الخميس 18 ابريل 2024

أيديولوجيا قراءة النص الفلسفي

مقالات27-2-2024 | 19:43

مما لا شك أن قراءة النصوص الفلسفية قد تبدو مستغلقة الفهم على المتخصص، وغير المتخصص، لكن غير المتخصص ستكون صعوبتها وغموض معانيها أكبر ، لذا أردت فى هذا المقال أن أبسط المسألة حتى لا يتهم أحد الفلاسفة بأن أفكارهم صعبة وعصية الفهم والإدراك.
تكمن أيدلوجية قراءة النص الفلسفي في ثلاثة مقومات رئيسة يمكن من خلالها قراءة النص الفلسفي بل وتحليله تحليلا دقيقا يسهل معه تعاطيه والتعامل معه ومصادقته.
أولتها: المقوم المعنوى ، فما المقصود بهذا المقوم وكيف يمكن تطويع النص الفلسفى من خلاله.
كثير ما تواجهنا أسئلة من أبنائنا الطلاب في مرحلة الليسانس أو حتي في مرحلة الدراسات العليا، وكذلك مع من نتعامل معهم في حياتنا اليومية من غير المتخصصين.
 هذه الأسئلة تدور في فلك واحد هو لماذا دراسة الفلسفة صعبة؟! ولماذا نصوص الفلاسفة مستغلقة الفهم؟!
ولماذا كلما حاولنا الاقتراب منها نشعر بأننا لانريد دراستها، ولا حتي قراءة كتب الفلاسفة؟!تكمن الإجابة علي كل هذه التساؤلات في قول واحد ألا وهو الحب ، قد يتعجب البعض من هذه الإجابة.
 لكن أقول لمن يتعجب يا صديقي هل تتفق معي أن الحب يصنع المعجزات، إذا أحببنا ما نقدم علي فعله ستزول وستذلل كل العقبات والصعاب، فليس هناك صعب ولا هناك سهل والصعب ما صعبناه علي أنفسنا، والسهل ما ركنا إليه واستسهلناه، إذا أقدمنا بحب علي دراسة الفلسفة فستحبنا وكلما ازددنا حبا فيها زاد حبها لنا بل وشدتنا إليها وقربتنا إليها أكثر. وأكثر، وهكذا في كل أمور حياتنا .
هذا من الناحية المعنوية تهيئة النفس وإعدادها الإعداد اللازم للإقبال علي دراسة الفلسفة واستهوائها.
ثانيتها:
إلا أن ثم جانب آخر ينبغي الحديث عنه، ألا وهو الجانب المادي، المتمثل في الأدوات المعينة لفك شفيرة النصوص التي تبدو للوهلة الأولي أنها مستغلقة الفهم، بل وقد يصاب القارئ باليأس والإحباط وقد يترك الكتاب وينصرف خصوصا إذا كان غير متخصصا.
وهنا تكمن المشكلة ويكمن الداء الذي يحتاج إلي علاج ناجع للشفاء منه.
ومن هذا المنطق فثم ضوابط ينبغي إتباعها لفهم النص الفلسفي.
 أن يكون لدي المتعاطي والمتعامل مع النص الفلسفي حصيلة لغوية يستطيع أن يتعامل من خلالها مع نصوص الفلاسفة الذين كانوا يكتبون نصوصهم باللغة العربية الفصحي ، فلابد أن يكون لديه إلمام بمفردات اللغة، وإن لم يكن ذلك كذلك فعليه بالتعلم وهذا في حد ذاته ليس عيبا.
 لابد أن يكون لدي دارس الفلسفة دراية بفهم مدلولات المصطلح الفلسفي فهناك مصطلحات قد تكون مستغلقة الفهم ، ومن ثم لابد أن يعود إلي معاجم وقواميس المصطلحات الفلسفية من أجل الخروج من هذا المأزق، وهناك قواميس ومعاجم فلسفية كثيرة مثل المصطلح الفلسفي عند العرب لعبد الأمير الأعسم ، والمعجم الفلسفي لجميل صليبا، ومعجم مصطلحات الصوفية، وفي دوائر المعارف مواد بعينها عن مصطلحات الفلسفة.
ثم هناك مقوم رئيس ومهم هو أن لا تقرأ النص  الفلسفة بدون مرشد لك ومعلم تسترشد به في فهم العبارات التي تحتاج إلي ضبط ودقة في الفهم ، ومن ثم بات الأمر ملحا لإعطاء دورات في كيفية التعامل مع النص الفلسفي وكيفية تحقيقه وتحقيق المخطوطات ، وليس عيبا أن تعطي للجميع كبارا قبل الصغار، لأن الكبار هم الذين سيعلمون تلاميذهم وطلابهم، وهكذا حتي لا نعبث بالنص ونلوي عنقه ونخرجه من سياقاته.
ثالثتها: ثم معول كبير على الأكاديميين المتخصصين في الفلسفة والذين يدخلون إلى قاعات الدرس، عليهم معول رئيس في جذب انتباه الطلاب ولفت نظرهم إلى أهمية موروثنا لا أقول الفلسفية وحسب بل موروثنا الحضارية في كافة صنوف المعارف ومنها الفلسفة ولفت نظرهم وشحذ هممهم لضرورة قراءة نصوص الفلاسفة مرات ومرات ، ليس هذا وحسب بل وينبغي تنمية روح السؤال، والبعد النقدي، وترك التقليد الأعمى، والانتقال من التقليدية الكلاسيكية إلى الحداثية المعاصرة دونما إفراط أو تفريط.
ثم نأتي إلي كيفية قراءة النص وليكن نصا للكندي فيلسوف العرب، في البداية لا نكتفي بمؤلف واحد بل نقابل النص الموجود في مثلا رسالة الكندي إلي المعتصم بالله في الفلسفة الأولي عن مثلا تعريف الفلسفة، نقابله بكتاب آخر للكندي كرسالة الحدود ونقوم بالمقارنة والمقاربة بين النصين، ثم نخرج الألفاظ مستغلقة الفهم ونعرضها علي أساتذتنا أو علي معاجم الفلسفة.
 ونبدأ بعملية تحليل لهذا النص وأقصد بالتحليل هنا ليس تحليلا فقط، وإنما شرح وإضافة ومقارنة ونقد لإبراز شخصيتك، وهذا ما كان يفعله ابن رشد مع مؤلفات أرسطو خصوصا في شروحاته العظمي، لذلك لقبه البعض بالشارح_وان كنت أرفض هذه التسمية، فابن رشد لم يكن شارحا فقط لمؤلفات أرسطو، وإنما كان ناقدا له ، لذلك فأنا ألقبه بالفقيه الفيلسوف. وكذلك الأمر عندما نقرأ نصا للفارابي أو ابن سينا أو اسبينوزا، أو كانط  أو هيجل أو ماركيوز، أو الكواكبي، والأفغاني، ومحمد عبده والطهطاوي ،وزكي نجيب محمود، وغيرهم. المهم ألا نصاب بالإحباط واليأس، بل نقرأ كما ذكرت آنفا مرات عديدة وعديدة فكل شيئ يأتي بالمراس، والمران والتدريب والتعود.
 المهم نأخذ الخطوة الأولي.
كذلك أري أننا بعد قراءة النص وتحليله، لم لا نعبر عنه بأسلوبنا فكما كانوا هم رجال، فنحن أيضا رجال لنا فكرنا ولنا آرائنا نفكر ونبحث ونكتب ونسترشد بآراء هؤلاء، لكن لا نقصها ونلصقها، بل نجعل أفكارنا تتعانق مع أفكارهم لنصل إلي غايتنا المرجوة، ألا وهي نهضة وصحوة فكرية حداثية مستنيرة تخرجنا من مستنقع وبراثن التبعية البغضة من أجل تشييد مشروع حضاري فكري متزن يتناسب مع متغيرات العصر مشروع حداثي يجمع بين عبق وأصالة فكرنا ومعاصرا لواقعنا المعيش وهذا ما نصبو إليه ونحلم به رؤية تجديدية لفكرنا من أجل الانطلاق للعالمية وتحدث مواكبة ومعاصرة للثورة المعلوماتية الكبري فلا نتقوقع داخل النصوص بل نوظف هذه النصوص بفكر حداثي مستنير، يواكب ركب التقدم الحضاري، فالفلسفة لا تدعونا إلي العود القهقري للخلف وإنما الفلسفة والنص الفلسفي دعوة للفكر وإعمال العقل في كل صغيرة وكبيرة.

فالفيلسوف الحق والمفكر الرشيد هو الذي لا يحتقر شيئا مهما بلغ من ضآلة الشأن مبلغ الطين والشعر، وفي ذلك إكساب للفكر الفلسفي حركية وديناميكية واستمرارية، ليس الفكر الفلسفي وحسب بل ولابد أن يتم ذلك مع كل العلوم الإنسانية.

أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان.