الخميس 25 يوليو 2024

هل تنطلق القوات الروسية للعاصمة الأوكرانية؟

مقالات24-2-2024 | 21:44

مما لا شك فيه أن القوات الروسية بعد سيطرتها على مدينة "أفدييفكا" التابعة لمقاطعة دنيتسك تكون قد حققت نقلة عسكرية نوعية، فهي أولاً تقاتل للسيطرة على المدينة منذ شهر أكتوبر الماضي وثانياً لم تحقق نصر نوعي منذ سيطرتها على مدينة "باخموت" فى منتصف العام الماضي لكن ما حدث بعد ذلك من تمرد قائد "فاجنر" التي لعبت الدور الأكبر في السيطرة عليها أطاح بقائدها وبالمجموعة المسلحة نفسها.

وقد علقت وسائل إعلام عديدة على انسحاب وفقدان القوات الأوكرانية لمدينة "أفدييفكا" حيث أشارت صحيفة "برلينير زيتينج" الألمانية إلى هزيمة أو انسحاب القوات الأوكرانية من المدينة بأن قالت "إنها ضربة قوية للحالة المعنوية للقوات الأوكرانية".

ففي الوقت الذي انسحبت فيه القوات الأوكرانية بفوضى كبيرة ودون نظام (هربت) وهي تحاول حتى أخر لحظة الحصول على ذخيرة من الحلفاء دون جدوى، كانت القوات الروسية تشدد من ضغطها على عدة اتجاهات، وأضافت الصحيفة إن القوات الأوكرانية خسرت معركة هامة ورمزية لها متمثلة في الحفاظ على "أفدييفكا".

في الوقت الحالي تسعى كييف للحصول على السلاح والذخيرة من الحلفاء الغربيين بأي شكل. ماذا سيحدث في المستقبل القريب في شرق أوكرانيا؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن.

موقع "الصحافة الأجنبية" الغربي تحدث عن هزيمة القوات الأوكرانية فى "أفدييفكا" وحاول الاستفسار عن أسباب الهزيمة من معهد دراسات الحرب في واشنطن حيث قال محللوه "لقد استغلت موسكو الدعم الغربي الغير جاد لكييف، وفي الفترة الأخيرة قامت بعدة عمليات هجومية بطول ألف كم بطول خط المواجهة، كان نتيجة هذا انسحاب القوات الأوكرانية بشكل غير منظم من "أفدييفكا" المهدمة، وما يعكس الفوضى في الإنسحاب هو مقتل عدد كبير من القوات الأوكرانية إضافة إلى وقوع ما يقرب من الألف جندي وضابط فى الأسر.

أما صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية فقد أشارت إلى وقوع مئات من الجنود الأوكران فى الأسر أثناء الانسحاب، وفقد مدينة "أفدييفكا" كان بمثابة ضربة قوية للروح المعنوية للجيش الأوكراني. والمتابع للشأن الأوكراني والنزاع مع روسيا يمكن أن يلاحظ حالة الذعر والفوضى التى سادت صفوف الجيش الأوكراني رغم أن وسائل الإعلام الأوكرانية حاولت التركيز أكثر على بعض الضربات التي وجهتها للقوات الروسية أو مثلاً على الخسائر الكبيرة التى دفعتها روسيا للسيطرة على المدينة الغير هامة من الناحية الاستراتيجية.

ونعود لصحيفة "نيويورك تايمز" التي في إطار تعليقها على الانتصار الروسي قالت "إن الأوكران كانوا مندهشين من إصرار القوات الروسية في الأسبوع الأخير على السيطرة على مدينة "أفدييفكا"، بينما تحدث المدونون الروس وبعضهم كان في الخطوط الأمامية على الجبهة "إن القوات الروسية قد تتجه إلى وسط أوكرانيا، وتحدثوا عن أن المواقع الدفاعية الأوكرانية كانت سيئة الإعداد، وقال أحد هؤلاء المدونين إن الجنود الأوكران كانوا مذعورين وغير منظمين أثناء الهجوم الروسي.

المسئولون الأوكران كانوا يتوقعون النتيجة مسبقاً، فالرئيس الأوكراني عندما زار "أفدييفكا" في نهاية ديسمبر من العام الماضي تحدث عن أن "الوضع سيء للغاية" على الجبهة، ولهذا السبب حينها توقع "معهد دراسات الحرب" الأمريكي عن أن القوات الأوكرانية قد تقوم بعمل حدود دفاعية جديدة بأسرع ما يمكن، لكي لا تفقد أراض جديدة عند أي هجوم روسي قادم. حتى الآن تحاول كييف الحصول على كميات كبيرة من الذخير والعتاد من الحلفاء، بينما تقوم القوات الروسية بتشديد ضغطها فى عدة مناطق فى الشرق والجنوب، حيث تقوم بالضغط في اتجاه محاز الشريط الحدودي بين لوجانسك وخاركوف في الشرق، وفي اتجاه كوبيانسك وليمان في منطقة دنيتسك ورابوتينا في زابوروجيا، وتشير الأنباء إلى نشوب معارك جديدة بالفعل في المناطق المذكورة.

يقول الخبراء إن روسيا تحاول السيطرة على مناطق مهمة من الناحية الاستراتيجية في الجبهة قبل حلول فصل الربيع والدفء في شهر مارس، حينها لن تكون الهجمات ممكنة أو على الأقل صعبة لعدة أسابيع بسبب المستنقعات مع بداية ذوبان الجليد، وتراهن القوات الروسية على تحقيق انتصارات أخرى قبل حصول أوكرانيا على ذخائر واحتمال صواريخ "تاوروس" من ألمانيا. ووفق بعض المدونين الذين يتحدثون عن أنه بسبب القذارة والمستنقعات سيكون من الصعب على القوات من الجانبين الروسي والأوكراني حتى مجرد جلب قوات الاحتياط، وهذا سيبطئ وتيرة العمليات العسكرية من الجانبين.

ورغم أن مدينة "أفدييفكا" لا تعتبر هامة من الناحية الاستراتيجية، إلا أنها تعكس تكتيك موسكو فيما يتعلق بخوض المعارك حيث تجبر القوات الروسية الجيش الأوكراني على جذب المعدات والأفراد إلى تلك المنطقة، وهو ما سيجعل القوات الأوكرانية غير قادرة على القيام بأعمال هجومية على مدار العام في مناطق أخرى، وعلى الرغم من أن معظم الخبراء العسكريين لا يعتقدون أن كييف ستتحول للهجوم مع حلول الربيع، بل أنهم في الغرب يراهنون على أن أوكرانيا خلال الأشهر القادمة ستركز بالدرجة الأولى على الدفاع.

ويتوقع كثير من الخبراء والمحللين أن تستمر روسيا في الهجوم على عدة اتجاهات بعد السيطرة على "أفدييفكا"، وضمن الاتجاهات المتوقع أن تزيد القوات الروسية من هجومها في اتجاهها هي "رابوتينا" في منطقة زابوروجيا و"كوبيانسك" في خاركوف وضاحي أرتيومسك الاسم الروسي لباخموت، وستسعى للسيطرة على "أوجلدار".

لكن البعض ذهب لأبعد من المدن الصغيرة، عندما تحدث عن الرعب المسيطر على الرئيس الأوكراني زيلينسكي في الوقت الحالي هو أن يفقد أحد المدن الكبيرة الرئيسية مثل كييف أو أوديسا ومن الممكن لفوف، ويتوقع الخبراء أن تنسحب القوات الأوكرانية من عدة مناطق سكنية، وتوقع النائب السابق في البرلمان الأوكراني سبيريدون كيلينكاروف أن تنسحب القوات الأوكرانية من بعض المناطق مبرراً ذلك بأنها ستكون بقرار من القائد الأعلى للجيش وهو هنا الرئيس الأوكراني زيلينسكي، مشيراً إلى أنه تمكن بمفرده من إدارة الجبهة بعد إقالة القائد العام فاليري زالوجني، وهو هنا ينتقد الرئيس على إقالة زالوجني.

أما الخبير العسكري أناتولي ماتفييتشوك فقد أشار إلى أن أشد ما يخشاه الرئيس الأوكراني هو فقدان السيطرة على مدن أوكرانية كبيرة، وقال إنه بعد سقوط "أفدييفكا" ركزت القوات الأوكرانية كل قوتها للدفاع عن ثلاث مدن كبيرة والحديث هنا يدور عن كييف العاصمة وأوديسا أهم ميناء على البحر الأسود تصدر منه أوكرانيا وتتلقى الدعم العسكري، بالإضافة إلى لفوف معقل القوميين الأوكران، وهي الداعم الرئيسي للسلطة الحالية، وفيها منطقة الحصول على السلاح الغربي لقربها من الحدود البولندية. وتحدث موقع بلومبيرج عن أن الحالة العامة في أوكرانيا تدهورت من الناحية العسكرية، فقد نضبت الذخيرة لدى الجيش، بينما في الغرب غارقين في النقاش والجدل حول دعم أوكرانيا.

أما صحيفة "الواشنطن بوست" فقد أشارت إلى أن الانسحاب من "أفدييفكا" "كسر الجنود الأوكران نفسياً" وتشير الصحيفة إلى أن القوات الأوكرانية هربت من مواقعها دون تنسيق مع قياداتها رغم أن الصحيفة تشير إلى أن الجنود كانوا منهكين للغاية بعد حرب عامين دون إجازات، وبالتالي لم يستمعوا للأوامر، لكن على ما يبدو المصائب لا تأتي فرادى فقد سيطرت القوات الروسية على قرية "بوبيدا" باستخدام قنابل ضخمة زنتها 500 كجم.

ولعل أهم هدف لتحرير "أفدييفكا" بالنسبة للقوات الروسية هو إبعاد القوات الأوكرانية بحيث لا تتمكن من قصف دنيتسك التى أصبحت جزء من روسيا، والتى وفق مصادر روسية كانت مستمرة في القصف على مدى العشر سنوات الماضية، كما أن سيطرة القوات الروسية على المدينة رفعت بلا شك من معنويات القوات الروسية وهذا ما قد يدفعها لتحقيق مزيد من الانتصارات وتهديد مدينة كبيرة مثل خاركوف في الوقت الحالي على الأقل، فقد كانت مدينة "أفدييفكا" عصية على القوات الروسية منذ فترة طويلة. ولما كانت المدينة جزء من مقاطعة دنيتسك التى انضمت لروسيا وفق استفتاء شعبي، فإن روسيا تقترب خطوة مهمة من تحقيق تحرير أراضيها الجديدة في دنيتسك ولوجانسك.

في تقدير الخبراء من المتوقع أن تسرع روسيا من وتيرة الهجمات على مناطق أخرى لاستغلال نقص الذخيرة الحاد لدى أوكرانيا وإحجام الكونجرس عن إقرار حزمة المساعدات المقررة لها والمقدرة بحوالي 60 مليار دولار في معظمها مساعدات عسكرية، وتخطى البيروقراطية الأوروبية التى على ما يبدو أرهقت ولم تعد قادرة على تحمل دفع فاتورة الدفاع عن أوكرانيا، بعد تخلي واشنطن تقريباً عنها. إذا لم تستغل روسيا الموقف الحالي سيكون من الصعب إيجاد فرصة ملائمة كهذه في المستقبل القريب.