال عبدالله بن عمر: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله، رواه الترمذي.  

فهذا الفعل يعتبر من الخيانة التى حرمها الله تعالى فى القرآن الكريم.

قال تعالى: إن الله لا يحب الخائنين (الأنفال: 58).

وقال: إن الله لا يحب كل خوان كفور (الحج: 38)

وقال: إن الله لا يحب من كان خوانا أثيماً (النساء: 107)

وقال سبحانه: وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (يوسف: 52).

وأما قانوناً: فقد حدد القانون المصري عقوبة من يقوم بعملية تسجيل المكالمات الهاتفية دون إذن قضائى، بالحبس لمدة لا تزيد على سنة، وفق المادة 309 مكرر من قانون العقوبات والتى نصت على أنّه "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن، وذلك بأن استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أياً كان نوعه محادثات جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون".

كما يحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأجهزة، ومحو التسجيلات الحاصلة عنها أو إعدامها.

ووفقًا لنصوص المواد 95 و95 مكرر، و206 من قانون الإجراءات الجنائية، والتي نصت «إذا تم التهديد بإفشاء أمر من الأمور التي تم التحصل عليها عن طريق التنصت أو التسجيل أو التصوير، يعاقب الفاعل بالسجن مدة قد تصل إلى 5 سنوات، كما إذا قام موظف عام بالتنصت أو التسجيل أو النقل أو التصوير يعاقب بالسجن من 3 سنوات إلى 15 سنة.»

 - وقد يقوم البعض بتسجيل المكالمات أو اختراق مواقع التواصل الاجتماعى بقصد الابتزاز الإلكترونى للضحايا.

والابتزاز الإلكترونى هو الوصول إلى البيانات والمعلومات الخاصة بالضحية عبر بعض وسائل التواصل الاجتماعى وتطبيقات الهواتف الذكية، ثم تسجيل أو  فبركة محتوى صوتى أو مرئى لاستخدامه فيما بعد بهدف تهديد الضحية والحصول على مكاسب مادية أو استغلال جنسى.

وقد تصل تلك الجريمة إلى درجة الاتجار بالبشر وهو ما حدث بالفعل في بعض القضايا.

وأصدرت دار الافتاء المصرية فتوى تاريخية مضمونها : "لا يجوز شرعًا استخدام تقنية DeepFake(التزييف العميق) لتَلْفِيق مقاطع مَرْئية أو مسموعة للأشخاص باستخدام الذكاء الاصطناعى لإظهارهم يفعلون أو يقولون شيئًا لم يفعلوه ولم يقولوه في الحقيقة؛ لأنَّ في ذلك كَذِبًا وغِشًّا وإخبارًا بخلاف الواقع، وفي الحديث: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (رواه مسلم)، وهو نَصٌّ قاطعٌ صريحٌ في تحريم الغِشِّ بكل صوره وأشكاله.

والإسلامُ إذ حثَّ على الابتكار والاختراع؛ فقد جَعَله ليس مقصودًا لذاته، بل هو وسيلة لتحقيق غَرَضٍ ما؛ لذا أحاط الإسلامُ الابتكاراتِ العلمية بسياجٍ أخلاقيٍ يقوم على أساس التقويم والإصلاح وعدم إلحاق الضرر بالنفس أو الإضرار بالغير، فمتى كان الشيء الـمُخْتَرع وسيلة لأمرٍ مشروعٍ أخذ حكم المشروعية، ومتى كان وسيلة لأمر منهيٍّ عنه أخذ حكمه أيضًا.

واختلاق هذه المقاطع بهذه التقنية فيه قَصْد الإضرار بالغير، وهو أمر منهي عنه في حديث النبي صلى الله وعليه وآله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، إضافة لما فيها من الترويع والتهديد لحياة الناس، والشريعة الإسلامية جعلت حفظ الحياة من مقاصدها العظيمة وضرورياتها المهمة؛ حتى بالغت في النهي عن ترويع الغير ولو بما صورته المُزاح والترفيه.

وهو أيضًا جريمة قانونية يُعاقَب عليها وَفْق القانون رقم (175) لسنة 2018م، الخاص بـ«مكافحة جرائم تقنية المعلومات»؛ فقد جَرَّم المُشَرِّع المصري في هذا القانون نشر المعلومات المُضَلِّلة والمُنَحرفة، وأَوْدَع فيه مواد تتعلق بالشق الجنائي للمحتوى المعلوماتي غير المشروع". انتهى كلام دار الإفتاء.

ولقد عانى مجتمعنا المصرى خلال الفترة الأخيرة من صدمات اجتماعية كبيرة بسبب جرائم قتل ضد فتيات آخرها مقتل فتاة الزقازيق الابنة سلمى بهجت على يد زميلها، والذى سبق وهددها وحاول ابتزازها إلكترونياً.

 

ولذلك من الخطورة تأخير التجاوب مع قضايا الابتزاز الإلكترونى، وترك الذئاب البشرية تهدد بناتنا ضحايا هذه الجرائم قدراً من الوقت حتى عقابهم قضائياً بعد عدة سنين أو شهور .

لابد من إجراء قانونى رادع فور ثبوت التهديد من قبل مباحث الاتصالات والانترنت.

ولابد من إعادة ترميم المصدات الذاتية الاجتماعية لحماية الأعراض والخصوصيات وخاصة حماية المرأة التى تتعرض لتلك الجرائم البشعة .

وهذه بعض الاقتراحات العاجلة لإدراك ما يمكن إدراكه فى هذا الشأن:

1- لابد من تركيز الخطاب الدعوى فى مصر وخاصة خطب الجمعة على التحذير من تلك الجرائم بمداخل اجتماعية مقبولة، وخاصة أن القرآن قد توعد من يتعرض لأعراض الناس بالباطل باللعن والعذاب المهين فى الآخرة.

قال تعالى " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (23)  سورة النور.

وقال تعالى : (لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12) سورة النور

وقال النبى صلى الله عليه وسلم : "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا".

2- نشر رسائل الوعى الخاصة بصور وأساليب الابتزاز الإلكترونى، وأن التقنيات الآن باتت تفبرك أى شيء لأى شخص بدقة عالية يصعب كشفها، كالتطبيق الذى أشارت إليه دار الإفتاء  Deep Fake

وبالتالى لا يتم تصديق أى محتوى لأى شخص وفق ما تقدم وتطبيقاً للآية الكريمة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" (6) الحجرات

3- توضيح ماذا يفعل الشخص إذا تعرض لابتزاز إلكترونى؟ أو تهديد من هذا النوع؟

ومن الضروري وجود حملات إعلانية ضخمة فى هذا الشأن حفاظاً على السلم المجتمعى واستقرار الأسر المصرية ومحاصرة هذا النوع من الجرائم .

4- نشر رسائل الوعى بخصوص الاستخدام الرشيد لوسائل التواصل الاجتماعى، وأن الهواتف الذكية على قدر منافعها، على قدر خطورتها إن لم يتم تطبيق عوامل حماية المعلومات والخصوصية الشخصية.

إن حملات الوعى فى هذه المساحة لم تعد رفاهية، أو من الثانويات فى ترتيب أولوياتتنا، بل أصبحت من الضروريات الملحة والعاجلة.

حفظ الله مصر من كل سوء ومكروه، وحفظ الله شعبها من الشر وأهله، والله المستعان