الأربعاء 19 يونيو 2024

علي بن تميم: ارتفاع عدد الناطقين بالعربية إلى 700 مليون خلال الـ20 سنة المقبلة (حوار)

الدكتور علي بن تميم

تحقيقات21-11-2023 | 14:52

الامارات/ مي عبدالهادي

يعد الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية من الشخصيات الثقافية المرموقة، كما أنه يبذل جهودا كبيرة للنهوض باللغة العربية وتطويرها بما يواكب متطلبات العصر والمحافظة في الوقت ذاته على مكانتها بين اللغات الرائدة، وتوسيع مساهمتها في القطاعات العلمية والتعليمية والثقافية والإبداعية.

وأجرت بوابة دار الهلال، حوارا مع الدكتور علي بن تميم للتعرف على تلك الجهود، وإلى نص الحوار..

ما هي استراتيجية مركز أبوظبي للغة العربية؟

أنشئ مركز أبوظبي للغة العربية منذ 4 سنوات، وضم مشاريع ثقافية جوهرية منها جائزة الشيخ زايد، ومعرض أبوظبي الدولي للكتاب، بالإضافة إلى مشروع "كلمة" للترجمة. واستند المركز منذ نشأته على رؤية بعيدة المدى تنطلق من أن اللغة العربية هي لغة علم ولغة جمال ولغة إبداع ولغة آداب وتاريخ.. وتأكيداً على هذه المعاني أطلقنا مجموعة من المبادرات تعزز هذا التوجه. نهتم أيضاً باللهجات العربية.

لأننا نؤمن بأنه لا توجد علاقة تنافر بين اللغة العربية واللهجات العربية المعاصرة وخاصة اللهجة الإماراتية، وأن الثنائيات الضدية التي ظهرت بين هذه اللهجات فيها مغالطات.. لأن اللهجة تعزز ما في اللغة الفصيحة التي تفسر ما في اللهجة، فالعلاقة بينهما علاقة تكامل وعلاقة تعاضد وعلاقة مبنية على أواصر متينة.. صحيح أن هناك بعض هذه اللهجات أكثر أصالة من الأخرى أو أكثر التصاقا باللغة من الأخرى لكن في المجمل العام فإن هذه اللهجات تؤكد البعد الحيوي للغة العربية وتطورها.. أيضاً نحن نعمل على ضرورة دمج اللغة العربية بالتكنولوجيا المتطورة عن طريق المعاجم الرقمية والفاعليات المبتكرة للغة العربية التي توجه لكل الناس ولا تقتصر فقط على الأكاديميين

يلتزم مركز أبوظبي للغة العربية بدعم الفعاليات الثقافية بدولة الإمارات التي تعزز مفاهيم الابتكار والتجديد في آليات نشر الثقافة والتحفيز على القراءة. وفي هذا الصدد أطلق المركز برنامج "قلم" للكتابة الإبداعية المعني بتقديم ورش عمل متخصصة للموهوبين الإماراتيين لبناء قدراتهم الكتابية وتشجيع الكُتّاب الجدد على نشر أعمالهم الإبداعية.

ويقدم البرنامج مجموعة من ورش العمل المتخصصة على مدار العام تحت إشراف أساتذة مرموقين يشرفون على مختبر إبداعي يمكّن المشاركين من تحسين قدراتهم الكتابية في مجالات إبداعية مختلفة، وقد سبق لمشروع قلم نشر أكثر من 42 مؤلفاً إبداعياً لأجيال مختلفة من الكُتّاب الإماراتيين.

ينظم المركز أيضاً برنامجا متكاملا من الفعاليات والمبادرات التي تعزّز تلك التوجّهات وتحقق تطلعاته الاستراتيجية لنقل صورة مشرفة تليق بمكانة دولة الإمارات وإمارة أبوظبي بشكل خاص، كحاضنة لأهم الفعاليات الثقافية التي تهتم ببناء الإنسان وتنمية الإبداع والمعرفة والثقافة. كما يحرص المركز على ترسيخ تواجده في المحافل والمعارض الدولية للترويج لإصداراته المختلفة والوصول لأكبر شريحة ممكنة من القرّاء عبر إتاحة كتبه وإصداراته للجمهور.

ومن أبرز هذه المبادرات والفعاليات: معرض أبوظبي الدولي للكتاب وجائزة الشيخ زايد للكتاب ومهرجان العين للكتاب الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى عام 2000.. ومهرجان الظفرة للكتاب الذي انطلق في عام 2018.. إلى جانب المؤتمر الدولي للنشر العربي والصناعات الإبداعية وهو الأول من نوعه في المنطقة العربية الذي يهدف إلى تأسيس منصة للتواصل الفكري والمهني لرواد صناعة النشر والمحتوى الإبداعي على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

وفي مجال تطوير اللغة، أطلق مركز أبوظبي للغة العربية مشروع "مجلّة المركز"، أحد أهم المشروعات لديه، ويتماشى مع استراتيجياته لتجديد الخطاب مع اللغة من خلال نشر دراسات وبحوث عن قضاياها الأدبيّة والثقافيّة والفنّيّة بالتعاون مع مؤسسة بريل العالمية. وتُصدِر المجلّة عددينِ في السنة في كلٍّ منهما 6-8 أبحاث و4-6 مراجعات لكتب. وتضم الهيئة الاستشارية للمشروع مجموعة من القامات الثقافية والمتخصصين من أنحاء العالم.

ويحرص المركز على إبقاء اللغة العربية المكون الأصيل للثقافة، حاضرة في تفاصيل حياة جميع أفراد المجتمع من خلال مبادراته التكنولوجية المتطورة، وتوظّيفها لتعزيز مكانة وحضور لغة الضاد وتحسين مهارات استخدامها وترسيخ أساساتها لدى الجميع لجعلها لغة يومية وتتضاعف حصيلة المفردات لدى الناطقين بها وتفتح الباب أمام الناطقين بغيرها للتعرّف على كنوزها وجمالياتها

وفي سياق الترويج للغة العربية من خلال التقنيات الحديثة، أيضا قدّم المركز مبادرات عدة من أبرزها منصات الشعر الرقمية وفي مقدمتها منصة "الموسوعة الشعرية"، أحد أهم المشاريع الثقافية الرامية إلى تعزيز المشهد الثقافي في أبوظبي، وتسعى إلى البحث في التراث العريق للثقافة العربية، وتسجيله وتوثيقه، وإصداره مجدداً في صورة حديثة بوصفه إرثاً مستداماً للأجيال مستقبلا.

هناك أيضاً مشروع "نتكلم العربية" الذي يقدم سلسلة من مقاطع الفيديو المخصصة لتعليم المحادثة باللغة العربية للناطقين بغيرها، من جميع الأعمار والجنسيات، من خلال سرد قصة بين فتاة غير عربية تدعى روز وصديقها الإماراتي سعود. إلى جانب تقديم مسابقة أصدقاء اللغة العربية السنوية للناطقين وغير الناطقين بها، وتتكون المسابقة من مقاطع فيديو قصيرة تناقش موضوعات تعكس مجموعة من التجارب المختلفة باستخدام اللغة العربية.

هناك أيضا مشروع التعليم الترفيهي الرقمي، وهو موجه للشباب ويشمل مسلسلات بحلقات مختصرة سيتم بثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأسلوب شبابي حديث يتطرق إلى عدد من الموضوعات الشيقة في اللغة العربية من تراث وثقافة ولغويات ولهجات.

كما أطلق مركز أبوظبي للغة العربية برنامج المنح البحثية تحت عنوان "سلسلة بصائر"، الذي حقق نجاحا لافتا منذ انطلاقته عام 2021 حيث يمثل حافزا مهما للباحثين في مجال اللغة العربية، ويعكس الحرص الشديد على الارتقاء بالبحث العلمي في اللغة العربية وحقولها المعرفية ويعزز مكانة أبوظبي الثقافية ودورها الرائد في دعم اللغة العربية وتعزيز حضورها

وقدم المركز 6 منح بحثية في العام 2021 و8 منح في العام 2022 توزعت على باحثين من مختلف الدول العربية. فيما تضمن الإعلان عن المنح شروطا عدة أهمها ألا يقل البحث عن 50 ألف كلمة وأن يكون البحث ذا صلة بأحد الحقول التالية: (المعجم العربي، الدراسات اللغوية، الأدب والنقد، مناهج تدريس العربية للناطقين بها وبغيرها، تحقيق المخطوطات)، وأن يتسم البحث بالجدية والمعايير الأكاديمية، وأن يكون منسجماً مع استراتيجية المركز وتوجهاته، وألا يكون منشوراً، أو مقدّماً لأي جهة أخرى.. وهي الأمور التي تخدم استراتيجية مركز أبوظبي للغة العربية.

 

ما أهم المشاريع الرقمية لمركز أبوظبي للغة العربية؟

 

نعمل على عدة مشاريع رقمية، فهناك الكتاب الصوتي على سبيل المثال، والكتاب الرقمي، وهناك الترويج للغة ومفاهيمها ومعانيها من خلال منصات التواصل الاجتماعي، هناك أيضاً موسوعة الشعر العربي التي تحتوي على أكثر من مليوني بيت شعري وهي بالكامل رقمية وإذا تحدثنا عن مختبر الشعر فإننا نتحدث عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الشعر وهذه بادرة فريدة لأن المختبر الشعري هو مبادرة تعطيك القدرة على تشكيل الشعر وعلى ابتكار القوافي ووزن الشعر على البحور العربية القديمة وقد خطونا خطوات متقدمة في هذا الجانب.

بالإضافة إلى مشروع بارق الذي وقعنا اتفاقية بخصوصه مع جامعة نيويورك في أبوظبي، وهو مشروع كبير ونوعي لأنه يحاول أن يبني مدونة من المعلومات والنصوص بحيث تعرفك على أكثر المفردات تداولا ومقروئية وأكثر نصوص مقروئية وأكثر الكلمات استعمالا في النص. وهو ما يمكننا من أن نصنع معاجم موجهة، فنعرف المفردات التي يحتاجها الطفل في هذا العمر أو في هذا الصف وهذه المرحلة.. ما هي المفردات التي ينبغي أن يتعلمها في هذا السن، وهو أمر موجود لكنه لم يبن على استقراء كامل من خلال مدونة معلوماتية ضخمة جدا، حيث تقودنا من خلال بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي لتنفيذ العديد من المشروعات الثقافية، وسيساعد المبدعين على استخدام بعض المفردات وتجنب المفردات الأخرى.. وهذا لن يتحقق في الواقع إذا لم نتعرف على واقع المعجمية العربية في أذهان الشباب والجيل الجديد.

 

ماذا يميز اللغة العربية من وجهة نظرك؟

اللغة العربية يميزها بلا شك تاريخها الطويل فهي من أقدم لغات العالم.. إذا لم تكن هي الأقدم والأكبر من بين كل اللغات السامية، وهي تتميز بمعجمها الفريد وتراثها الحضاري الكبير وقد استمرت رغم تراجع الكثير من اللغات التي ظهرت في نفس الفترة التي ظهرت فيها اللغة العربية.. وظلت هذه اللغة محافظة على قواعدها وغير محدودة حسب الهيئات الدولية وتحديدا اليونسكو.

طبعا اللغة العربية  كما لغة تواصل وعلم وأدب فهي لغة دين في الوقت نفسه.. لها بعد ديني كبير، ليس لأن الله أنزل بها القرآن فقط ولكن لأنها حافظت على الكثير من النصوص المسيحية واليهودية أيضا. أرى أن مستقبل اللغة العربية مشرق وقوي بلا شك.. حيث تتوقع الدراسات بأن خلال العشرين سنة المقبلة سيكون هناك أزيد من 700 مليون ناطق باللغة العربية.

ونحن في مركز أبوظبي للغة العربية آثرنا أن نتميز عن بقية مجامع اللغة العربية التي تهتم عادة بالبعد التشريعي للغة وتعريب المعاجم.. لذا فإن استراتيجيتنا تركز أكثر على الممارسة وأن تكون موجودة وفاعلة ومتطورة، ونريد أن نحول اللغة إلى واقع حاضر من خلال ممارسات وفاعليات نوعية تعزز القراءة وتدعم الكتاب وتركز على غير الناطقين بها لتعليمهم وتقدم امتحانات قياس القدرات مثل امتحان "سمة"، وتقدم المنح للتأليف ولتحقيق النصوص والمخطوطات القديمة وتقدم المنح لتطوير التكنولوجيا الخاصة باللغة. كما أطلقنا الجوائز المحفزة كمثل جائزة الشيخ زايد للكتاب وجائزة كنز الجيل وجائزة سرد الذهب، وكل هذه الجوائز تخدم اللغة العربية

حدثنا عن بروتوكولات التعاون بين مركز أبوظبي للغة العربية والمؤسسات والهيئات الثقافية والأدبية الدولية

نخن نعتز اعتزازا كبيرا بالتعاون مع مؤسسات مرموقة مثل الهيئة المصرية العامة للكتاب.. ومعهد العالم العربي وغيرهما لأنها مؤسسات عريقة لها تاريخ كبير حافل وخدمت الكتاب وقطاع القراء وقطاع التأليف بشكل كبير وقدمت أنشطة عربية مبتكرة، ومعاً نستطيع أن نقدم الكثير للغة العربية.

فمعهد العالم العربي، على سبيل المثل، تعاونا معه في مجال اللغة العربية عبر تقديم العديد من الأنشطة والفاعليات وأسفر هذا التعاون عن إقامة فاعليات مميزة مثل المعارض الفنية تحديدا والخاصة باللغة العربية مثل الخط العربي، كما نتشارك في تقديم امتحان سمة وهو وهي أول امتحان لقياس كفاءة الأفراد باللغة العربية الحديثة، وتُمنح لهم شهادة بعد الخضوع لاختبار علمي لتقييم كفاءتهم في الفهم والتعبير باللغة العربية.  ويستهدف امتحان "سمة" الراغبين في قياس كفاءتهم اللغوية، سواء للتقدّم لوظيفة أو للدراسة أو لمجرد معرفة مستواهم في اللغة العربية. هذا التعاون فريد من نوعه خاصة أن التجربة الفرنسية في معهد العالم العربي تعتمد على قدرات وخبرات عربية وغير عربية في فرنسا التي تضم ملايين من العرب، ومن المهم ألا يتعلموا بطرق عشوائية وغير علمية وغير منهجية أو بطرق تقليدية. وهذا دور مهم يقوم به المهم، الذي يحرص على تقديم اللغة العربية كلغة علم ولغة تسامح ولغة محبة وتاريخ اللغة العربية يشهد بذلك، إذ كانت منذ نشأتها اللغة التي حافظت على أصوات الأقليات وأصوات المهمشين وأصوات الأديان الأخرى مثل المسيحية واليهودية والمجوسية، بالإضافة للفئات المهمشة حين ذاك مثل السود والجواري والصابئة.. وكل هذه الأصوات نجدها في هذه اللغة منذ ما قبل الاسلام حتى يومنا هذا، وهو ما مكنها من تكون عصية على أن تكون ذات توجه أحادي.. فهي لغة واسعة ومتنوعة تقوم على التعدد والتنوع إذن التعاون مع المعهد العالمي العربي في وجهة نظري في غاية الأهمية، ونحن نسعد بالتعاون معه ونرغب في تطوير ذلك التعاون بشكل أكبر.

الهيئة العامة للكتاب أيضا، مؤسسة ثقافية مهمة ولها تاريخ كبير وقد استفدنا من تبادل الخبرات بين معرض أبوظبي الدولي للكتاب ومعرض القاهرة الدولي للكتاب ونفذنا معهم مجموعة من الأنشطة ونحرص على أن يكون معرض القاهرة الدولي للكتاب كما هو منصة نوعية للثقافة وتعزيز اللغة العربية والترويج للترجمة ودعم الترجمة. والهيئة المصرية العامة للكتاب تقدم لنا كل الدعم بأن تتيح لنا أن نسهم معها في أنشطة معرض القاهرة الدولي للكتاب كما أنها لا تتوانى أبدا من المشاركة في معرض أبوظبي الدولي للكتاب وتقديم الأنشطة النوعية.

 

ما أهم مميزات مهرجان العين للكتاب هذا العام؟

أي مبادرة ثقافية ناجحة ينبغي أن تعتمد على مفاهيم الاستدامة، أقصد أن هناك عناصر ثابتة في كل دورة وهناك عناصر أخرى تقوم على التنوع والتغير، وهذا التغيير وهذه الإضافة ينبغي أن تكون مدروسة وتجعل حركة القراءة والكتاب في مشهد مهرجاني احتفالي بحيث يسهل تحقيق وصول الكتاب إلى القراء، وكل هذا لن يتحقق بدون دعم حقوق الملكية الفكرية.

ونسعى دوما للجمع بين بقية الفنون المساندة للغة العربية، أقصد فن الترجمة وفن الشعر.. وفن الرواية.. فن التشكيل الفني.. الخط العربي.. الموسيقى.. والغناء، ولا ينبغي إهمال قطاع واحد من هذه القطاعات، لأن حركة اللغة هي حركة اجتماعية وتاريخية وتكنولوجية، فينبغي أن يكون هذا التكامل واضحا ومبنيا على معطيات واضحة تنطلق وتنبثق منه وعلى هذا الأساس ينبغي أن تتضافر الجهود، خاصة من خلال دور النشر العربية والتي تتبنى أحدث التطورات في حقل الكتاب وأيضا ينبغي أن تكون هناك مسارات متعددة لدعم حقوق الملكية الفكرية ودعم حركة الترجمة.. وتقريب وتعزيز التفاهم وردم الفجوات بين الناشر العربي والناشر الاجنبي من أجل نقل الكتاب العربي للغات الأخرى. فاللغة العرية تعزز وتقوى ليس فقط من خلال الممارسة، وليس من خلال الاقتصاد وهو بلا شك مهم، ولكن أيضا من خلال التفاعل مع اللغات الأخرى، وأتصور أن حركة الترجمة هي واحدة من أهم الأمور التي يمكن أن تعزز قوة اللغة وتطور مفرداتها وأساليبها وهذا لا يكون بدون دعم الناشرين العرب.

أما في مهرجان العين على سبيل المثال فنحن نركز أكثر على السياق المحلي وعلى دعم الناشرين الإماراتيين، وهذا الدعم يقوم بحملات القراءة والتشجيع على القراءة. وربط مهرجان العين للكتاب بالمدارس وبالطلبة يزيد من حجم تداول الكتاب، كما أن المبادرات والفاعليات التي تتضافر فيها الأغنية والفنون التشكيلية والمواهب تساهم في إبراز هذا المهرجان. نحن نسعى لتحويل الثقافة والكتاب إلى ظاهرة اجتماعية ومهرجانية واحتفالية والهدف في كل ذلك وصول المحتوى الجيد للقراء

 

كيف نعالج فوضى النشر والاعتداء على الحقوق؟

 

هنا في الإمارات، وحين أذهب لمصر أو المملكة العربية السعودية، أرى أن هناك خطوات ريادية اتخذت في اتجاه حماية حقوق الملكية ودعم هذه الحقوق، وعدم التسامح مع من ينتهك حقوق الملكية الفكرية، بل أكثر من ذلك، إذ أطلقت هذه الدول المنح لدعم حقوق الملكية الفكرية والقضاء على القراصنة.. وفي دولة الإمارات بدأ هذا الجهد منذ أزيد من عقدين من الزمان وحيث أطلقت المبادرات لحماية الحقوق الفكرية، وأيضا تقديم الفرص للمترجمين والناشرين على السواء، ويتطلب هذا إقامة ورش العمل لهما لتوضيح العلاقة والفرق بين مفهوم الترجمة والنشر، لأن ترجمة الكتاب ليست مجرد نقل من لغة الى لغة أخرى إنما هو انتقال من نظام ثقافي إلى نظام ثقافي آخر، وهذا الانتقال به الكثير من التحديات.. بمعنى لا يمكن التعبير في لغة ما بالطريقة نفسها باللغة الأخرى.. لكن على المترجم أن يبذل مجهودا كبيرا ومسئولا في نقل وجهة نظر المؤلف.. لأن الكتاب لا يمثل المترجم تحديدا لا يمثل وجهة نظر المؤسسة، وإنما يمثل وجهة نظر المؤلف ومن المهم الحفاظ على وجهة نظر المؤلف ورأيه.. وهذا في جوهر مسألة الحقوق.

إذن مسألة الحقوق ينبغي أن تنبني على التعاون الدولي بين الناشرين ومعارض الكتاب، ومن خلال تبادل أسماء الناشرين الذين ينتهكون حقوق المليكة الفكرية ومنعهم من المشاركة في معارض الكتب، وأيضا ينبغي متابعة القرصنة الإلكترونية للكتب، التي لا تتيح المعرفة للناس وإنما تقدم معرفة ناقصة، بمعنى أنها تسبب أمية معلوماتية حول الكتب التي تترجم إلكترونيا وتنشر بدون متابعة واتفاقات.

ثمة إشكالية أخرى يسببها التعدي على الحقوق، هو تشويه النصوص، وحتى بعض المشاريع التي نقلت التراث العربي وحرصت على عدم نقله كما هو.. وزيفت الحقائق للترويج لأفكار أحادية من خلال اجتزاء التراث والحذف من النصوص بحيث يظهر النص كأنه كما هو لكنه في الواقع ليس هو.

إذن فمشكلة الملكية الفكرية كما شرحت، ليست مجرد مشكلة عدم إبرام اتفاقات ونقل الكتب من خلالها، لكنها أكبر من هذا، وتصل لحد تعطيل حركة البحث العلمي والابداعي في العالم العربي.

 

أهم الكتب عن العرب وتاريخهم وتراثهم موجودة في اللغات الأخرى.. ما السبب في رأيك؟

هناك تحولات كبيرة جرت في العالم العربي قديما، فمع الحروب انتقل جزء كبير من كتب التراث العربي إلى الغرب، وأحيانا عن طريق الإهمال.. لكن الارث العربي ضخم جدا، والإرث اللغوي الحضور والتاريخ العربي لم يكن فقط في الكتب، إنما يتجلى أيضا في المباني والعمارة وفنون الخط والموسيقى والغناء وفي الإبداع بشكل عام، إذن لا يمكن أن نقول إن كل شيء عن تاريخنا موجود حصراً في اللغات الأخرى.

وأعتقد أن التحديات التي تشهدها ثقافتنا اليوم تتمثل في ضعف البحث العلمي في الثقافة العربية إذا قارناه بما يجري في اللغات الأخرى، وهو ما يعني أننا بحاجة الى دعم البحث العلمي في الثقافة العربية وإلى تقديم المزيد من المنح والالتفات إلى دور الجامعات والمجلات الاكاديمية والتشجيع على الدخول في مقاربات جديدة تتناول الثقافة العربية بحيث تكون حاضرة مؤثرة بصورة جديدة، لأن ما يحيي اللغة والثقافة العربية ليس تكريسها فحسب وإنما بإعادتها بصورة جديدة تليق بها.

 

كيف تقيم تجربة أمير الشعراء؟

 

أشعر بالفخر والاعتزاز في أن أكون جزءا من هذا البرنامج المهم والنوعي والذي يعد ابتكارا عربيا إماراتيا انطلق من عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة أبوظبي.. وهو برنامج ثقافي مميز يحترم الأصالة والمعاصرة.. ويحترم التقاليد الأدبية وفي الوقت نفسه يحرص على تجديد هذه التقاليد ويشجع على التجريب المدروس في الشعر العربي ويدعم الشعرية الشبابية العربية. ولقد أعطاني الله هذه الفرصة العظيمة لكي أكون في هذا البرنامج لأتعرف على تطور حركة الشعر العربي عند الشباب عبر قراءة آلاف النصوص ومقابلة مئات الشعراء مع نخبة مميزة من أعضاء لجنة التحكيم. وأتذكر الآن مزاملتي للأستاذ الدكتور العلامة عبد الملك مرتاض.. وشيخ نقاد العرب الدكتور صلاح فضل.. اللذان كانت لهما مساهمة فريدة في تحقيق الأهداف الثقافية والإبداعية والشعرية التي تحرص عليها أبوظبي.

أتصور أن برنامج أمير الشعراء اكتسب مكانته لأنه صناعة إبداعية جديدة استثمرت أهم فن من الفنون العربية وهو الشعر وقدمته في منتج جديد فيه من الجمال وفيه من التنافس وفيه من الصناعة الإبداعية المتكاملة التليفزيونية والثقافية عن طريق مسرح هائل يضم الشعراء يجعلهم يتبادلون الآراء وينصتون لبعضهم ويقدم تجارب مميزة لهؤلاء الشعراء ليكرس الموهبة ويطورها، وأرى أن أمير الشعراء اليوم صار منصة مهمة لاكتشاف آفاق الإبداعات الشعرية العربية.

 

برنامجك "من طيبات أبي الطيب" حقق صدى كبيراً في الأوساط الثقافية وعند جمهور مواقع التواصل الاجتماعي.. حدثنا عن خصوصية أبو الطيب لديكم؟  

 

قراءة شعر أبي الطيب تجعلنا نفهم الكثير عن الثقافة العربية، منها على سبيل المثال تطور مفهوم الفروسية عند العرب، لأن أبي الطيب بدأ حياته بلا فرس وكان مضطرا لذلك لأن العرب كانوا يسافرون ويرتحلون بالإبل أو الركاب، وحين تجاوز مرحلة الصبا عند لقائه بعلي بن إبراهيم التنوخي تعرف على الجياد، وهذا قاد إلى تحول ضخم في شعرية أبي الطيب حينما اعتلى صهوة الجياد، لأنها جزء أصيل من قصيدته، ولا تكاد تجد قصيدة له إلا وفيها ذكر الخيل.

لا أريد أن أقول أن أبي الطيب لا يمكن فهمه إلا من خلال فهم الفروسية، لكني أريد أن أقول أنه قادني إلى أن أتعرف على الخيل، حتى أفهم كيف يشعر أبو الطيب، وأتصور أن فهم الذات العربية لا يمكن أن يتحقق دون قراءة ديوان أبي الطيب الذي يجعلنا نفهم القيم العربية والذات العربية التي تعتز بعروبتها.. بإرثها.. بأصالتها.. بثقافتها.. وقيمها. من جهة أخرى حين نقرأ أبو الطيب نفهم فكرة الاختراع الشعري عند العرب، لأنه هو الذي كرس ما يعرف بالاختراع البلاغي وهذا أحد سبب حضوره الدائم في الذهنية العربية

من ضمن الأبيات التي تجلت فيها وعيه بما يقدمه من اختراعات شعرية قوله:

ما نالَ أَهلُ الجاهِلِيَّةِ كُلُّهُم

شِعري وَلا سَمِعَت بِسِحرِيَ بابِلُ

بعض أبيات المتنبي تراها ثقة أم غرورا؟

لا ليس غرورا.. بل ثقة كبيرة في قدراته الشعرية التي لم تتكرر، عندما نقرأ أبو الطيب نعرف ندرك ذلك، وهو ما جعله يؤثر في كل الشعراء المهمين الذين جاءوا بعده، بل إن بردة البوصيري وبردة أحمد شوقي تأثرا فيها بأبي الطيب أكثر من تأثرهما بصاحب البردة الأصلية كعب بن زهير، على الرغم من أن أبي الطيب لم يكتب ولا قصيدة واحدة في مدح الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.. وحتى الشعراء المعاصرين لم يستطيعوا الإفلات من أثر أبي الطيب، ونجد بصماته واضحة في قصائد شوقي وأدونيس ومحمود درويش وغيرهم.

ورغم أنه لم يقل إنه شاعر صوفي إلا أن لها تأثير كبير في الشعر الصوفي، ولا أبالغ إذا أنه  هو الصاحب التأثير الأكبر على العديد من كبار الشعراء الصوفيين مثل ابن الفارض والبوصيري وابن عربي.. وقد ظهر الأثر الصوفي في شعره من قراءته للحلاج.. ومما لا شك فيه أنه مالئ الدنيا وشاغل الناس إلى يومنا هذا.

ماذا عن مشروعك الإبداعي الخاص وكتابك الجديد عن أبي الطيب؟

انتهيت من كتاب عن الاختراع الشعري لدى أبي الطيب، وأعمل على كتاب جديد عن الخيل في شعره وكيف ساهم في تطور مفهوم الفروسية.. هذا التطور الذي مر بتحولات ضخمة لكنه كان مفصلاً مهماً فيه.

أقرب بيت شعر لك لأبي الطيب؟

في الرحيل

وَلَو أَنّي اِستَطَعتُ خَفَضتُ طَرفي

فَلَم أُبصِر بِهِ حَتّى أَراكا

وَكَيفَ الصَبرُ عَنكَ وَقَد كَفاني

نَداكَ المُستَفيضُ وَما كَفاكا

وفي المساجلة في الليل والحديث عن المساء الطويل

مَضى اللَيلُ وَالفَضلُ الَّذي لَكَ لا يَمضي

وَرُؤياكَ أَحلى في العُيونِ مِنَ الغُمضِ