الإثنين 20 مايو 2024

بدر الكبري استردت للمسلمين هيبتهم

مقالات7-4-2023 | 16:49

تُعدُّ غزوة بدرٍ الكبرى من المعارك الفاصلة فهي أول انتصار تاريخي للدولة الإسلامية، والتي حدثت في السنة الثانية للهجرة، يوم السابع عشر من رمضان، الموافق 13 مارس عام 624 ميلادية، بعد أن أذن اللَّه للمسلمين بأن يقاتلوا من يقاتلهم في أول العهد المدني؛ فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]، بعد أن كان غير مسموحًا لهم بالقتال في العهد المكي كله، وكان من الصعب على المسلمين في المدينة تصوّر تحقيق انتصار عسكري على مشركي مكة، وهم بعد لم يمض على وجودهم في المدينة سوى سنتين، بالإضافة إلى أنهم كانوا أقل عددًا، وأضعف عتادًا.

انتصار الفئة القليلة الصابرة المؤمنة على الفئة الكثيرة بإذن اللَّه؛ فإذا أراد اللَّه أمرًا هيأ له أسبابه؛ فكان أمام الرسول ﷺ في حربه ببدرٍ مع قريش خيارًا من ثلاثة؛ إمَّا أن ينتظرهم في المدينة، وهذا سيجعل مجريات الحرب بيد قريشٍ لا بيده، وإمَّا أن يغزو مكة، وهذا ليس في طاقته في هذه المرحلة، وإمَّا أن يترصد قوافل قريش المسافرة بين مكة والشام؛ عند مرورها على المدينة؛ فكان الخيار الأخير لأنه في طاقة المسلمين، ويرد شيئًا من أموالهم المسلوبة، ويوجه ضربة موجعة لمشركي قريش، ويحقق نصرًا يرفع معنويات المسلمين وهم في أول عهدهم بالجيش والدولة، وشاءت إرادة  اللَّه عزَّ وجلَّ أن يكون النصر حليفًا للمسلمين رغم قلة عددهم وضعف عتادهم.

بدأت معركة بدر بمحاولة المسلمين اعتراض عيرٍ لقريش متوجهة من الشام إلى مكة يقودها أبو سفيان بن حرب، ولكن أبا سفيان تمكن من الفرار بالقافلة، وأرسل رسولًا إلى قريش يطلب عونهم ونجدتهم، فاستجابت قريشٌ وخرجت لقتال المسلمين، وكان عدد المسلمين في غزوة بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، معهم فرسان وسبعون جملًا، وكان تعداد جيش قريش ألف رجلٍ معهم مئتا فرس، أي كانوا يشكلون ثلاثة أضعاف جيش المسلمين من حيث العدد تقريبًا، فكان المؤمنون كما وصف القرآن أذلاء لقلة عددهم وكثرة عدد المشركين الذين كانوا ضعفي عدد المسلمين في تلك المعركة، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123].

يوم معركة بدر كان مع المسلمين القوة الإلهية، والمعية الربانية التي لا تغلبها أية قوة في الأرض؛ فأمد اللَّه المسلمين بالملائكة في المعركة، قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 9-10]، وانتهت غزوة بدر بانتصار المسلمين على قريش وقتل قائدهم عمرو بن هشام؛ لتتحول هذه الغزوة إلى أول انتصار تاريخى في سجل الدولة الإسلامية، وكان عدد من قتل من قريش في غزوة بدر سبعين رجلًا وأُسر منهم سبعون آخرون، أما المسلمون فلم يقتل منهم سوى أربعة عشر رجلًا، ستة منهم من المهاجرين وثمانية من الأنصار؛ فأصبحت شوكة المسلمين قوية، وارتفعت روحهم المعنوية؛ فاستردوا هيبتهم وقوتهم وأصبحوا مهابين ومرهوبين بين قبائل الجزيرة العربية كلها لأول مرة منذ ظهور الإسلام، وتعزَّزت مكانة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في المدينة، واهتزت هيبة قريشٍ في الجزيرة العربية بأكملها، فكانت الغزوة حدًا فاصلًا لكثير من الأمور، وسمى اللَّه تعالى يوم بدر في القرآن بيوم الفرقان؛ لما كان فيه من التفريق بين الحق والباطل، وسميت غزوة بدر بهذا الاسم نسبة إلى منطقة بدر التي وقعت فيها المعركة وهو منطقة مشهورة تقع بين مكة والمدينة.