الأحد 21 ابريل 2024

مقالات31-5-2023 | 23:11

عرفت «رُقيَّة» في أول سنوات تكليفي الحكومي حيث تم اقتيادي لمستشفى عام بعد أشهر من تخرجي بأمر مدعومٍ بمظروفٍ أصفر وختم نسر أزرق لرد الجميل لبلدي بعد تسلمي لشهادة بكالوريوس الصيدلة.

رأيتها أول أيام "عفْية" بلغة الطين والخُضرة، تدب بقدميها على الأرض بوجه تكسوه الحُمرة وعيون براقة عسلية وجلباب بألوان روحها الوردية، كانت تعكف على والدها المُسْن وتنتظره لإنهاء جلسة الغسيل الكلوي التي تمتص الفاسد من دمائه وتمنحه جديدها، فيما يشبه سحب الروح ثم نفخها فيه.

تقف على باب مكتبي - أو عهدة صيدليتي- لتتسلم بالوكالة علاجه المصروف من قسم نفقة الدولة والذي كنت أشرُف عليه.

ابتسامتها قوية مثلها؛ تجابه بها كآبة القسم وتهون على والدها وعليّ رائحة الدم الذي يغشى المكان وسط آهات ودموع المرضى.

كانت لا تبخل علي بمعسول شكرها، سواء سلمتها دواء والدها كاملاً أو انتقصت منه لقلة حيلتي أمام ضعف الدعم الطبي من حكومتنا حينذاك.

عاشرت رقية أسبوعياً ولشهور عدة ومع طول أمد جلسات والدها ثَقُلت خطواتها وخَفتت حُمرتها ومعها حماسها، بهتْ وجهها ومعه ابتسامتها، وزاغت عيناها، حتى جاءت نهاية والدها الحتمية؛ بأوردةٍ مسدودة وبكليتين عجزتا عن إكمال وظيفتهما أيقنت حينها أنها أدت واجبها، واغترفت من معين بر الوالدين.

ومن وحدة الكُلى الصناعية تم نقلي لصيدلية الداخلي بهذا المستشفى كبير المساحة، الضئيل في الإمكانيات والكفاءة؛ وبحماس التخرج وبقوة الضمير؛ كنت أمر يومياً بنفسي على المرضى المحجوزين في العنابر؛ يبدأ  مروري عصراً وينتهي قرب العشاء، أبدأ بالمريض المحظوظ الذي يرقد فوق سرير وربما يقاسمه فيه محظوظاً آخر، أسلمه دواءه المنقوص كالعادة وسط خجلي وتمتمتي بكلمات تبريرية غير مسموعة. ومن فوق السرير إلى تحته وفي الطرقات؛ حيث أجساد مكومة مُلتحفة بالغطاء ، قد تدهس بقدمك رؤوسهم عند مرورك، وقد تصطدم ببطونهم، وسط رائحة كريهة وبقايا طعام أغلبه عفْن، نعم تلك كانت حالة مستشفياتنا !!

حتى طالعني وجهها من تحت غطاء ثقيل؛  مكومة في طرقة من الطرقات،جاءني وجهها باهتاً ،مصبوغًا باللون البني ؛ انحنيت عليها فقابلني بطناً منتفخاً عالياً، وجاءني صوتها واهناً، سبقته ابتسامتها بلون أصفر يعكس حالتها.

تبدلت ملامحها تماماً بل نهشها "ڤيروس سي"، وكان كل يوم يمر عليها مُسجاه في طرقات المستشفى يعلن في نهايته موت قطعة من كبدها.

وبين مُنشطات كبدية بلا جدوى نعلم أن الجسم يلفظها ، وبين أدوية مُهضمة لا أمل فيها سوى تصدير فكرة الواجب والعطاء الحكومي، وبين مُسكنات محدودة بلا فاعلية أكيدة لإخماد أنينها؛ ذبلت رُقيّة، وتحولت لهيكل إنسان لا يحمل سوى بروز البطن بشكل مثير للبكاء،حتى جاءت الرحمة بتسليم روحها للعزيز المقتدر.

ماتت رُقية مغبونة، وإن عاشت بمرضها الآن لولى منها مُدبرًا بعد ظهور عقار "السوڤالدي" ، وبعد صرفه مجاناً في حملة 100 مليون صحة، ماتت رُقية بلا علاج، بل يشبه مستشفى ويشبه رعاية، وإن شهدت ما شهدته الآن من وصول أعداد مرضى "فيروس سي"  للصفر، لكان عمرها أكثر طولاً.

تذكرتها بكل تفاصيل عشرتها في عنفوانها وحزني المكتوم عليها في عذاب احتضارها وأنا أرى آلاف المرضى المصابين بفيروس سي ، يتوجهون لأخذ عقار السوڤالدي مجاناً بل ويتم متابعتهم بملفات لتفادي أي مضاعفات، بل اعتبر أن إنجازنا بالقضاء على شبح هذا الفيروس يعتبر أكبر إنجاز تم في القطاع الطبي، وكنا نتصوره درباً من الخيال.

تطورت مستشفياتنا وأتت حملات وزارة الصحة بجدواها بعد أن كنا في شبه منظومة صحية لا ترتقي للإنسانية تلك كلمة وشهادة حق فيما يخص الرعاية الصحية يراد بها شكر الله قبل شكر القائمين على هذا الإنجاز أو بالأحرى الواجب.