الأحد 21 يوليو 2024

ثورة 30 يونيو واستعادة هويتنا الثقافية

مقالات25-6-2024 | 13:36

أكثر من عقد من الزمان مر على ذكرى ثورتنا العظيمة، ثورة 30 يونيو 2013، هذا التاريخ الذى لا يمكن أن يمحى من ذاكرة من عاش تلك اللحظات المبهجة، والتى انتقلت بلدنا على إثرها من حال إلى حال، حين تبدلت العتمة والظلام إلى النور، الخوف والذعر إلى الأمان، الترهيب والوعيد إلى الاطمئنان، حيث استرددنا بهذه الوقفة المذهلة والتظاهرات الحاشدة التاريخية وطن اختطفته الجماعات الإرهابية التى توارت تحت ستار الدين، لتغييب الوعى واستلابه بتأويل النصوص الدينية من أجل تحقيق مكاسب مادية وسلطوية، وعانينا آثار التراجع الفكرى والثقافى وطمس الهوية الذى استغلته تلك الجماعات الظلامية المنظمة لاستقطاب عقول شبابنا، فما كان منهم إلا الانسياق وراء دعوات التظاهر ضد الدولة فى احتجاجات عام 2011، حيث زرعت الجماعات الإسلامية الإرهابية بذرة الاستبداد اللاهوتى السياسى، ولا يستطع أنصارها الفكاك من هذه الأفكار الهدامة ولا الاعتراف بالتعددية الدينية أو الفكرية، ويكفر معتنقى الأديان الأخرى ويبيح دماءهم لا يمكن أن يشكل أى مظهر من مظاهر الإنسانية. وللوصول لتلك الأفكار الهدامة فكانت الأداة هى الغزو الثقافى، كأحد أشكال الحروب الحديثة التى تنتهج كبديل استراتيجى لإحكام السيطرة على دولة أو عدة دول أخرى، حيث تبدلت الحروب من شكلها التقليدى باستخدام الأسلحة إلى الإحلال الثقافى بغزو العقول، واستهداف الوعى لدى الشباب والأطفال، وترسيخ قيم معاكسة لقيم الهوية الثقافية المتجذرة، فيحدث إحلال ثقافى مناظر نتيجة للغزو الذى ساد، فحطم الثوابت وأذاب المتون، لغة وعقيدة، عادات وتقاليد، إزاحة للغة، وإذابة للهوية.

وأصبح الاختراق يحدث من الداخل بأيدى أبنائها بدلاً من الخارج، ومن ثم يتحقق الهدف أسرع وبتأثير أكبر لذا أشاعوا مفهوم الإرهاب لما يستهدفه من تدمير بنية المجتمع وتدمير اقتصاده، ونشر الفوضى والعنف فى الشوارع، حتى يصبح مجتمعاً هشاً مفككاً يسهل اختراقه. وهناك فرق بين التطرف والإرهاب فالتطرف يرتبط بمعتقدات غير عادية أو غير متعارف عليها قد تكون دينية أو سياسية أو اجتماعية، ويظل التطرف تطرفاً طالما أنه ظل تطرفاً فكرياً، إنما إذا تحول إلى استخدام العنف لمواجهة المجتمع أو التهديد بالعنف لفرض المعتقدات المتطرفة على الآخرين فيتحول الفكر المتطرف إلى إرهاب طالما صاحبه اعتداء على الحريات أو الممتلكات أو الأرواح.

والحقيقة أن الغزو الثقافى واحد من أخطر أنواع الغزو المستحدث إبان القرن العشرين، ويعد أكثر خطورة من الغزو العسكرى الذى يمثل تهديداً واضحاً ومباشراً، ففيه بيان للعيان بالموقف العدائى من الطرف المهاجم الغازى، بينما الغزو الثقافى تكمن خطورته فى التسلل بهدوء فى سرية وغموض، بل ودون أن يستشعر الطرف الضعيف المعتدى على أصوله وأعرافه فتنتزع منه هويته بسلب عقله، وانتهاك لخصوصيته، وذلك غالباً ما يكون باستخدام أشكال القوى الناعمة التى تيسر عملية هذا الغزو الثقافى. ويؤسفنا أن الجهل وعدم الشعور بالثقة بالنفس يجعل الفرد خانعاً وقابعاً تحت مظلة الثقافات الأخرى الغازية لهويته، فيستسلم للتبعية الثقافية الجديدة، منخرطاً فى أجوائها وتقاليدها المستحدثة، ناسياً أو متناسياً عاداته وأعرافه المتبعة، كما يعمل الغزو الثقافى على إثارة التشكك وضعف الانتماء،  مما يثير فى النفس الشعور بالانسياق تجاه ثقافة أخرى، يكون الطرف الآخر عامداً متعمداً سلب الهوية لصالحه.

فالبشر على ظهر البسيطة عانوا أقداراً متباينة، وألواناً مختلفة من الغمط والحيف لا حصر لها على مر العصور، وتعرضت أجيال لعذاب الإقصاء والتهميش وتغييب العقول، لكن لا بد أن ننتبه ونضع برامج تعلى من شأن بناء الإنسان ووعيه وكرامته، وكذا دعم مكانته أدبياً واجتماعياً وسياسياً للارتقاء بعقله وتكريمه وصون حقوقه. ولسلامة أمننا الفكرى ووعى عقول أبنائنا، قيمة كبيرة قد لا يدركها إلا من يعانى أثر فقدانها، فيحدث تفضيل المتقدم على المتخلف، والواعى على القاصر، وذلك لإيجاد عالم تسوده الأخوة والمساواة، وتتوطد فيه الحريات والكرامات، دون غزو واختراق غير مبرر إلا للطمع وقمع الآخر ووضعه تحت سيطرته من خلال أشكال مختلفة منها الغزو الثقافى السائد فى الوقت الراهن والمتمثل فى كافة الممارسات التى تنتهج من قبل دولة أو عدة دول تجاه دولة أخرى بغرض السيطرة عليها، وعلى شبابها ومواطنيها ممن يسهل زعزعة العقيدة فى نفوسهم، وإحداث القلاقل والبلبلة فى مؤسساتهم، وفقد الثقة بين المواطن وإدارة حكومته.

     لقد ساد الإرهاب وانتشر قبل ثورة 30 يونيو وما بعدها إلى أن واجهنا تلك الحرب الشرسة نيابة عن العالم، حيث فقدنا الشعور بالأمن والأمان والسلام فى حياتنا وتحركاتنا آنذاك، وتناثر هنا وهناك مسفراً عن ضحاياه، مؤكداً على مفهومه فى ارتكاب أفعال عنيفة ضد المدنيين بهدف خلق إحساس بالذعر بين عموم الناس من أجل بلوغ أهداف سياسية أو أيديولوجية أو اقتصادية أو دينية معينة. لذا يعرف العمل الإرهابى على انطوائه فى أكثر مستوياته تطرفاً على قتل بعض الناس، والتوجيه ضد الممتلكات أو الموارد الطبيعية التى يؤدى إتلافها أو تدميرها إلى إلحاق ضرر بالبشر. كما يستهدف إصابة بعض الضحايا ولا يمكن أن يستهدف ضحية وحيدة أو معزولة، بل تأثيرات واسعة الانتشار.

لذا إشكالية الإرهاب واحدة من أهم الإشكاليات الأكثر تعقيداً فى فكر هذه الجماعات حيث يتداخل فيها الدين بجانب السياسة، الاجتماع، الاقتصاد، ويرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسى جان بودريار (1929-2007) Jean audrillard أن الإرهاب قوة تذل الفرد، لذا وجب إذلالها والتضحية بالنفس حتى الموت، كما يرى الإرهاب مؤشراً لصراع العولمة مع ذاتها.

لكن الشعب المصرى خرج عن صمته وانتفض، انتفاضة خرجت من كل فج عميق، فلم يكن هناك إلا التحرر من الحكم البائد، والتطلع نحو مستقبل يتحرر من تلك القيود، ويغتسل من الدموية والقهر، خرج الشعب بالملايين فى كل ميادين مصر بمحافظاتها وقراها ونجوعها وأزقتها، لينتشر المصريون برفع راية الحرية والتقدمية، ويسطرون مشهداً هو الأروع، بل والأخطر حيث أزاح الغمة، واستبدل تلك المخططات الصهيوينة، بمخطط الدفاع الوطنى عن أمننا القومى، لقد أسدل الستار عن صفحة يشوبها كل عوار، صفحة كريهة فى تاريخ مصر، صفحة اختطت آثارها بدماء الشرفاء والشهداء الذين دفعوا الغالى والنفيس من أجل تحرير مصر من استعمار فاشى، لكنها طويت بانتصار معركة الوعى.

لقد وقف الجيش المصرى العظيم بجانب شعبه، انحاز حزوه، واصطف معه فى مواجهة هى الأشرس على الإطلاق، وانتصر الحق، وانتصرت الحرية، وانتصرت الإرادة المصرية، كما انتصرت هوية مصر الثقافية الراسخة عبر أزمنة عتيدة، لا يقوى على هدمها أو إزاحتها أية قوة مهما كانت، بل بقى العقل الجمعى منخرطاً بمفاهيمه وقيمه الثقافية المتينة، التى أزاحت كل قوى الشر.

رغم ما كشفته تلك الموجة العنيفة المصاحبة للتغير السياسى، حيث شهدنا تغييراً ثقافياً فى بعض الثوابت والمرجعيات، التى استفقنا على آثارها، نتيجة لهذا المشهد العبثى الذى استهدف دولة جاءت أولاً ثم جاء التاريخ.

حقاً أنها مصر بعظمتها وشموخها وكبريائها..إنها مصرنا التى عاهدناها دائماً كبيرة المكانة، صاحبة راية مرفوعة، يقودها حارسها الأمين وابنها البار الذى استأسد لحمايتها وضحى من أجل نهضتها وتنميتها فرافقه الشرفاء، ولم يكن دوره يتجلى منذ تلك الثورة المجيدة فى عام 2013 فقط، وإنما منذ توليه مهمة وزارة الدفاع فى ظل الحكم الإخوانى الفاشى فكان خير أمين على حمايتنا وحماية أرضنا وعرضنا.

كان لزاماً علينا أن نعيد حساباتنا تجاه خطابنا الثقافى الذى يستوجب التجديد، وأن نعمل على تحقيق الأمن الفكرى ضد أشكال هذا الغزو الثقافى، كضرورة ملحة للنهوض بالثقافة ليسود الوعى الاجتماعى، الذى يعرفه ماركس بأنه مجموع الأفكار والنظريات والآراء والمشاعر الاجتماعية والعادات والتقاليد التى توجد لدى الناس وتعكس واقعهم الموضوعى. وكما يراه أوليدوف بأنه إعادة إنتاج البشر للواقع الاجتماعى فى شكل أفكار وتصورات ورؤى فى مرحلة معينة من التطور التاريخى من قبل طبقة محددة أو فئة اجتماعية أو المجتمع بأسره.

لذلك كانت عملية المجابهة والتصدى للغزو الثقافى غاية فى التعقيد والتشبيك بين مؤسسات عدة، ووزارات مختلفة، لا تقتصر على دور تحقيق الأمن على الوزارات السيادية المنوط بها الحفاظ على مقدرات الدولة وسيادة أراضيها، وإنما فى الأصل تقع هذه مسئولية على وزارة الثقافة التى تتقاطع أعمالها مع عدد ليس بقليل من الوزارات المختلفة، فهى الوزارة المعنية بالوعى والفكر والإدراك، ولا بد لها من استراتيجية واضحة المعالم تعمل على بناء الإنسان، وتحديد سلوكه، مع مراعاة عاداته وتقاليده وموروثاته، وفقاً للأطر العامة التى يتوافق عليها عموم المواطنين. كما ينقصنا فى الحقيقة وجود كود أخلاقى يعمل على ضبط العلاقة بين الناس وبعضهم البعض، من خلال أطر حاكمة تنبنى عليها الأخلاقيات والمبادئ والقواعد لتحقيق الرخاء الأيديولوجى والسلام النفسى والأمن المجتمعى، لتنمية المجتمع وزيادة الشعور بالانتماء والولاء للوطن لإقرار الأمن الفكرى فى مجتمعنا والذى نستحقه بعد ثورة أطاحت بالفاشية والراديكالية.

وعليه كان الاهتمام بالمواطن أحد أولويات القيادة السياسية بعد ثورة 30 يونيو حيث البناء فى الحجر والبشر، فلن تتحقق الحياة الكريمة للمواطن، وتغليب أشكال التنمية المستدامة وأهدافها دون الولوج فى لب الإشكالية والتى نختزلها فى كلمة "ثقافة" فالإصلاح الحقيقى يبدأ من الوعى وتثقيف المجتمع، وتراجعه مدعاة لتنامى الإرهاب وجميع مظاهر التخلف مرة أخرى. فالفراغ الثقافى والفكرى لا يجنى سوى اختراق العقول والهيمنة عليها. والإصلاح للمجتمعات تتشارك فيه المسئوليات بين المعنيين وتشارك فى التوعية الشاملة قوة الدولة الناعمة، متمثلة فى فنونها وآدابها، فلا يمكن أن نبقى فى منأى عن هذا الذراع لقوة مصر الناعمة لضرورتها فى حياتنا وتأثيرها على سلوكنا كأفراد وشخصيات نتماهى جميعاً داخل المنظومة الأعم والأشمل متمثلة فى روح الدولة كمواطنين، والتى لا يمكن أن تتقدم بدون مبدعيها فى المجالات الفنية المختلفة ،فالعلاقة بين الفن والمجتمع علاقة وطيدة راسخة منذ القدم وستظل، تكسب الفرد مهارات إبداعية، بجانب تنمية الوجدان وحث الخيال للانطلاق من بوتقته بشحنات تشحذ النفس وتخرج بها من نطاقاتها المألوفة لمسارات الإبداع والانفرادية، والإنطلاق إلى آفاق أرحب محافظة على هويتها بشموليتها واتساع حدودها اللا نهائية، واستنارة المواطنين وإعادة تشكيل الواقع، وتأكيد حالة النفور العام والاستياء تجاه الأفكار الإشكالية لهذه الجماعات وسلوكهم التخريبى الدموى، وكشف الأكاذيب وفضح المستور لنضع ملامح الآفاق المستقبلية لما بعد ثورة 30 يونيو والإقدام على جمهورية جديدة تليق بمصر الحرية والإرادة والانتصار.

وفى الذكرى الحادية عشر لثورة الانتصار نبعث تحية من القلب لكل من شارك ولم يتوار خلف الخزى فى ثورتنا العظيمة، وكل من شارك فى صنع مستقبل وطن جديد يملؤه الأمن والأمان والاستقرار وتصدى لكافة المخاطر والتهديدات فى ظل ترويع الآمنين من الخونة والمغيبين، وتحية لقائد قدم روحه فداء فى لحظات عصيبة، لم يأب أو يتردد وخاض معركة الانتصار ليتبدد حزننا إلى فرح، ولا يمكن أن ننسى بيان 3 يوليو الذى انتظرناه بفارغ الصبر، وكانت فرحتنا غامرة وانتصارنا تاريخى بقيمة وطن يستحق. فدائماً وأبداً ستبقى لأنها مصر كنانة الله فى أرضه من أرادها بسوء قصمه الله.