الإثنين 17 يونيو 2024

بيرم التونسي.. مسيرة مفعمة بالعطاء

بيرم التونسي

الهلال لايت 10-3-2023 | 22:05

محمود قنديل

آمن بيرم بأهمية الكلمة، ومدى تأثيرها في القلوب والعقول، فلم يتوان عن ترديدها بفنية عالية شهدت لها ذائقة التلقي منذ بزوغ نجمه حتى يومنا هذا

رغم بساطة اللغة التي يكتب بها بيرم وسهولتها، إلا أنها تنم عن وعي كبير وفهم عميق وفنية مراوِغة تخدم الهدف الإبداعي، وهو ما جعلها تروق لآذان قمم الغناء في ذلك الوقت

 

سيظل بيرم التونسي علامةً مشرقة في سماء الإبداع الجميل، ونجمًا يُهتدى به في رحابة القصيدة العاميَّة، وأنموذجًا يُحتذى لدى الشعراء من مختلف الأجيال والعصور. 

وُلِد شاعرنا في بدايات الربيع عام 1893، واستجاب لنداء ربه في الخامس من يناير سنة 1961، وبين وميض الميلاد وهزيع الرحيل عاش مناضلًا ضد احتلال بلادنا، ومناهضًا لنهب الإنجليز لخيراتنا والعبث بمقدرات مصرنا، فصار مطاردًا ومنفيًا من بلدٍ إلى آخر حتى استقر به المقام بمصر بعد ثورة يوليو المجيدة 1952، واستحق جائزة الدولة التقديرية من الزعيم القائد جمال عبدالناصر قبيل غروب شمس حياته عن وطن أحبه وعشق التواجد على أرضه.

ويحدثنا بيرم عن بداياته فيقول: لازمتُ الشيخ سيد درويش وألفتُ له رواية "شهرزاد" بعيدًا عن النشاط السياسي، وتم عرضها بعد رحيلي الأول منفيًا إلى الخارج، وكان الاسم الذي اقترحناه للرواية هو «شهوزاد» إشارة إلى شهوات العائلة الحاكمة ولكن الرقابة منعت ذلك الاسم فعدلته.

و "شهرزاد" هو الأوبريت الذي كان سيد درويش قد طلب من بيرم كتابته ليُلهب الحماسة في نفوس المصريين، ويدفعهم إلى مناهضة الاحتلال ومجابهته، فقد كان الشيخ سيد يرى أن حُجة الإنجليز ـــ دائمًاـــ أمام العالم هي تبرير استعبادنا بأننا شعب ضعيف لا يستطيع حكم نفسه وأننا بحاجة إلى حماية مستمرة، الأمر الذي جعل درويش يؤكد على بيرم أن يبرز تمجيد الإنسان المصري خلال كتابته.

لم يختر بيرم الطريق السهلة في الكتابة، بل آثر النأي عن العادي والمألوف، فعانق الصورة الفنية، وصافح الكلمة البسيطة، وخاطب المصريين على اختلاف ثقافاتهم، فحاز إعجاب الجميع ورضاهم، وتجاوبوا معه في أحلامه ورؤاه، ومضوا نحو نبذ الاحتلال ومجابهته حتى تحقق الاستقلال.

كان بيرم يؤمن بأهمية الكلمة، ومدى تأثيرها في القلوب والعقول، فلم يتوان عن ترديدها بفنية عالية شهدت لها ذائقة التلقي -منذ بزوغ نجمه- حتى يومنا هذا.

يقول في إحدى قصائده مهوِّنًا متاعب الإنسان، وراصدًا لحقيقة معيشته، وداعيًا إلى الرضا والقناعة بالمقسوم:

قال: إيه مراد ابن آدم؟

قلت له: طقة

قال: إيه يكفي منامه؟ 

قلت له: شقّة

قال: إيه يعجّل بموته؟   

قلت له: زقة

قال: حـد فيها مخلّد؟ 

قلت له: لأه

قال لي: ما دام ابن آدم بالصفات دي   

نويت أحفظ صفات ابن آدم كل ما أترقى،

ويقول في قصيدة أخرى منتقدًا قطاعًا مجتمعيًا عريضًا يشتعل غضبه لأتفه الأسباب، لينصب فخاخ الشِّجار، ويعلن العداوة للآخرين، فيحذر بيرم من أن هذا السلوك لايمكن له أن يدفع بهذه الأمة إلى الرقي أوالتقدم:

هفوة أو كلمة هايفة نتحمق ونقوم

نسب وندب ويقوم العراك بالشوم 

وكل محموق وليه فرقة تقوم بهجوم 

من قبل ما تعرف الظالم من المظلوم 

ومنين نشوف العدل واللا السفينه تعوم 

مادمنا فوق قلبها قاعدين لبعض خصوم

تضحك علينا الحدادى فى السما والبوم..  

ويصل الشاعر إلى ذروة التمرد على كل الإخفاقات السائدة، ليصرخ في وجوه النائمين والغافلين والمتقاعصين كونهم استطابوا نكران الآخر دون مبالاة لما يعانيه:

ليه أمشي حافي وأنا منبت مراكيبكم؟  

ليه فرشي عريان، وأنا منجّد مراتيبكم؟

ليه بيتي خربان، وأنا نجّار دواليبكم؟ 

هي كده قسمتي؟ الله يحاسبكم

ساكنين علالي العتب، وأنا اللي بانيها

فارشين مفارش قصب، وأنا ناسج حواشيها 

قانيين سواقي دهب، وأنا اللي أدور فيها 

يارب ماهوش حسد لكن بعاتبكم. 

إن اللغة التي يكتب بها شاعرنا العظيم بسيطة وسهلة، لكنها تنم عن وعي كبير وفهم عميق وفنية مراوِغة تخدم الهدف الإبداعي، وهو ماجعل أمير الشعراء أحمد شوقي يصيح قائلًا: إنني لا أخشى على الفصحى أكثر من عامية بيرم التونسي.

ومن الجميل أن تروق أشعاره قمم الغناء في ذلك الوقت، لتغني له سيدة الغناء العربي (أم كلثوم) قصائد: الأولة في الغرام، أهل الهوى، الحب كده، القلب يعشق كل جميل، وغيرهم. 

كما غنَّت له أسمهان وشادية وفريد الأطرش ومحمد فوزي، وآخرون. 

ولا شك أن شعرية بيرم ـــ بجانب القصائد العاطفية ـــ قد وُلِدَت من رَحِم المعاناة التي عاشها طيلة سنوات عمره، لم يتنازل -يومًا- عن فكره، ولم يفرط لحظة في ما يعتقده، صَلبًا كان أمام جهامة الواقع وبشاعته، شرسًا في وجه الخِسة والنذالة، قلمه نبراسٌ يضيء الطرقات الداجية والعقول الضالة، حَرْفُه يطمئن المتيمين بالوطن، وكلماته تواسي الحيارى وتُعزي المساكين.

ويفارق شاعرنا العظيم دنيانا إلى عالم أفضل رحيب، قدم خلال حياته سيرة عطرة ومسيرة مغعمة بالعطاء، قلبه كان ينبص بالطيبة والمحبة لمن حوله، لذا فقد نعاه أبناء شعبه في موكب تبلله الدموع، وينتابه الأنين والأحزان.

هاهو العقاد ينعيه بعظيم الكلمات (كان ينبوعًا من ينابيع الفنون الشعبية نظمًا وغناءً وتمثيلًا وتصويرًا بالقلم يعطينا من صور الحياة العصرية ما تعجز عنه ريشة الفنان الصَّنَّاع).

ويرثيه صلاح جاهين بأطيب القصيد (مين اللى قال مات يا شباب يابو دموع. مات زى ما كتف الجبل يتهد.. مات باقتدار وفخار ماقالش لحد).

وينصفه الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي (إن ما خلفه لنا بيرم التونسي نقطة في بحر، وما في أيدينا جزء صغير من أعماله والتي -على الرغم من كثرتها- لم تصل إلى أيدينا كاملة، لأن إبداعه كان غزيرًا في مجالات كثيرة مثل الأفلام البدوية والمسلسلات الكثيرة التي كتبها، إضافة إلى الصور الغنائية العديدة، ومن الواجب أن نحتفل ونفخر بأن هذا الرجل عاش على هذه الأرض ومات دون أن يأخذ حقه في التكريم).

وتمتدحه دكتورة نعمات أحمد فؤاد بأصدق الحديث (كان بيرم متعلقًا بمصر تعلقًا شديدًا، ويؤلمه أن ينسبه أحدٌ إلى غيرها -بحكم الجذور البعيدة- كان دائمًا يقول: وبعد كل هذا تقولون بيرم التونسي، لقد تعلق بكتاباته بالعامية المصرية، عاش بيرم في مختلف الفئات وعرف كل الأوساط حتى أنه لم يترك شيئًا إلا وصفه، أقصد صوره في سخرية ضاحكة لكنه الضحك المندى بالدموع).

ويكلمنا الكاتب الساخر محمود السعدني عنه وعن بداية علاقته به (تعرفتُ إلى فنان مصر الأعظم بيرم التونسى، كان يجلس على مقهى السيدة زينب يكتب بقلم رصاص كلامًا أشد فتكًا من الرصاص، كنت معجبًا به إلى درجة الجنون.. هذا الفنان الذي يستحق وحده لقب "فنان الشعب" لأنه ظل يقاتل بقلمه كل القوى التي تحارب الناس، ذهنٌ شارد وعينان زائغتان وجسم منهك وتعبان). 

ليظل بيرم التونسي عالقًا في ذاكرة هذا الشعب عبر مختلف الأزمان والأجيال بروائعَ مشرقة راقت الذائقة المصرية والعربية، وهي -في حقيقة الأمر- روائع غير قابلة للمحو من القلوب أو العقول.