الأربعاء 19 يونيو 2024

تخطي الأزمة بالتكافل المجتمعي

مقالات18-3-2023 | 12:46

يُعرف التكافل المجتمعي بأنَّه مشاركة أفراد المجتمع في المحافظة على المصالح العامة والخاصة ودفع المفاسد والأضرار المادية والمعنوية، بحيث يشعر كل فرد فيه أنه إلى جانب الحقوق التي له، عليه واجبات للآخرين وخاصة الذين ليس باستطاعتهم أن يحققوا حاجاتهم الخاصة بإيصال المنافع إليهم ودفع الأضرار عنهم؛ فالتكافل المجتمعي قيمة إنسانية نبيلة، يعم بها التآلف والتراحم بين الناس، وفي ظلها يتحقق استقرار الأوطان وتماسكها، فالمجتمعات الراقية مترابطة ومتعاونة، ولقد دعانا الشرع الحنيف للتسابق على فعل الخيرات، وقضاء حوائج الناس، والسعي إلى تفريج كروبهم، وما أحوجنا ونحن في هذه الأحوال إلى مضاعفة فعل الخيرات والصدقات تكافلًا وتضامنًا وتعاونًا وبرًا بأهل الحاجات والضرورات، وعملًا بالأخلاق والمبادئ والقيم واستجابةً لقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

يجب على الإنسان أن يتنازل عن حظوظ نفسه ويتعدى نفعه وخيره للآخرين، وعن مصالحه الشخصية من أجل المصلحة العامة، ويكون الأمر أوجب، والأجر أعظم خاصة في وقت الشدائد والابتلاءات والمحن، ولقد علَّم النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أصحابه رضي اللَّهُ عنهم كيفية التعاون والتكافل والتآزر؛ لما فيه من نشر المؤاخاة والمحبة بين الناس، فعن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه قال: بينما نحن في سفرٍ مع النبي صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم إذ جاء رجلٌ على راحلةٍ له، فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: «من كان معه فضل ظهرٍ، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زادٍ فليعد به على من لا زاد له» قال الراوي: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لاحدٍ منا في فضلٍ [صحيح مسلم]، وفي هذا يروي أبو سعيدٍ الخدري رضي اللَّه عنه، أنهم كانوا في سفرٍ مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، فجاءه رجلٌ على راحلةٍ له، فشرع في الالتفات يمينًا وشمالًا ببصره لأن راحلته كانت ضعيفةً لم يقدر أن يركبها من ثقل حملها بعد أن حمل عليها زاده، فلما رآه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على تلك الحال، قال في أصحابه من كان معه فضل ظهر أي: ركوبةٌ زائدةٌ عما ركبها فليتصدق به ويُعطه لمن لا يملك ما يسير به ويحمله ومن كان له فضل زادٍ من طعامٍ فليعد وليجد به على المحتاج إليه، وأخبر الراوي أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ذكر من أصناف المال كالثوب والنعال والقرية والماء والخيمة والنقود ونحوها، حتى ظن الصحابة رضي اللَّه عنهم وفهموا من أمره هذا أنه لا حقَّ لأحدٍ مِنهم في فضلٍ، وهذا كله من باب الإيثار.

لا يثبت على الأخلاق العظيمة في مختلف الظروف إلا العظماء، وهذا ما فعله سيدنا عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه، في عام الرمادة، عندما اشتد بالمسلمين الفقر والجوع، بسبب القحط، وعندما جاءت تجارته من الشام وكانت ألف بعير محملةً بالتمر والزيت والزبيب، فجاءه تجار المدينة، وقالوا له: تبيعنا ونزيدك الدرهم درهمين؟ فقال عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه لهم: لقد بعتها بأكثر من هذا، فقالوا: نزيدك الدرهم بخمسة؟ فقال لهم عثمان رضي اللَّه عنه: لقد زادني غيركم الدرهم بعشرة، فقالوا له: فمن الذي زادك وليس في المدينة تجار غيرنا؟ فقال لهم عثمان رضي اللَّه عنه: "لقد بعتها للَّه ولرسوله، فهي لفقراء المسلمين"؛ فكانت أمامه الفرصة سانحة ليربح أموالا طائلة، ويستغل ظروف المجتمع الاقتصادية السيئة؛ ولكنه رفض ذلك ابتغاءً لوجه اللَّه، فلا يستقيم على الأخلاق العظيمة في مختلف الظروف وأشدها إلا العظماء.