ذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أنه في أكتوبر عام 1962، وبينما كان العالم منشغلا بأزمة الصواريخ الكوبية، اندلعت حرب بين الصين والهند على طول حدودهما في جبال الهيمالايا.
وعلى الرغم من أن الحرب استمرت شهرا كاملا، إلا أنها بدت في ذلك الوقت كحدث ثانوي مقارنة بمواجهة القوى العظمى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، لا يعيد التاريخ نفسه بشكل كامل، لكنه يعيد ترديد أصدائه؛ فبينما ينشغل العالم بملف التقارب المحتمل بين واشنطن وموسكو على خلفية الحرب في أوكرانيا، تتطور العلاقات بين بكين ونيودلهي بعيدا عن الأضواء
.ورأت المجلة أنه في ستينيات القرن الماضي، كان يُنظر إلى العلاقات الصينية-الهندية على أنها أقل أهمية مقارنة بالعلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، غير أن هذه المعادلة لم تعد صالحة اليوم، في ظل الثقل الجيوسياسي المتنامي لكل من الصين والهند، حيث إنهما الدولتان الأكثر سكانا في العالم (تشكلان نحو 40% من سكانه)، فضلا عن كونهما ثاني ورابع أكبر اقتصادين على التوالي (مع توقع تقدم الهند إلى المرتبة الثالثة متجاوزة ألمانيا قريبا).
وأكدت المجلة الأمريكية أن ما يحدث في العلاقة بين الصين والهند له تأثير مباشر على العالم بأسره؛ ومن هذا المنطلق، تكتسب القمة المقرر عقدها في الصين بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في نهاية الشهر الجاري، أهمية استثنائية. فزيارة مودي هي الأولى إلى بكين منذ عام 2018، وتمثل تتويجا لجهود إعادة تطبيع العلاقات بعد الاشتباكات الحدودية في عام 2020، التي شكلت أسوأ أزمة بين البلدين منذ أكثر من أربعين عاما.
ولفتت المجلة إلى أنه يمكن النظر إلى القمة بوصفها تأكيدا على التزام البلدين بمبدأ "الاستقلال الاستراتيجي" في سياستهما الخارجية. فالصين والهند لطالما تبنتا رؤى متقاربة تجاه النظام الدولي؛ إذ تعتبر كل منهما نفسها دولة حضارية، وتسعيان للعب دور قيادي ضمن دول الجنوب العالمي، كما تطمحان إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر عدالة في توزيع القوة والنفوذ.
ونوهت "فورين بوليسي" إلى أن هذا التقارب تجلى في أنماط تصويتهما داخل الأمم المتحدة، وفي علاقاتهما مع الأنظمة الأخرى لا سيما الضعيفة، فضلا عن إعطائهما الأولوية للاحتياجات التنموية على حساب الالتزامات المناخية الصارمة.
وحول تراجع العلاقات مع واشنطن، أوضحت المجلة الأمريكية أن التقارب بين الجانبين يتزامن مع تدهور علاقات كل منهما مع الولايات المتحدة، وهو ما شكل حافزا إضافيا لخفض التوترات الثنائية بين بكين ونيودلهي. ولهذا، ترى المجلة أنه آن الأوان للغرب أن يعيد النظر في افتراضه القديم الذي يرى في الهند حاجزا استراتيجيا أمام الصين؛ فالواقع يؤكد أن الهند لم تكن يوما ذلك السد المنيع الذي يتصوره الغرب، لا سيما الولايات المتحدة. ومن المحتمل أن تمثل زيارة مودي إلى الصين نقطة تحول نحو تنسيق أكبر في المستقبل بين القوتين الآسيويتين في مواقفهما الدولية.
وبخصوص ملامح السياسة الخارجية الجديدة، ترى "فورين بوليسي" أن التوجهات الخارجية لكل من الصين والهند تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية، تتمثل في: سياسة خارجية مدفوعة بالتنمية، تهدف إلى خلق بيئة خارجية داعمة للنمو الاقتصادي الداخلي، ودبلوماسية تركز على الجوار، حيث تسعى إلى استقرار العلاقات مع الدول المجاورة وسط تزايد تقلب العلاقات مع واشنطن، وأخيرا تجنب الظهور كقوى معادية للغرب، مع الحرص على تقديم نفسيهما كقوى إصلاحية تسعى إلى تعديل النظام الدولي لا تغييره.
وتتبع الدولتان حتى الآن -وفقا للمجلة- السياسات سالفة الذكر بشكل متواز أكثر منه بشكل متعاون ومنسق فيما بينهما، لكن زيارة مودي إلى الصين، للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، قد تعكس توجها نحو تنسيق أكبر لهذه السياسات، خاصة وأن المنظمة، التي تضم الصين والهند وروسيا وإيران وباكستان، تقدم نفسها كمنصة لصياغة رؤية بديلة للنظام الدولي الذي تقوده القوى الغربية.
وحول فرص تعزيز التعاون في ضوء قمة منظمة شنغهاي للتعاون، أشارت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية إلى أنه من النقاط اللافتة التي قد ينتج عنها تطورا ملحوظا في العلاقات الثنائية، إمكانية إحياء إطار التعاون الثلاثي بين روسيا والهند والصين (RIC)، الذي نشأ في التسعينيات وكان يستخدم كمنبر لانتقاد النظام الدولي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة. لكن مع تقارب نيودلهي وواشنطن وتوتر علاقاتها مع بكين، تراجع هذا الإطار. وإذا ما تم إحياؤه، فسيعكس استعدادا متزايدا لدى الدول الثلاث لتنسيق مواقفها من القضايا الدولية الكبرى.
وفيما يتعلق بالعقبات القائمة والتحديات المتجددة، لفتت المجلة إلى أنه برغم المؤشرات الإيجابية العالية، إلا أنه لا يمكن لاجتماع واحد (قمة منظمة شنغهاي) أن يذيب جبل الخلافات بين بكين ونيودلهي. فما زالت النزاعات الحدودية قائمة، إضافة إلى قضايا خلافية مثل ملف التبت وخطط الصين لبناء أكبر مشروع كهرومائي على نهر يمر عبر الدولتين، فضلا عن علاقة بكين الوثيقة بباكستان، الخصم التقليدي للهند.
إلى جانب ذلك، تتنافس الدولتان في جنوب آسيا على النفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري. فالصين تقدم نفسها كمصدر رئيسي للتجارة والاستثمارات والبنية التحتية لدول المنطقة، بينما تسعى الهند للحفاظ على نفوذها التاريخي.
وعلاوة على ما سبق، لا يمكن تجاهل الأبعاد الاقتصادية في العلاقات بين البلدين. فعلى الرغم من التوترات، تدرك نيودلهي أنها لا تستطيع تحقيق طموحها في أن تصير مركزا صناعيا عالميا من دون مكونات ومواد خام صينية، وهو ما يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي وتكنولوجي، وربما بناء شراكات صناعية مشتركة في المستقبل القريب، بما يضمن تعزيز مكانة البلدين في النظام الاقتصادي الدولي المتغير.
وحول انعكاسات تطور العلاقات الصينية الهندية على الغرب والنظام الدولي، أكدت "فورين بوليسي" أنه في ظل تراجع النفوذ الأمريكي وصعود قوى جديدة، يتضح أن افتراض الغرب بأن الهند ستشكل توازنا استراتيجيا أمام الصين صار أمرا غير منطقي، إذ إن التقارب المتزايد بين العملاقين الآسيويين يشير إلى ولادة مرحلة جديدة في النظام العالمي، يكون فيها التعاون بين بكين ونيودلهي عاملا محوريا في تشكيل موازين القوى.