الإثنين 17 يونيو 2024

البطل محمد فهمي.. الوحش المصري قاهر بارليف

مقالات12-10-2023 | 15:34

شجاع إلى حد مطاردة الخوف.. فيتشرنق ذلك الخوف مذعوراً.. حاد البصر والبصيرة.. نهم فى إلتهام المعارف، شره لا يشبع من تحصيل العلم والقراءة، عمل على تركيز بوصلة معارفه، فى الاطلاع على التاريخ العسكرى فى كل بقاع الدنيا، وازداد تركيز بوصلته وعدسته المعرفية، لتحيط بجرائم العصابات الصهيونية فى أرض فلسطين المحتلة.

قوى البنية، موفور اللياقة، يرتاد نيران الوغى غير هياب ولا وجل، لا يتهاون أو يتوانى فى فرض أقصى وأقسى قواعد الضبط والربط، كما جاءت فى الأدبيات العسكرية الصارمة، ورغم هذا يمتلك قلبا يفيض بالمحبة والحنو، ويمتلك روحاً مرحة، تزرع البسمات على الوجوه فى أشد لحظات الجد والاجتهاد.

إنه البطل محمد محمد فهمى، صاحب الرقم الأسطورى حيث استطاع إسقاط أول نقاط العدو الحصينة، خلال حرب أكتوبر في أقل من عشرين دقيقة.

ولد محمد محمد فهمى فى حى العباسية عام 1950، وكان والده يمتلك ورشة لإصلاح السيارات فى حى الظاهر، ولشدة مهارته أطلق عليه زبائنه لقب الدكتور.. وبعد إنتهائه من الدراسة الابتدائية والإعدادية إلتحق محمد فهمى بمدرسة إسماعيل القبانى الثانوية، ليصبح رئيس جماعة الفتوة، وجاءت أحداث 1967، ليقود شباب جماعته للعمل على إطفاء الأنوار ليلا، وكان حلم حياته أن يلتحق بالكلية الحربية، وحصل على الثانوية العامة بمجموع 63% وسارع إلى الكلية الحربية، ونظرا لحدة بصره تم تحويله إلى الكلية الجوية، ورغم نجاحه أخبروه بضرورة عمل جراحة فى الحاجز الأنفى، وذهب به تنسيق الجامعات إلى كلية الألسن، قسم أسبانى فرنساوى، ووجد أنه فى هذا القسم مع ثلاثة شباب فقط ، وأكثر من عشرين بنتا، ورغم إغراءات الحياة الجامعية لأى شاب، إلا أن والدته كانت تقول له كل يوم "يا محمد أنت هتفضل كده فى الألسن والبلد فى الظروف دى".، وذلك لكى تجعله يعيد التقديم فى الكلية الحربية، فقام بإجراء عملية أنفه فى أكتوبر 1969، وأوصله والده إلى الكلية الحربية صباحا، وبعد سويعات قليلة وجد نفسه فى منطقة الحلة فى السودان، حيث مقر الكلية الحربية بعد عدوان 1967، ووجد فى الكلية قسمين "الإعدادى والأساسى"، وأغلب الكلية خيام، والجو حار جدا، وحول الخيام تنتشر الحشرات مثل العقارب، ورغم صعوبة تلك الفترة إلا أنه يحمل لها الكثير من الذكريات الجميلة، حيث زادت علاقات الود بين الزملاء، وكان من أوائل الدفعة، فحصل على درجة (رقيب طالب) وأتسم بالقوة البدنية (من الخمسة الأوائل)، واتسم بشغفه الشديد لقراءة التاريخ العسكرى، وقراءة تاريخ اليهود، وكان يشرح لزملائه تاريخ العصابات الصهيونية وكيفية احتلال فلسطين.

تخرج من الكلية الحربية فى عام 1972، وتم توزيعه على قطاع بورسعيد، وذهب عن طريق دمياط، حتى لا يتم السير على طريق القناة، خشية أن يتحول الجنود إلى هدف للصهاينة على الضفة الشرقية، وفى ذلك الوقت احتوى قطاع بورسعيد على لوائين 135، 130 وكان قائد اللواء الذى استقبلهم فى مدرسة اشتوم الجميل العقيد طلعت مسلم، وكان ضمن سبعة ضباط، وراح العقيد طلعت يصافحهم، وكلما صافح أحدهم جذبه إليه بقوة، وعندما وصل إلى فهمى كان مستعدا فلم تؤثر فيه هذه الجذبة القوية، فضحك العقيد طلعت، وسألهم (حد له أى مطالب)، فقال فهمى أريد أن أذهب إلى سلاح الصاعقة، فقال له (خليك معانا ستة أشهر وإذا لم يعجبك الوضع سأجعلك تذهب إلى الصاعقة).

وفى السابع من أبريل 1972 ذهب محمد فهمى إلى الكتيبة 135، والتقى بقائدها المقدم رضا محيى الدين، ومعه رئيس العمليات الرائد محمد شلبى، وفوجىء بالمقدم رضا يقول له (أرجو أن تقوم بالتدريس لنا نحن كل ضباط الكتيبة لمدة أسبوع لأننا نسينا العلوم العسكرية).. وذهب إلى السرية الأولى فى مدرسة الفاتح، والتقى بقائدها النقيب إبراهيم على هيبة، وكان ضخم الجسد، أشبه بالقادة الألمان، ويحفظ أسماء ضباط وجنود السرية ثلاثيا، ويعرف كل شىء عنهم من خلال ذاكرة حديدية، واستمع منه تفاصيل التفاصيل عن كل الموجودين فى السرية.

وبعد نوم لعدة دقائق فوجىء بالعقيد مسلم يقف على رأسه طالبا أن يشرب معه قهوة ثم اختفى، وفى الصباح الباكر يوم 8 أبريل 1972، كان على الملازم فهمى أن يقود طابور السرية الأولى، وكان أغلب جنود السرية من الدفاع الشعبى، والسرية ثلاث فصائل، ومعهم سرية الهاون، وكان الجنود يعانون بعض التراخى، وخلال دقائق قليلة كان الجميع داخل كل قواعد العسكرية الصارمة وبداية من هذا الموقف أصبح اسم محمد فهمى على كل لسان فى السرية وكان بالسرية الأولى الملازم أول مجدى ناشد بشاى قائدا للفصيلة الأولى، ومعه الملازم أول احتياط محمد عبدالمعطى، ثم الملازم احتياط زكريا أحمد قائد للفصيلة الثالثة.. والملازم محمد فهمى قائدا للفصيلة الثانية، وراح فهمى يقوم بتدريب أفراد فصيلته خارج المدرسة فى شوارع بورسعيد، وتعرف معهم على خطوط الفتح، وكان يصعد العمارات، ويقفز من بلكونة إلي أخرى، ويعطى الأوامر لجنوده من أعلى أسطح العمارات، وهذه التدريبات جعلته يحفظ كل شوارع المدينة، وطلب منه العقيد طلعت مسلم عمل بيان للدفاع عن مبنى، على أن يتم البيان أمام العديد من فصائل اللواء، واستطاع فهمى أن يضع الكثير من الابتكارات فى هذا البيان، مما جعل العقيد مسلم يقول أمام الجميع (لو عملت أنا هذا البيان، وعمله فهمى، فهمى سيأخذ امتياز).

وجاءت الأوامر بتحرك السرية كاملة، فى الأول من يونيه 1972، لتكون فى مواجهة حصن العدو عند الكيلو 19 ، لتصبح المسافة التى تفصلهم عن العدو 180 مترا (عرض قناة السويس)، ووجد فهمى فى الموقع الجديد برجاً لمراقبة العدو ، واستطاع أن يجعل فصيلته تكتسب الكثير من الشهرة فى الرماية، ولتحركاتها الكثيرة على الشاطىء الغربى للقناة، ومن خلال المراقبة الدائمة أصبح جنود الفصيلة، على معرفة تامة بتضاريس حصن العدو ، وكل المنطقة التى تحيط به، وفجأة استدعاه قائد اللواء، وركب معه السيارة وعلى شاطىء القناة ، قال له واجب العمليات الجديد بالنسبة لك هو الحصن الذى تراه فى الشرق، ثم قال العقيد مسلم (هذا الحصن هتكله أنت وعساكرك)، وقد اخترت فصيلتك لما تتميز بها من قوة وكفاءة، ثم سأله العقيد مسلم (مش خايف وأنت بتلعب مع العساكر كاراتيه وجرى) فقال له (الحمد لله كل الفصيلة يطلقون علىّ الوحش).

وكان فهمى حتى هذه اللحظة مصراً على الذهاب إلى الصاعقة، لكى يتعامل بشكل مباشر مع العدو، ولكن التكليف الجديد بمهمة مهاجمة النقطة الحصينة، جعلته يصرف نظر عن الذهاب إلى الصاعقة، ولم تتوقف ابتكارات فهمى على الأمور القتالية، ولكن انتقل إلى الأمور المعنوية، حيث كان معه بالفصيلة جندى اسمه عبدالعزيز يعمل فى كتابة السيناريو بالسينما، فقام بتكليفه بكتابة بعض الشعارات وبشكل يومى، لكى يتم إسماعها لقوات العدو، لهدم معنوياتهم، والانتقاص من قدرهم، وكان الجنود على الضفتين يعرفون أسماء بعضهم البعض، وفى أحد الأيام خرج أحد جنود العدو ومعه فتاة، وقام هذا الجندى بإخراج صدر البنت، ونادى على جندى مصرى اسمه طه قائلا (يا طه يا أرنب عندك من ده)، فقام طه بإطلاق الرصاص عليهما فقتلهما، فحدث الاشتباك بين القوتين على الضفتين، وبعد أن هدأت الأوضاع ، تحركت السرية إلى الموقع الدفاعى داخل مدينة بورسعيد (منطقة الفندق)، وخلال هذه الفترة جاء النقيب مجدى الروبى قائدا للسرية، بدلا من النقيب إبراهيم هيبة. الذى انتقل لموقع آخر، وذات يوم لم يكن بالسرية إلا محمد فهمى ومجدى بشاى، وقررا معا عمل بيان بالذخيرة الحية للدفاع عن المبنى، وتم عمل أشكال هيكلية، فى سيناريو لمواجهة العدو، وبعد ساعة من بداية البيان جاء قائد اللواء العقيد مسلم، وقال لهما (إيه اللى انتو هببتوه ده) ثم ضحك فشعرا بالاطمئنان، وحياهما ثم غادر الموقع، وتم تكثيف التدريب، وزيادة معدلات الرماية، وفاز محمد فهمى بكل بطولات الرماية، على مستوى السرية واللواء وكل الجيش ، وحصل على جائزة من وزير الدفاع، وتم اختيار فصيلة فهمى لدخول مسابقة (فصيلة المغامرة)، وهى من ابتكار رئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلى، والذى حدث بينه وبين الملازم فهمى موقف مهم وطريف.. حيث اصطحب العقيد مسلم الملازم فهمى معه لحضور بيان عمليات لكتيبة كاملة، بحضور الفريق الشاذلى، وكل المقاعد كانت من رتبة لواء إلى عقيد فقط، ولم يجد فهمى لنفسه مقعدا فوقف خلف المقاعد، وعلق الشاذلى على البيان ثم طلب الأسئلة، وكانت كل الأسئلة بسيطة، وأجاب عنها الفريق، وكل من يسأل يقدم نفسه، فرفع فهمى يده، وقدم نفسه ملازم محمد فهمى، فسأل الشاذلى بدهشة ملازم ؟ أنت مين؟ فرد من قطاع بورسعيد.. فسأل الشاذلى فين العقيد طلعت مسلم، فوقف مسلم، وسأل فهمى يا فندم (ليه فى الموجات الأولى من العبور منستخدمش المواتير) .. فرد الشاذلى وأنت مالك، فقال فهمى لأنى فى الموجة الأولى، والمواتير تختصر الوقت ، ومر هذا الموقف على خير.

أما فصيلة المغامرة .. فتم اختيار عدد قليل جدا من الفصائل، (خمس فصائل).. لتقوم كل منها بواجبات مدنية، حيث تسير لمدة ستين يوما متواصلة تتعامل مع المدنيين ، وتقدم لهم معلومات عن استعداد الجيش للحرب، وتحرك فهمى بفصيلته من بورسعيد إلى السلوم، ثم جنوبا إلى حدود السودان، ثم إلى حلايب وشلاتين، ثم شمالا حتى العودة إلى بورسعيد، وكان معه أمر كتابى من وزارة الدفاع بأن يأخذ احتياجاته من أى موقع فى الطريق،، وكان للفصيلة مهام عسكرية أيضا .. وتصادف وجود جندى اسمه فوزى من بلطيم .. يعمل مصورا، فطلب منه فهمى أن يقوم بتسجيل كل تفاصيل الرحلة طوال خط السير، وكانت هناك تدريبات دائمة طوال الطريق، وعند الدخول إلي القرى يتم مساعدة الفلاحين فى أعمالهم، ونجحت هذه الرحلة، وكان فهمى هو قائد الفصيلة الوحيد الذى قدم تقريرا ومعه صور، ففاز بالمركز الأول على الفصائل الخمس.. وحصل على جائزة مالية، وأصبح جنود هذه الفصيلة على درجة عالية من الثقة فى النفس، وامتلكوا قدرات فائقة، وكانت تعليمات فهمى لجنوده فى الرماية، الرمى طلقة طلقة، إما فى القلب أو الرأس.

فى أبريل 1973 وصل إلى السرية الملازم إسماعيل الزرقا الذى إنضم إلى الفصيلة الثانية مع فهمى، والملازم رؤوف حسنين الذى عمل مع مجدى ناشد، وأصبح بكل فصيلة إثنان من الضباط، وكان المخطط أن يقتحم فهمى النصف الأيمن للنقطة الحصينة والسيطرة عليه، ويقتحم مجدى ناشد النصف الأيسر والسيطرة عليه.

بعد عصر الخامس من أكتوبر 1973، تجمع ضباط السرية، بعد أن إنضم إليهم ضابط احتياط جديد هو سيد ثابت، وكان الجميع يستعد لإفطار رمضان، وقبل المغرب بنصف ساعة جاء اتصال إلى النقيب مجدى الروبى قائد السرية برفع درجة استعداد السرية، ثم جاء اتصال آخر بتأجيل رفع الاستعداد لما بعد الإفطار، وحدث هذا بالفعل، حيث قام كل ضابط بالتفتيش على فصيلته، وكانت المهمة التحرك سيراً على الأقدام إلي النقطة كيلو متر 19 جنوب بورسعيد، وأخذ الوضع الدفاعى، وسارت السرية حوالى 30 كيلو متر لتصل إلى الموقع،، وأثناء السير راح الجنود يغنون الأغانى الوطنية، وعند الوصول إلى الكيلو 19 انتبهت قوات العدو، فأضاءت الكشافات ليصبح الموقع وكأنه نهار.. ورفع العدو درجة استعداده، ولم يجد فهمى وزملائه أى أحد يسلم لهم الموقع، وبدأت عملية التلاسن بين الجنود على الجانبين، وتم تقسيم الوقت بين الضباط والجنود، من سينام ومن سيسهر للحراسة، وتم تشديد الحراسة فى اتجاه القناة، وفى العاشرة صباح السادس من أكتوبر جاء لقائد السرية ظرف مختوم بالشمع الأحمر، مع التشديد بألا يفتح إلا فى الثانية عشرة ظهرا، وفى الوقت تماما فتح مجدى الروبى الظرف وقرأ ما فيه، ثم أخرج علبة السجائر وأشعل واحدة، فقفز محمد عبدالمعطى وخطف السيجارة.. قائلا حرام إحنا فى رمضان، فمد الروبى يده بالظرف لكى يقرأ زملاؤه ما فيه، وإذا به أمر قتال ينفذ الساعة الثانية ظهر اليوم، من قائد الكتيبة عماد إبراهيم، فتحرك الضباط على الفور إلى فصائلهم لمراجعة الخطط النهائية للعبور، وتم الاتفاق على عدم إعلام الجنود إلا قبل المعركة بربع ساعة فقط خشية أى طوارىء ، وكان أمر القتال يؤكد على عبور وحدات المشاه بالقوارب فى الساعة الثانية وخمسة وأربعين دقيقة، بعد التمهيد المدفعى، وبعد طلعة الطيران الأولى.

وتم تكليف لوائى بورسعيد بمهاجمة عدة نقاط حصينة، على البحر فى بورفؤاد، وعند الكيلو 10 والكيلو 19 جنوب بورسعيد، وتم تكليف سرية مجدى الروبى بمهاجمة النقطة الحصينة عند الكيلو 19، وكانت معلومات الاستطلاع، قد أكدت أن خلف هذه النقطة (مدق) عرضه أربعة أمتار، داخل الملاحات، وعن يمين وشمال المدق الملاحات، وهناك مدق آخر يبعد عن الاخر، وكان سير الجنود داخل الملاحات أمر شديد الخطورة، كما أن المعلومات عن النقطة الحصينة أكدت أن من فيها سوف يطلقون النابالم على من يهاجمهم، أو يتحصنون داخلها حتى يتم إنقاذهم بضربات الطيران والمدفعية، مع الوضع فى الاعتبار أن هذه النقطة محاطة بالألغام المضادة للأفراد والمعدات وأسوار السلك، وكانت واجهة النقطة الحصينة مرتفعة بارتفاع ثلاثة أدوار، وتم تكليف محمد فهمى بمهاجمة الجانب الأيمن للنقطة الحصينة، على أن يهاجم مجدى ناشد بفصيلته الجانب الأيسر، ولكن شجاعة محمد فهمى والتى تصل إلي حد التهور أحيانا، جعلته يرسل الضابط إسماعيل الزرقا الساعة واحدة والنصف، إلى الضابط مجدى ناشد، ليبلغه بأن فهمى سوف يعبر مبكراً عن الموعد المحدد، وخطط فهمى أن يضع فصيلته فى عدة قوارب، القارب الأول للمهندسين العسكريين، لتفجير الألغام عن طريق (توربيد بنجلور)، ثم تطهير الأرض، لكى تدخل مجموعة السيطرة التى يقودها إسماعيل الزرقا، ثم مجموعة الاقتحام التى يقودها فهمى شخصيا.

وفى الساعة الثانية إلا عشرة دقائق، قال فهمى للجنود يا رجاله لو قلت لكم إن اليوم أزرق واحد، فرد عليه الجندى طه عزب يبقى يوم أزرق، ثم قال فهمى (مش هو ده اليوم اللى احنا منتظرينه)،، فقالوا أيوه يا أفندم، وأثناء هذا الحوار عبر الطيران المصرى من فوق رؤوسهم، فقال فهمى للجنود أزرق واحد نفذ، فقفز الجميع إلى القوارب ، وبدأت المدفعية المصرية تضرب النقطة الحصينة، عند الكيلو 19، وفهمى ورجاله فى منتصف القناة، وفجأة انعدمت الرؤية نتيجة كثافة الدخان والأتربة، وبدأ فهمى وجنوده يتعرفون على بعضهم بالصوت فقط، وكان اللواء الذى ينتمى إليه فهمى تنقصه بعض الأشياء مثل (جواكت العبور)، والتى يوضع فيها كل أدوات العبور، فقام باستبدالها بشدة ميدان، مثل حبال الغسيل، لوضع الخزن والقنابل واللاسلكى ، بحمولة 30 كيلو جرام، ولم يكن معهم أيضا جواكت السباحة، وقد بذل فهمى جهدا كبيرا حتى لا ينحرف قاربه، خاصة بعد أن انحرف قارب إسماعيل زرقا إلى اليمين، وعند وصول قارب فهمى إلى الشاطىء انقشع الدخان فجأة ، ليرى بوضوح النقطة الحصينة، فأمر الجنود بالقفز من القارب، ولحق به قارب فتحى بدير، وحاول الوصول إلى إسماعيل الزرقا، ولكنه رأى مدفع بوصة ونصف على قمة النقطة الحصينة، يطلق طلقات سريعة على قارب الزرقا، فتوقف ليستطلع الأمر، وكانت النقطة الحصينة بعرض 100 متر وعمق 50 مترا، ويقسم محمد فهمى أنه قد رأى فى سماء النقطة الحصينة امرأة جميلة تهتف (مصر .. مصر .. مصر) .. فطلب من جنوده التوقف على شاطىء القناة، وقرر أن يقتحم الحصن وحده، ومعه جندى واحد اسمه عطا يحمل رشاش خفيف ليحمى ظهره، وراح فهمى بشجاعة هى للتهور أقرب ، يدوس على السلك خطوة خطوة ، وكانت عين الله تحرسه، فلم ينفجر أى لغم ، وعندما أصبح أمام النقطة الحصينة، طلب من الجندى عطا أن يحمى ظهره، وأن يمنع جنودنا من التحرك إلا بأوامر منه شخصيا، ووجد أن النقطة الحصينة محاطة بخندق، فنزل إلى هذا الخندق، واستطاع مفاجأة أحد جنود العدو، ثم جندى آخر، فقتلهما، وراح يستهدف طاقم المدفع البوصة ونص ، وهم ثلاثة جنود، وفجأة ظهر خلفه أحد جنود العدو، ولكنه سرعة تلبيته جعلته يصيبه فى مقتل، وبعدها صعد فهمى على إحدى المجنزرات وقتل ثلاثة جنود بداخلها، فخرج له جندى من الشمال، فرمى عليه قنبلة م. د .. (علم بعد ذلك أن هذا الجندى هو حفيد جولدا مائير رئيسة وزراء العدو)، وراح البطل محمد فهمى يقفز بين جنبات النقطة الحصينة، حتى قتل 21 جنديا، ثم نادى على مجدى ناشد، فرد عليه أن أحد جنود العدو يرمى عليهم قنابل يدوية، وعلى الفور استطاع اصطياده بطلقة فى الرأس، ونادى مرة أخرى على مجدى ناشد، وطلب منه أن يصعد إلى النقطة الحصينة، وفى هذه الأثناء سمع النقيب مجدى الروبى قائد السرية، وهو يصرخ فى الجنود (سايبين الضابط فهمى وحده فاندفع كل الجنود وتمت السيطرة على النقطة الحصينة .. فجلس البطل محمد فهمى على حجر، وراح يتحدث إلى بندقيته قائلا لها (أصيلة)، وفوجىء بالعقيد مصطفى جودت العباسي.. الذى أصبح قائدا للواء ، بعد العقيد طلعت مسلم، فوجىء به يقف أمامه، فنزل إليه وقال تمام يا فندم تم السيطرة على الحصن، فأعطاه جهاز اللاسلكى، وقال له كلم أنور وإذا به أنور السادات رئيس الجمهورية، والذى سأله أنت محمد فهمى بتاع العباسية، فقال له نعم، فقال له السادات إيه الأخبار عندك، فرد فهمى أسهل من التدريب يا أفندم، وقال له أنا قتلت 22 جندى، فسأله السادات مين قالك عددهم، فرد عليه أنا قتلتهم ، فسأله السادات حتعمل إيه فى الجثث، فرد عليه هرميها فى القناة، فقال له لا تفعل ذلك إدفنها وضع علامات على مكان الدفن، وتم حصار النقطة الحصينة، والطلب من بقية جنود العدو تسليم أنفسهم فرفضوا، بل رموا قنبلة وبعض الطلقات فأصيب الضابط مجدى ناشد، فأطلق عليهم محمد فهمى قاذف اللهب فخرجوا جميعا، وكلهم يقولون (أنا طباخ يا سيدى).. وكان معهم ضابط من الموساد بالزى الرسمى، ودخل فهمى وجنوده إلي مطبخ النقطة الحصينة، يجدوا فيه ما لذ وطاب، فسهر مع جنوده واحدة من أجمل السهرات الرمضانية، على دشم حصن العدو فى الكيلو 19.

تم ترحيل الأسرى إلى قيادة اللواء، وفى صباح السابع من أكتوبر، بدأ فهمى وجنوده التحرك فى عمق سيناء، وطلب إرسال ألغام ودبابات، ووصل ضابط احتياط اسمه على العزبى، فاصطحبه معه لزرع الألغام المضادة للدبابات،، وراح يضع الأكمنة يمين وشمال الطريق، حتى يمنع تسلل جنود العدو.

استدعى قائد اللواء العقيد مصطفى العباسى، الملازم محمد فهمى وأخبره بوجود حصن آخر اسمه عمر، يبعد عن الحصن الأول بـ 1800 متر، وطلب إعداد خطة الهجوم عليه، واستطلاع الموقع بصحبة ضابط استطلاع الكتيبة، مع التأكيد (استطلاع صامت يا محمد من غير ولا طلقة)، وكشف الاستطلاع عن وجود مدفع هاون فى مقدمة الحصن، مع عربة نصف جنزير، وبعض الأكمنة وفجأة قرر البطل محمد فهمى القيام بأسر طاقم مدفع الهاون، والعربة نصف جنزير، وقال لضابط الاستطلاع، لن أقوم بعملية استطلاع صامت، فرفض وعاد ليخبر قائد اللواء، وسار فهمى مع بعض جنوده، واستطاع قتل خمسة جنود هم طاقم مدفع الهاون، وطاقم العربة نصف جنزير.

أصدر مجلس الأمن قرار وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر 1973، فأرسلت القيادة إلي محمد فهمى بعض الأعلام المصرية، لزرعها عند آخر منطقة سيطرت عليها قواتنا، حتى تراها قوة السلام الدولية عند زيارتها للمنطقة، على أن يتم تربيط الأعلام فى زوايا حديد، وقرر فهمى السيطرة على مزيد من الأرض، فسار حتى أصبح على بعد 800 متر فقط من حصن عمر ورفع الأعلام المصرية، فقامت قوات العدو باستهداف الأعلام بطلقات دبابة، ليقع أحد الأعلام، ويظل الآخر صامدا، كما قام قناصة العدو باستهداف فهمى وجنوده، وكانت طلقاتهم تغوص فى طين الملاحات، وفوجىء فهمى بإصابته فى ظهره، ليقع فى حالة إغماء، ويتم نقله إلى مستشفى بورسعيد ، وزاره قائد اللواء وقال له ضاحكا (مش هتبطل جنان بتوع العباسية) وصمم فهمى على ترك المستشفى وهو بالجلابية، ليعود مرة أخرى إلي الجبهة.. وأثناء هذه المغامرة البطولية، التى خاضها البطل محمد فهمى لم يفقد من جنوده إلا الجندى تواضرس الذى استشهد غرقا والرقيب فتحى بدير الذى استشهد برصاصة فى الرأس.

وبعد توقف القتال أصبح محمد فهمى ورجاله هدفا لزيارة كبار المسئولين، فزارهم الفريق محمد عبدالغنى الجمسى، الذى أصبح رئيسا لأركان القوات المسلحة، ثم زارتهم السيدة جيهان السادات، وأخيرا زارهم الرئيس السادات، وطلب أن يرى محمد فهمى، وقال فى هذا اللقاء إن سرعة السيطرة على النقطة الحصينة عند الكيلو 19، رفعت معنويات الجيش كله، وراح يسأل محمد فهمى أكثر من مرة (عاوز إيه يا ابنى) ،، وفهمى يجيب (لا شىء يا فندم) فقال السادات انقلوه إلى الحرس الجمهورى.

وبعد الحرب حصل اللواء 30 على وسام الامتياز، وحصل الملازم محمد فهمى على نوط الشجاعة، وكانت معجزة أن يحصل اللواء 30 على وسام الامتياز، ضمن عدد قليل من ألوية الجيش، بعد أن كان يطلق عليه (لواء جلابيب)، لأن الكثير من جنوده كانوا مستدعين من الاحتياط، ولكن بطولات فهمى ورفاقه جعلت هذا اللواء فى المقدمة، وما فعله محمد فهمى فى السيطرة على حصن الكيلو 19، جعله الأسرع فى كل التاريخ العسكرى، وفى السيطرة على حصن (أقل من عشرين دقيقة) وكانت ترتيبات خطة حرب أكتوبر.. تعتمد على ضرب الطيران ، ثم ضربة المدفعية على ثلاثة أو أربعة مراحل، أولها ضرب الحصون الموجودة على شاطىء القناة، ثم ضرب الاحتياطات التى بعدها، ثم ضرب مراكز القيادة، ثم ضرب الحصون مرة أخرى، وبعد كل هذا يبدأ عبور المشاه، ولكن محمد فهمى بادر بالعبور بمجرد رؤية الطيران وهو يتجه إلى سيناء، ليصعد الساتر الترابى، ويتجه مباشرة إلى الحصن، وهو ملجأ تحت الأرض، بعمق 15 مترا من قضبان الحديد وشكاير الرمل، ثم الخنادق، وبينها أنفاق، وهذه الحصون معدة لكى يتحصن فيها الجنود عند الهجوم عليها، ولا تتأثر بضرب الطيران أو المدفعية، وكانت الخطورة أنه يسير وخلفه الجندى عطا وسط حقل الألغام، ولكن عين الله كانت تحرسه، فلم ينفجر أى لغم، وبعد السيطرة على الحصن، عمل فهمى على إنشاء (مدق) خاص به شخصيا، وفى إحدى إجازاته حاول صف ضابط أن يسير فى هذا المدق، فانفجر فيه لغم وأطاح بإحدى ساقيه، وبعد السيطرة على الحصن تم حصر قتلى العدو.. وهم 22 قتلهم فهمى ظهر يوم السادس من أكتوبر وفى اليوم التالى السابع من أكتوبر، تم اكتشاف جندى متفحم من مدفع اللهب، كما وجد ثلاثة قتلى فى العمق بعد الحصن، وقد استسلم باقى جنود الحصن.

عمل البطل محمد فهمى فى الحرس الجمهورى .. ثم انتقل إلى المخابرات الحربية، حتى ترك الخدمة النظامية بالقوات المسلحة وهو فى رتبة العقيد .. وذلك فى عام 1992، ولكن علاقته لم تنقطع عن العمل فى خدمة الدولة المصرية، حيث تم تكليفه بالعديد من المهمات الخاصة خارج مصر.

وقد تميز البطل محمد فهمى بقدراته الفائقة فى مجال الرماية، مما أهله ليكون أحد الرماة البارزين فى منتخب مصر للرماية، ولم يكتف بهذا التميز العملى فى هذا المجال المهم، ولكنه قدم للمكتبة العربية ثلاث مؤلفات مهمة عن الرماية، وهى (الرماية الدولية بالبندقية – التدريب الراقى للرماية بالأسلحة الصغيرة – الرماية فى العالم العربى من وجهة النظر الفنية).

وفى عام 2007 سافر إلى الإمارات ليشرف على إنشاء منتجع العين للرياضات، حيث أنشأ أكبر ساحة رماية فى الوطن العربى بكل أنواعها وأشكالها.

وبعد كل هذه العطاءات أصر البطل محمد فهمى على مدى نصف قرن.. أن يعيش داخل شرنقة ذاته، رافضا الطنطنة أو المتاجرة بما قدمه من بطولات لوجه الله والوطن.