الثلاثاء 27 فبراير 2024

كيف تنتصر في عقر دار عدوك؟

مقالات11-3-2023 | 22:34

قال تعالي "... أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39) طه. 
اختار الله سبحانه وتعالى الفعل (اقذفيه) في جملة ( اقذفيه) ومن منا لا يعرف معنى الخوف والرمي وآليته،  وخاصة عندما يكون لطفل رضيع ضعيف البنية والبنيان، فكان القذف مرتين مرة في التابوت ومرة في اليم، وذلك كان على وجه السرعة عبر توظيف حرف العطف (ف) الدال على السرعة والتتابع،  ثم توظيف الفاء مرة ثالثة مع الفعل (يُلقي) في جملة ( فليلقه اليم) وتلك الأفعال يبدو في ظاهرها القوة مما قد ينتاب الرضيع من ألم،  بينما الترتيب الإلهي كان له شأن آخر في تعجيل خروج الطفل موسى من قبضة رحال فرعون الذين كانوا يقتلون الذكور من الأطفال... والشاهد هنا يكمن في ان حركية الفعل وديناميته وسرعته (اقذفي) لا تدل بالضرورة على وقوع الطفل في خطر أو أن يتسبب من جراء ذلك  شيء من الخوف النفسي أو الإصابة الجسدية،  بل إن تلك الخطوات دلت على الحماية الإلهية لموسى من خطر فرعون وقومه،  وتجلت شدة المفارقة بأن يكون المتسبب في خروجه من حضن أمه ( فرعون)  هو  نفسه الراعي الأوحد والأساس له- بإرادة الله- وذلك بأن" يأخذه عدو لي وعدو له" ليس هذا فحسب بل إنه ( فرعون)  هو الذي سيكون قائمًا على رعايته،  وفي الوقت ذاته ستُحرَّم على الرضيع المراضع إلا أمه.. تلك هي المحبة الإلهية  وصناعة موسى وتربيته تحت عين الله التي لا تنام. فكان التابوت واليم وفرعون ذاته من بين أدوات الله الحامية التي سخرها رب العزة لموسى. 
وفي النهاية فإن أقدار الله مهما بدا لنا منها من صعوبات أو ما يشبه المستحيلات، نظرًا لمحدودية عقولنا،  تتحول بعون الله وقدرته إلى خير لنا، ومن ثم فإنها كينونة أن يكتب الله لك الانتصار في عقر دار عدوك. إذن تلك هي أقدار الله وإرادته التي لم نُحط بها خُبرًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. 
والله اعلم.