الثلاثاء 7 فبراير 2023

العنف الأشد وجعا

مقالات28-11-2022 | 20:44

سألتني صديقة عن أقسى أنواع العنف ضد المرأة التي شاهدتها على مدار سنوات عملي الصحفي، قالتها وهي على يقين أن أحدثها عن الختان والزواج المبكر، باعتبارهما جريمتي متكاملتي الأركان في حق فتاة لم ترتكب ذنباً سوى تدوين نوعها كأنثى في شهادة الميلاد.. وربما تصورت أن أكلمها عن حرمان المرأة من الميراث، الذي يتم بإرادتها أو رغماً عنها بحجة عدم ذهاب المال لأسرة أخرى، وكأن أولادها من رجل خارج العائلة غرباء لا يستحق أحدهم التمتع بأملاك أمه..  وجائز توقعت أن أسرد عليها حكاوى لا تعد ولا تحصى عن نساء تعرضوا للسب، الضرب، أو حتى الحرق من أب، أخ، أو زوج لم ولن يكن أبداً الأمان والسند.. كلها أشكال موجعة للعنف ضد النساء، إلا أن وجعها ملموس ومعروف لكل مهتم بالمرأة وقضاياها.. بالإضافة إلى جهود الدولة الحثيثة في التصدي لها، خاصة خلال الثمان سنوات الأخيرة، بدءً من دستور 2014، والذي خصص مادة تنص صراحة على التزام الدولة بحماية المرأة من كل أشكال العنف، وانتهاءً بقرارات وتشريعات تجرم كافة من تورط في أحد صور العنف السابق ذكرها وخضوعه لعقوبات قانونية قد تصل للحبس لعدة سنوات، فضلاً عن مجلس قومي للمرأة يناهض العنف ويدافع عنا بكل ما أوتي من قوة كي يعيد لكل تاء مربوطة حقوقها.

ما أراه أوجع من كل ما قيل ويقال، ليس مذكور ضمن العنف الجسدي ولا حتى العنف المعنوي، والذي عرفته الأمم المتحدة بإثارة خوف الأنثى عن طريق الترهيب أو إجبارها على الانقطاع عن الأصدقاء، الأهل، أو العمل، والتقليل من شأنها بالنقد المستمر.

 أنه نوع آخر من العنف، ذلك الألم المسكوت عنه، فلا تستطيع أنثى إثباته أو حتى البوح بتفاصيله، أنه عنف صامت، قد يمارس ضدها في طفولتها من أب، أم، أخوات كل منهم يعيش في جزيرة منعزلة تحت مسمى "أسرة"، والواقع أن لا أحد يعرف احتياجات، مشاعر، أو حتى مشاكل الآخر، نوع من الاغتراب التام ما يعرض الفتاة إلى تسول ولو نظرة احتواء من أحدهم علها تجد الاهتمام، والنتيجة مزيد من الصدمات!.  

وعنف آخر تتعرض له كثير من النساء، دخلن مؤسسة الزواج بحلم وردي ومفكرة بيضاء، وكلهن أمل ورجاء أن يملأنها بأهداف ثنائية مشتركة لأحلى غد، فما كان من شريك العمر إلا وطعنهن بخنجر الصمت، وخذلة تلو أخرى، تحولت حياتهن إلى تواريخ متشابهة لا يفرق بينهما إلا درجة هذيان المشاعر وأوجاع الروح.

الخلاصة.. لا يمكن لأحد إنكار مقدار القهر والحزن الذي ينتاب امرأة جراء تعرضها لأي من أشكال العنف المادي أو المعنوي، لكن ما أردت أن ألقي الضوء عليه، هو ذلك العنف الممارس ضدها من قبل أهل أو زوج اغتال روحها بتجاهل مشاعرها، فماتت وجدانياً وهي على قيد الحياة، وليس سراً أن بعض النساء يفضلن ولو كلمة حادة عن تجاهل تام يفقدهن ماهية التواجد في هذه الدنيا، ليت المعنيين بقضايا المرأة يضيفون التجاهل الوجداني كأحد أشكال العنف الأشد وجعاً.

.
.