الجمعة 29 اغسطس 2025

تحقيقات

احذر أنت مراقب.. من توثيق الجرائم إلى أعمال الخير.. كاميرات المراقبة «الجند المجهول» تشعل قضايا الرأي العام

  • 29-8-2025 | 15:39

الركض وراء الترند

طباعة
  • محمود غانم

باتت الكاميرات، سواء في الهواتف المحمولة أو أنظمة المراقبة، بمثابة الجند المجهول الذي يوثّق العديد من الأحداث في حياتنا اليومية، قبل أن تتحول إلى قضايا رأي عام أو ما يعرف بـ"الترند" على منصات التواصل الاجتماعي، ورغم ذلك، يظل هذا الجند المجهول بعيدًا عن التقدير الكافي.

وخلال الفترة الأخيرة، أثبتت الوقائع التي شغلت الرأي العام – سواء أثارت تعاطفًا أو استنكارًا – أن بدايتها كانت دائمًا صورة أو مقطع فيديو تم التقاطه بالصدفة عبر هاتف محمول أو كاميرا مراقبة.

وتجدر الإشارة إلى أن قانون المحال العامة الصادر عام 2019 ألزم جميع المحال التجارية والخدمية بتركيب كاميرات مراقبة داخلية وخارجية، الأمر الذي جعل توثيق أي واقعة أو حادثة أكثر سهولة، لتتولى بعد ذلك منصات التواصل نشرها على الجمهور، الذي يقرر بدوره ما إذا كانت ستتحول إلى "ترند" أم تمر مرور الكرام.

"كل شيء صوّره"
انتشرت مؤخرًا عبارة "كل شيء صوّره" كإشارة إلى نجاح وزارة الداخلية المصرية في ضبط مرتكبي جرائم ومخالفات مُصوَّرة خلال ساعات قليلة، كما حدث في قضايا شغلت الرأي العام مثل "فتى الجمعية شهاب"، و"سرقة الهاتف"، و"الثقب الأسود".

ويكشف اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن هذا النجاح المحقق في رصد المخالفين وضبطهم، وفق ما يظهر في فيديوهات منتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، لم يكن ليتحقق لولا التعاون القائم مع وزارة الداخلية والنيابة العامة.

وحسب ما يقوله "المقرحي"، في حديث لـ"دار الهلال"، فإن هذا التعاون أسفر عن منح وزارة الداخلية حق ضبط المخالفين وفق ما جاء في مقاطع الفيديو، على عكس ما كان عليه الحال سابقًا، حيث كان الأمر يستوجب تقديم بلاغ قبل ضبط المخالف.

وأضاف: "من هنا يظهر كيف سهَّل توثيق الأحداث بالكاميرات ونشرها عملية ضبط المخالفين؛ فالفيديو والصورة أصبحا بمثابة بلاغ"، متابعًا: "بمجرد نشر التوثيق تتدخل الشرطة في الحال وتتخذ الإجراءات اللازمة".

وأوضح أن "ذلك لا يقتصر على المخالفات التي يوثّقها المواطنون، بل يشمل أيضًا الحالات التي يتم فيها نشر ما يسيء للبلاد أو فيديوهات مضللة، حيث يتم التدخل لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة".

وفي ظل هذه النجاحات، بات المواطنون يوثّقون بكاميراتهم ما يتعرضون له من حوادث أو محاولات ابتزاز، لينشروا المقاطع على منصات التواصل الاجتماعي، فيما تتولى الأجهزة الأمنية التحقق من صحتها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حال ثبوتها.

وأكد اللواء فاروق المقرحي أن لجوء وزارة الداخلية إلى الاستعانة بالفيديوهات المنشورة لضبط المخالفين، أصبح محل ترحيب من المواطنين الذين يشعرون بأن آلية العقاب قد فُعِّلت بشكل واضح.

بين التوثيق والإساءة لصورة المجتمع
لكن في المقابل، يبدي قطاع من المواطنين استياءً متزايدًا من انتشار تلك المقاطع، معتبرين أنها ترسم صورة سلبية عن المجتمع وتوحي بتراجع القيم الأخلاقية التي كانت أصيلة فيه.

غير أن "المقرحي" يرى أن الأمر لا يقف عند حدود الترحيب الشعبي، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة توثيق الواقعة ونشرها، باعتبارها وسيلة فعّالة لمقاومة المخالفين أيًّا كانت طبيعة التجاوزات التي يرتكبونها.

هوس الترند
وعلى الجانب الآخر، لا تخلو الكاميرا من توثيق أعمال بطولية وخيرية لعدد من المواطنين، كان أبرزها قصة الطفلة "هايدي" التي فضّلت أن تتبرع بثمن كيس "شيبسي" لصالح العمل الخيري، وهو ما لاقى تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل.

ورغم إيجابية مثل هذه النماذج، يرى البعض أن هناك من يسعى إلى ركوب موجة الترند عبر أعمال خيرية مصوَّرة، متناسين أن الأصل في فعل الخير الكتمان، بل إن البعض يذهب إلى حد صناعة الحدث أو القصة بأنفسهم ثم دفع طرف آخر لنشرها، في إطار ما يعرف بـ"هوس الترند".

ويقول الدكتور عبد العزيز النجار، أحد علماء الأزهر الشريف، إن الإسلام أباح السر والجهر في فعل الخير، مستشهدًا بقوله تعالى: "الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" [البقرة: 274].

ويضيف في تصريحاته لـ"دار الهلال"، أن السؤال هنا: متى يكون السر ومتى تكون العلانية؟ موضحًا أن كليهما له أجر عند الله -عز وجل-، غير أن الذي يفصل بين السر والعلن هو الحكمة من الإعلان، فربما يكون الإعلان مطلوبًا ليقتدي به الآخرون، كما هو الحال في بناء مستشفى أو مسجد أو مدرسة، إذ تتطلب هذه الأعمال حشد جهود المجتمع.

أما إذا كان الإنفاق موجَّهًا للفقراء والضعفاء والمساكين، فينبغي الستر حتى لا يُكسر خاطرهم أو يُشهَّر بهم، وفي هذه الحالة يكون الإخفاء هو الأولى، بحسب النجار.

وفيما يتعلق بنشر أعمال الخير على مواقع التواصل الاجتماعي، يوضح أن الأمر يتوقف على نية الشخص: فإن كان الغرض أن يقال عنه "رجل صالح" فقد حبط عمله، مستشهدًا بقوله تعالى: "مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ" [الشورى: 20].

وأضاف النجار أن ذلك ينطبق تمامًا على من يفعل الخير ويصوّره وينشره ليصبح "ترند"، فهو قد نال أجره في الدنيا، وليس له أجر عند الله، مستشهدًا بقول المولى: "قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ" [البقرة: 263].

أما الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، فيرى في حديث لـ"دار الهلال"، أن توثيق الأعمال الخيرية ونشرها بدافع السعي وراء "الترند" يُعد سلوكًا غير أخلاقي، سرعان ما ينكشف أمام الجمهور.

لكنه في المقابل لا يمانع في إبراز المشاهد الإيجابية التي تحمل قيمة إنسانية، مثل واقعة الشاب "هادي" الأخيرة، معتبرًا أن مثل هذه النماذج قد تترك أثرًا طيبًا ينعكس على المجتمع.

وأوضح "فرويز" أن اللهاث وراء "الترند" يظل أمرًا سطحيًا ومؤقتًا، إذ لا يتجاوز تأثيره في ذاكرة الناس بضعة أيام، فضلًا عن أنه يفتقر إلى عنصر الاستمرارية. وحذّر من التأثيرات السلبية لهذه الظاهرة، خاصة عندما يكون المحتوى المنتشر بلا قيمة حقيقية.

وأشار إلى أن شريحة واسعة من المجتمع باتت تسعى وراء "الترند" بحثًا عن الشهرة، تحت وهم أن ذلك سينعكس إيجابًا على حياتهم أو أعمالهم، بينما الواقع يثبت عكس ذلك في كثير من الأحيان.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة