الخميس 25 يوليو 2024

النزاع الروسي الأوكراني واحتمال تدخل الناتو

مقالات24-3-2024 | 14:32

بعد تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن احتمال تدخل فرنسا العسكري في النزاع الأوكراني ـ الروسي عندما صرح بأنه لا يستبعد أن تقوم قوات فرنسية بعملية عسكرية على الأراضي الأوكرانية، وقال إن دول أوروبية كثيرة تؤيد الخط الذي تنتهجه باريس، ومن بعده صرح رئيس هيئة الأركان بالجيش الفرنسي بأن باريس على استعداد للذهاب لأبعد من مجرد إمداد أوكرانيا بالسلاح في إشارة لاحتمال التدخل المباشر، جاءت تصريحات فيكتور أوربان رئيس الوزراء المجري، المعروف بعلاقاته الجيدة بالرئيس بوتين وبلاده مازالت تستورد النفط والغاز الروسيين رغم العقوبات الأوروبية، حتى وإن كان ذلك بسبب ظروف البلاد الجغرافية حيث ليس للمجر إطلالة على البحر، قال السيد أوربان إن الغرب ممكن أن يتخذ قرار بإرسال قوات إلى أوكرانيا خلال الشهور القريبة القادمة، من المعروف أن السيد أوربان كثيراً ما يعارض فرض العقوبات على روسيا وهو من دعاة الحل السلمي والتفاوض.

وفق رأي رئيس الوزراء المجري أن قادة الغرب قد يقررون إرسال قوات مسلحة إلى أوكرانيا خلال الشهرين أو الثلاثة القادمين، وتذكر السيد أوربان وعود الغرب في بداية النزاع والتي حاولوا بقدر المستطاع النأي بأنفسهم وبحلف الناتو عن التدخل في النزاع لكنهم اتخذوا قرار بذلك. وأضاف أوربان أنه على سبيل المثال إذا كانت ألمانيا قد أعلنت أنها غير مستعدة لإرسال أسلحة متطورة إلى أوكرانيا، فإنها الآن وفي وزارة الدفاع الألمانية تناقش إرسال منظومات صواريخ يمكنها أن تضرب العمق الروسي، في نفس الوقت الذي استبعد فيه المستشار الألماني هذا ووقف ضد تزويد أوكرانيا بصواريخ "تاوروس" الألمانية المتطورة والتي يمكنها أن تصل للعمق الروسي، يبقى المقلق أن هذه الموضوعات (تزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى واحتمالية تدخل الناتو) أصبحت من الموضوعات المطروحة بشكل يومي تقريباً حسب السيد أوربان.

في السابق كان الحديث في الاتحاد الأوروبي عن التدخل العسكري من الموضوعات المحرمة ودار الحديث فقط عن مسألة إرسال قوات حفظ سلام أوروبية لأوكرانيا وأول من طرح هذا كانت بولندا، ثم كان الجدل حول ما إذا كان من الممكن إرسال أسلحة طائرة لأوكرانيا أم لا، وحتى الآن ترفض ألمانيا والولايات المتحدة تزويد أوكرانيا بصواريخ من الممكن أن تطال مدن روسية بعيدة وذلك حسب قولهم حتى لا يحدث تصعيد. لكن الآن تحول الجدل حول إمكانية إرسال قوات عسكرية، خاصة مع انشغال واشنطن في الانتخابات الرئاسية، ورغم محاولات إلباس هذه القوات أشكال ليست عسكرية أو لنقل نصف عسكرية مثل المشاركة في نزع الألغام أو الحرب السيبرانية أو مجرد تدريب قوات أوكرانية على أسلحة فرنسية.

كان الرئيس بوتين قد صرح، عندما تواترت أنباء عن احتمال أن تدخل قوات الناتو أوكرانيا، بأن هذا لن يغير من الأوضاع على الأرض في شئ، وأضاف لأن قوات الدول الغربية متواجدة بالفعل في أوكرانيا ـ حسب قوله ـ منذ فترة طويلة لكنه في نفس الوقت حذر من مثل هكذا تدخل قائلاً إن هذا ممكن أن يؤدي لآثار جيوسياسية كبيرة، وأضاف أنه لو دخلت على سبيل المثال قوات من بولندا الأراضي الأوكرانية فإنها لن تخرج بعد ذلك أبداً، في إشارة إلى أطماع بولندا في غرب أوكرانيا. أما فيما يتعلق بالتدخل الأمريكي في نفس إطار تدخل الناتو فقد قال الرئيس بوتين فإنها (الولايات المتحدة) تعتبر متدخلة مباشرة وأضاف أعتقد واشنطن تفهم  ذلك.

في تعليقه على تصريح رئيس الوزراء المجري الخاص بإرسال قوات الناتو إلى أوكرانيا قال الجنرال الروسي سيرجي ليبوفوي أن قوات الناتو، في حال إرسالها إلى أوكرانيا، فإنها سوف تتمركز وتسيطر على مدن بعينها وهي كييف وأوديسا ولفوف ونيكولايف ولم يستبعد أن تستبدل القوات الأوكرانية بقوت حلف الناتو لحراسة المنشآت الهامة للقوات الأوكرانية، ومن وجهة نظر الجنرال ليبوفوي أن حلف الناتو لن يرسل قوات للتمركز في الخنادق، لكن في حال ما إذا تقدمت القوات الروسية واقتربت من المدن التي ذكرناها من قبل فإن لن يبقى أمام الغرب الكثير من الخيارات سوى التدخل، وفي هذه الحالة ستكون قوات الناتو هدف مشروع للقوات الروسية.

على أي حال ليست كل دول الناتو لديها استعداد أو ترغب في إرسال قواتها إلى أوكرانيا، لكن كل الشواهد تشير إلى أن بريطانيا وفرنسا وجمهوريا البلطيق الثلاثة وهى الجمهوريات السوفيتية السابقة لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، بل أني لا أبالغ إذا قلت أن هذه الجمهوريات الصغيرة هي الأكثر حماساً للذهاب إلى أوكرانيا بقواتها المسلحة، لكن أيضاً من غير المستبعد أن ترسل قواتها كذلك رومانيا وبولندا، في حين ألمانيا لا تفكر في أمر كهذا وهي التي رفض مستشارها شولتز مسألة إمداد أوكرانيا بصواريخ "تاوروس" الألمانية المتطور والبعيدة المدى نسبياً. لكن على ما يبدو في الوقت الراهن تسعى كل من باريس ولندن للتصعيد وجذب المزيد من دول الناتو لتشارك في التدخل في أوكرانيا، فقد تحدث بن ويلز وزير الدفاع البريطاني السابق وأشار إلى أن القوات البريطانية مضطرة للحرب من أجل أوكرانيا، كما أن وسائل الإعلام الفرنسية تناقش في الوقت الحالي العملية العسكرية للناتو مع تعليقات لبعض العسكريين، والأهم هو أي القوات سيستخدم الغرب لوقف تقدم القوات الروسية وفي أي الأماكن ستتمركز قواته.

أما التليفزيون الفرنسي فهو يناقس في برامجه بشكل صريح وواضح لا لبس فيه، كيف ستحارب فرنسا روسيا على الأرض الأوكرانية وحدد التليفزيون الفرنسي سيناريوهين الأول : إقامة "متاريس للناتو" بمحاذاة الجانب الأيمن لنهر الدنيبر بداية من العاصمة الأوكرانية كييف مروراً بمدينة دنيبروبتروفسك وحتى المناطق المتبقية تحت سيطرة الجيش الأوكراني من مدينتي زابوروجيا وخيرسون والسيناريو الثاني السيطرة على المناطق الغربية من أوكرانيا ومنها لفوف وإيفانوفرانكوفسك وزاكارباتيا و وتسينوفتسي وفالينيا، بحاذاة الحدود البيلاروسية. ووفق مدير المخابرات الخارجية الروسية سيرجي ناريشكين فرنسا أعدت القوات التي سترسلها إلى أوكرانيا وقوامها كمرحلة أولى حوالي 2000 جندي وضابط.

مدير المخابرات الخارجية الروسي سيرجي ناريشكين أكذ في تعليق له على سيناريوهات التدخل الفرنسي بقوله إن القوات الفرنسية ستكون هدف له أولوية ومشروع للقوات الروسية، لكن وفق السيناريو الفرنسي فإن القوات الفرنسية لن تتدخل في العمليات العسكرية بل ستقف في منطقة قد تكون مصد أمام القوات الروسية سواء عبر نهر الدنيبرو أو في الشمال حيث الحدود مع بيلاروسيا، في اعتقادي ربما يكون حلف الناتو والدول الأوروبية بصفة عامة والغرب بما فيه الولايات المتحدة قد قرروا ترك المساحة الحالية التي تسيطر عليها روسيا لها وقرروا أن يحافظوا على ما تبقى من أوكرانيا لكن كعضو في الناتو والاتحاد الأوروبي بمساحتها التي تسيطر عليها قواتها حالياً، وتكون بذلك أوكرانيا قد خسرت حوالي 20% من أراضيها لكنها كسبت عضويتها في الناتو التي لا تطيق صبراً بدونها، أو أن القوات الفرنسية التي ستتمركز في الشمال على الحدود البيلاروسية ستبقى كذلك حتى تصد أي هجوم من جانب مينسك في حال تعرض القوات الروسية لهزيمة من قوات الناتو التي ستأتي للحرب إلى جانب القوات الأوكرانية. لكن ليس هناك شك في أن الغرب ضاق ذرعاً من دعم أوكرانيا.

وهناك رأي أخر وهو متمثل في أن الناتو سيتدخل بكامل قواته وما إعلان الرئيس الفرنسي إلا جس نبض لرد الفعل الروسي، وأن فرنسا ستبادر بإرسال 2000 جندي في البداية، لمعرفة كيفية التعامل الروسي مع هذه القوة، وما إذا كان لدى روسيا مازالت توجد قوة لضرب مدن أوروبية كبيرة أم لا وفي نفس الوقت اختبار القدرات الدفاعية الأوروبية في صد هجمات صاروخية روسية، لكن البعض يرى أن فرضية تدخل الناتو إذا حدثت لن تتمثل في حالة صدام عسكري مباشر، ولكنها ستكون عبارة عن إنشاء سلسلة قواعد عسكرية، الهدف منها لوجستي لإمداد القوات الأوكرانية بالسلاح والذخيرة بوتيرة أسرع من الحالية، لكن من غير المستبعد أن توجه القوات الروسية ضربات لهذه القواعد، وهذا يعتبر (إقامة قواعد) مكسب الغرب من نزاع أوكرانيا ـ روسيا.

وهناك وجهة نظر ثالثة وهي عبارة عن خريطة غير تلك التي عرضتها وسائل إعلام فرنسية منذ حوالي شهر مضى لكنها انتشرت على وسائل التواصل الإجتماعي وعرضت أماكن تمركز قوات الناتو في أوكرانيا، وفيها نجد أن القوات ستتمركز في الشمال حيث حدود بيلاروسيا، وفي الجنوب بالقرب من أوديسا، بل أن بعض الخبراء تحدث عن أن أوديسا ستكون المعركة الأهم مع القوات الروسية حيث تعتبرها روسيا مدينة روسية وهي الميناء الأهم في أوكرانيا للتصدير، وستقوم بتأمين أوديسا قوات الناتو من رومانيا وبولندا، لدرجة أن هناك أنباء عن تحرك قوات رومانية بالفعل في اتجاه أوديسا. بعض الآراء يتحدث عن أن تصريح الرئيس الفرنسي هو بالونة اختبار وأن الناتو لن يتدخل في حال اتخاذ قرار بذلك قبل عام 2026، وبرر ذلك بنقص الاستعدادات الغربية وعلى رأسها نقص الذخيرة ونقص المعدات، الجميع يعرف أن أوروبا كانت تعتمد في الدفاع عنها على الولايات المتحدة ولم تهتم كثيراً بالصناعات العسكرية باستثناء دولة كانت محايدة حتى وقت قريب وهي السويد التي لديها صناعات عسكرية متطورة، ومن هنا فإن أوروبا أو الناتو بمعنى أدق إذا قرر التدخل فإن الوقت لم يحن بعد وأمامه عامين على الأقل.

لكن في الوقت الحالي من الممكن التفكير في الحفاظ على ما تبقى من أوكرانيا في أيدى الجيش الأوكراني من خلال تدخل يحدد خطوط التماس بين روسيا والناتو، في انتظار جولة أخرى من الممكن استعادة المناطق من روسيا أو من خلال التفاوض أو الضغط الإقتصادي والعقوبات، لكن الذى لا شك فيه أن تدخل الناتو قائم وسيظل كذلك ولكن ببطئ وعلى خطوات، وحتى باعتراف مسئولين روس، الناتو موجود في أوكرانيا من خلال متطوعين وخبراء عسكريين، وكل ما يريده في الفترة القادمة هو العلانية، فدول الناو تخشى الرأي العام في بلادها كما يخشون التورط في مستنقع توقعهم فيه روسيا لا يستطيعون الخروج منه، ويكفي أن السكرتير الصحفي للرئيس بوتين قد أعلنها صريحة "روسيا في حالة حرب" وفسرها بأن قوله يعنى مع الناتو والغرب بصفة عامة.