Close ad
السبت 2 ديسمبر 2023

«اغتصاب الذاكرة».. عندما يكون الوعي سلاحا

مقالات19-11-2023 | 11:58

كثيرة هي الكتب التي نقرأها، وكثيرون هم الكُتَّاب الذين يكتبون، القليل من هذا وذاك من يترك فيك أثراً، فيحرك فيك ما كان ساكناً أو يبعث فيك ما كان خامداً. وليس كافياً أن يحمل الكاتب قلماً ليكون كاتباً بحق، كما لا يكفي أن يكون الكتاب حبراً على ورق وكلمات كالكلمات. الكتاب الحق هو الذي يستوقفك، يشد أذنك، يهزك، وينبهك ويستنهضك، ولن يأتي هذا إلا من كاتب واعٍ صاحب فكر مستنير، وعقلية ناقدة، وروح باحث موضوعية، وفوق هذا وذاك صاحب رسالة. وكتاب "اغتصاب الذاكرة .. الاستراتيجيات الإسرائيلية لتهويد التاريخ" من هذه النوعية من الكتب ولكاتب من هذه النوعية من الكُتَّاب.

الكتاب للكاتب الصحفي "إيهاب الحضري"، صاحب قلم متميز وفكر واع مستنير، وعقلية نقدية، ومصافٍ ذهنية، ويجمع أسلوبه بين السهولة والبساطة، وإعمال العقل والمنطق، يتناول في أغلب كتاباته الهم القومي والقضايا القومية والوطنية والإنسانية. هذا ما تنبىء عنه مؤلفاته، ومنها: "هدير الحجر.. التفاصيل السرية لمعركة انقاذ الآثار"، و"فراعنة مزيفون .. وملوك منهوبون" و "حكايات المآذن .. التاريخ السري للحجارة".

وكتاب " اغتصاب الذاكرة .. الاستراتيجيات الإسرائيلية لتهويد التاريخ" " الصادر عن دار الفؤاد للنشر والتوزيع، وتم تدشين الطبعة الثالثة منه، من عنوانه الملفت المثير للانتباه، يتناول قضية من أخطر القضايا؛ لأنها تمس الهوية والوجود، وهي قضية الأمس واليوم والغد، ونعني بها قضية صراع الوجود في منطقتنا العربية.

والكتاب يحصر في جزئه التوثيقي الأول العديد من عمليات تزييف التاريخ، وسرقات الآثار، ومحاولات تهويد تاريخ المنطقة، التي قام بها الكيان الصهيوني، في محاولة لإثبات لخلق وجود تاريخي وحضاري لليهود في عدد من البلدان العربية، كما في: فلسطين، مصر، العراق، وسوريا، لبنان، واليمن، وعمليات التدمير والتشويه المتعمد للكثير من الآثار التي تعارض ما جاء من أحداث أوردتها التوراة، إضافة إلى عمليات الاكتشافات المزعومة، أو التفسير الأيدلوجي للآثار، والتعامل مع التاريخ بهوائية منحرفة لا بمنهجية علمية موضعية تخاطب العقل ويقبلها المنطق.

وفي الجزء الثاني من الكتاب، والذي يتضمن الفصول الثلاثة الأخيرة، توصل الكاتب من خلال التحليل المنطقي الهادئ القائم على مبررات عقلية ودلائل مادية مقبولة إلى أنه لا يمكن الاعتماد على التوراة كمرجع تاريخي، وأن الوجود التاريخي لا يرتبط بالإسهام الحضاري، وأن بني إسرائيل لم يكونوا مؤثّرين في البلدان التي عاشوا فيها، وإن ثقافتهم، بل ومعتقداتهم ونصوصهم الدينية، تأثرت بالحضارات التي عاشوا فيها، وأهمها الحضارة المصرية والفينيقية والبابلية. كما كشف الكتاب عن زيف ما تروج له الصهيونية العالمية عن "الديانة المُغلقة" و"العرق النقي"، ليؤكد أن يهود عصرنا، أو الصهاينة، ليسوا امتداداً طبيعيا للعبرانيين أو بني إسرائيل القدامى، بل قاموا بتزييف شجرة العائلة، بهدف الزعم بأنهم الورثة الشرعيون لهم.

ويلقي الكتاب الضوء على مجموعة من الحقائق التي توصل إليها الكاتب من خلال دراسة بحثية دؤوبة، وكانت في صورة استنتاجات منطقية، منها: أن المحاور الثلاث: التاريخ والدين والجغرافيا تمثل أساسيات الهوية لأي مجتمع من المجتمعات، وأن صراعنا الحقيقي مع الكيان الصهيوني هو حول هذه الثوابت الثلاث.

ويروح الكتاب ويجي بين التاريخ، والآثار، والقصة وكيفية توظيفها في العهد القديم وفي القرآن، باعتبارها محاور قريبة الصلة بقضية الكتاب. والمعروف أن التاريخ يعني كتابة قصة الإنسان في زمن ما ومكان ما، وأن الآثار هي الدليل المادي على ما يذكره التاريخ، وفي حين كانت القصة في العهد القديم مادة تأريخية، كانت القصة في القرآن وسيلة تذكيرية للعبرة والعظة .. وشتان بين التوظيفين أو الغرضين.

ولعل من أهم استنتاجات الكتاب المنطقية أن العهد القديم مع تركيزه على التاريخ فإن الأدلة الأثرية تؤكد أنه لا يمكن الاعتماد عليه كمصدر للتاريخ الصحيح أو التاريخ الكامل، ولعل من مبررات هذا تكمن في أن كتابة التوراة أو تدوينها لم يتم إلا في القرن التاسع قبل الميلاد أي بعد قرون من نزولها، وإن طول الفترة بين النزول والتدوين جعل دور المدونين يتزايد لتنحرف الأحداث عن مساراتها التي حدثت فترتدي حيناً ثوباً فضفاضاً وتكتسي طبيعة أسطورية، وحينا آخر ثوباً قصيراً يقصر دون نقل الحقيقة كما هي وفي أحيان ثالثة ثوباً غير ثوبها.

كما أن التوراة حملت في طياتها تأثيرات لثقافات مختلفة أهما المصرية والفينيقية والبابلية، واكتست بحكمة وثقافة شعوب أخرى لعل أهمها الحكمة والثقافة المصرية القديمة التي نقلت حرفياً، في معناها ومبناها، إلى العهد القديم وخاصة في بعض المزامير المأخوذة نصاً وترتيباً من أناشيد اخناتون كما تناولها عالم الآثار الأمريكي "جيمس هنري بريستد" في كتابة الشهير "فجر الضمير ". ولا ننسى أن موسى حمل اسماً مصرياً، ونشأ في قصر الفرعون وتعلَّم علم المصريين وتأدَّب بأدبهم، وهو ما جعل البعض يقول بأن التوراة هيروغليفية وليست عبرية ويشكك فيما جاء فيها.

هذا بخلاف الأخطاء في التدوين، التي تدحضها الدلائل الأثرية، ومنها أمثلة عديدة أوردها الكتاب مثل سقوط أريحا بالكيفية التي أوردتها التوراة في نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد لسبب بسيط هو أن المدينة دمرت قبلها بقرون.  إضافة إلى التناقض في بعض نصوصها كما هو الحال في التناقض الواضح في نص النشأة في سفر "يشوع" وسفر القضاة. وهو الذي تناولها الكتاب عندن التعرض للنشأة أو قدوم بني اسرائيل إلى فلسطين غزواً أو في صورة هجرة سلمية، ولعل من الأمثلة الواضحة للتناقض في العهد القديم أعداد الخارجين من بني اسرائيل من مصر حيث يذكر سفر الخروج (12: 37) أنها " نحو ست مئة ألف ماش من الرجال عدا الأولاد" ويذكر سفر العدد في موضعين (1: 46 و 2: 32) أنها " ست مئة الف وثلاثة آلاف وخمس مئة وخمسين". هذا إضافة إلى المبالغة والتضخيم غير المنطقي، فكيف نمي الشعب من 70   نفساً الي هذا الرقم الضخم رغم اضطهاد فرعون وتسخيره لهم ليصل عددهم وهم "شرذمة قليلون" خلال 210 سنة إلى  600,000.

ويضاف إلى جميع ما سبق من أدلة على أنه لا يمكن الاعتماد على التوراة كمصدر موثوق به عند التعامل مع التاريخ، الافتقار إلى الدقة في التوصيف، أو المصطلح، كما في مصطلح فرعون الذي ورد للدلالة أو التعميم كلقب لجميع حكام مصر على الإطلاق حين أنه لم يستخدم في مصر إلا في عصر الدولة الحديثة.  وغيرها الكثير من الأدلة التي لا تجعل منها دليلاً ومصدراً تاريخياً يمكن التعويل عليه أو الوثوق به، فالتشكيك في البعض يجعل الشك يمتد للكل.

ويكشف الكتاب "إن وجود شعب لا يعني بالضرورة وجود أو نشوء حضارة له" وهذا صحيح، وإذا سلمنا فرضاً بما قاله ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق: "لا أوافق على أن للكلب في المذود (الحظيرة) الحق النهائي في المذود مع أنه قد يكون مكث هناك" فإن هذا يعني أيضاً أننا لا نوافق على أن للخنزير في مكان ما الحق النهائي في امتلاكه لهذا المكان، أو ادعاء وجود حضارة له فيه.

هذا الكتاب يؤكد أن مسحاة الأثاري لا تقل أهمية عن سلاح الجندي، وأن الوعي سلاح والتوعية جهاد. وأننا يجب أن نعتني بالدراسات المتعلقة بكشف التزوير أو التزييف عنايتنا بالحفائر الأثرية والكشف الأثري، والحفاظ على الآثار، لأننا نحافظ بذلك عن هويتنا ونزود عنها ونواجه من يريد أن ينال منها ويشوهها.