الأحد 21 يوليو 2024

إبداعات الهلال.. «كعب عالٍ» قصة قصيرة لـ سارة حسن عبدالغني

سارة حسن عبدالغني

ثقافة10-7-2024 | 15:05

دار الهلال

تنشر بوابة دار الهلال، ضمن باب "إبداعات" قصة قصيرة بعنوان "كعب عالٍ" للكاتبة سارة حسن عبدالغني، وذلك إيمانا من المؤسسة بقيمة الأدب والثقافة ولدعم المواهب الأدبية الشابة وفتح نافذة حرة أمامهم لنشر إبداعاتهم.

نص القصة

انتصب كلٌ منهم في شموخٍ، وهو يستعرض نفسه في إغراء بيِّن، ويتباهى بمؤهلاته التي تميزه؛ فهذاينظر لمن حوله في غرور من أعلى كعبه، وذاك يرصع الألماس جسده في سحرٍ ليعوض قِصر كعبه، أما الذي يقف خلفه فهو يزين عنقه الطويل بسلسلة جميلة ذهبية، بينما آخر واحد في الصف يُعري جسده الفائر في جرأةٍ وفتنةٍ تشتهيها العيون، وتذيب القلوب، من بين هؤلاء أطل بينهم وحيدًا منبوذًا، لا يملك جسده أيا من مقومات جمالهم؛ فهو بسيط متواضع الشكل والطول، لكنه على العكس منهم مريح الكعب والطبع، كان دائمًا مَثارًا لسخرياتهم ونقدهم اللاذع، ولكنه لم يقم أي وزنٍ لكلامهم؛ فقد كان قانعًا وراضيًا بطبيعته.

قلت حركة الزبائن في المحل، فانتهزوها فرصة للتنكيل به، تحوطوه في هالة من الضوء المنبعث عليهم، واستعرّت معركة كلامية غير متكافئة؛ بين رهطٍ منهم بقيادة زعيمهم ذي الكعب العالي، وبين هذا المسكين الوحيد.

تقدم ذو الكعب العالي وهو يختال بطوله، وينظر إليه باحتقار، يتحدث بلهجة لاذعة: أنتَ يا هذا يتوافد عليك شُيّاب الرؤوس ممن اعْتَلّت أبدانهم، ولا يلقون بالاً لقبح شكلك.. أما نحن يتهافت علينا الشباب الرائع ممن يقدرون نعمة جمالنا.  

ارتفعت قهقهات أتباعه حتى كادت ترتطم بزجاج الفاترينة.

رد عليه مريح الكعب في تحدٍ وثقةٍ: إنه ليسعدني أن ينتعلنى شُيّاب الرؤوس، وأكون عونًا وراحةً لهم، ويحافظون على جسدي من الإصابات، على أن ينتعلني الشباب الطائش ممن يبطشون بجسدي وينتهكونه، ويستبدلون به غيري.

تجهمت وجوههم، ودار لغط وصخب بينهم، قطعها زعيمهم وهو يستشيط غضبًا، ويأمل أن يكيل له وينتصر عليه: نحن نشعر حيالك بالشفقة، وهم يختارونك أنت وفصيلتك؛ لتشاركهم التردد على عيادات الأطباء، وتوديع أحبائهم في الجنازات، فأنت نذير للشؤم والكآبة، فضلاً عن انعدام الأحبال الصوتية لكعبك.. إنكَ حقًا لمسكين، أما سلالتنا فقد خلقت لحضور الأفراح والمناسبات السعيدة؛ إنهم يتباهون بصوت كعوبنا العالية الرنانة وهي تدق الأرض.

فجأة سكتت الألسن في حلوقهم، وأضطروا لأن يعودوا أدراجهم، قطعها سيدة تعلو الخمسين من العمر تنضح ملامحها بالعز والوجاهة؛ لتعطيها سنًا أصغر مما عليه، تحمل في يدها فستانًا خاصًا بمناسبة، وفتاة تخطو عتبات العشرين بقدم أعرج أثر حادث تعرضت له، مسحتا فاترينة العرض بأعينهما في اهتمام، حتى استقرت نظرة كلٍّ منهما على مُرادها.

اختارت الفتاة مريح الكعب والطبع، أما السيدة فوقع اختيارها على صاحبنا المتغطرس ذي الكعب العالي.