الأحد 31 اغسطس 2025

إبداع أم إساءة للواقع.. العنف والرعب والأكشن على الشاشة؟

إبداع أم إساءة للواقع.. العنف والرعب والأكشن على الشاشة؟

30-8-2025 | 14:24

ولاء جمال
شهدت الساحة الفنية فى السنوات الأخيرة موجات متزايدة من الأعمال التى تركز على العنف والأكشن والرعب، لتثير جدلاً واسعاً بين النقاد والجمهور على حد سواء. فهل تعكس هذه الموجات ما يعيشه المجتمع بالفعل من صراعات وتحديات، أم أنها تسىء للواقع وتشوه صورته؟ وهل يمكن اعتبارها إضافة حقيقية تثرى الفن وتوسع خياله، أم أنها تجره إلى مساحات من الهبوط حتى تحول الفن من مجرد محاكاة إلى أداة تشويه وإساءة للواقع؟ أسئلة حملناها إلى عدد من الفنانين والنقاد والكتاب، للوقوف على ما إذا كان هذا الاتجاه يخدم الفن والواقع معاً، أم يضر بدورهما معاً. فى البداية.. تقول الناقدة ماجدة موريس إن متابعة ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعى والصحف أحياناً تكشف بوضوح أن الواقع بات أكثر قسوة وأن هناك نوعيات جديدة من الجرائم الغريبة على المجتمع المصري قد بدأت تظهر ولم تكن موجودة بيننا من قبل، وإن كان هذا لا يعني أن هذا هو الواقع السائد فهذه الجرائم لا تشكل نسبة كبيرة أو ظاهرة ولكنها حالات فردية، نتجت عن انفتاح المجتمع على كل ما يحدث فى العالم، وتبرير بعض الجهات حول العالم لمشاهد العنف. أما السبب الثاني فى رأيها، فهو تزايد عدد السكان وما صاحبه من تفاوت فى مستويات التعليم والثقافة بما ولّد تناقضات مجتمعية عميقة، ومع ذلك يبقى شعور الناس بضرورة الحفاظ على الوطن هو ما يمنحهم قدراً من التماسك خاصة فى ظل ما تشهده بعض دول الجوار من اضطرابات. وعن انعكاس بعض هذه الحالات على الفن تؤكد أن تجاهلها أمر غير ممكن، لكن المهم هو طريقة المعالجة، فالفن يجب أن يقدم النتيجة والرسالة التى تجعل المشاهد يشعر بالحزن والرفض والندم مثلما فعل كبار الكتاب من قبل مثل أسامة أنور عكاشة ومحفوظ عبدالرحمن ومحمد صفاء عامر الذين صنعوا أعمالاً تركت أثراً طويل المدى، بينما يكتفى كثير من الأعمال الحالية بتقديم رصد دون تقديم نتائج هذه الجرائم أو الأفعال. وتضيف: الفن الجيد يجب أن يدفع الناس للتفكير وتشير إلى أن بعض الأعمال الدرامية الجديدة تحمل قيمة فنية حقيقية لكنها تحتاج إلى تسليط الضوء عليها والاهتمام بها. وتختم قائلة: مجتمعنا أصبح واسعاً ومتعدداً، والشباب يمثلون 60 % منه، ومن هنا تأتى أهمية الاهتمام بكيفية عرض القضايا والنتائج التى تصل إليهم لأنهم فى النهاية المتصدرون للمشهد. أما السيناريست محمد هشام عبيه، فيرى أن الفن فى جوهره «أرض واسعة» تتسع للتجريب والمحاولة، وتحتمل الصواب والخطأ معاً، ويقول: صحيح أن جزءاً من الفن قد يكون انعكاساً مباشراً للواقع، لكنه فى الوقت نفسه يملك الحرية الكاملة لأن ينطلق بخياله إلى ما يتجاوز الواقع، أو يبتكر عوالم خيالية بحتة لا ترتبط به. ومن هذا المنطلق، يوضح عبيه أن تقييم الأعمال الفنية - سواء تناولت العنف أو الرعب أو الاكشن أو غيرها - ينبغى أن يكون وفق مقاييس الفن ذاته، لا مقاييس الواقع، فإذا نجح العمل فى تحقيق إبداع حقيقى وترك أثراً فى وجدان المتلقى، فإنه يحسب فناً جيداً، حتى لو بدا غريباً أو غير مألوف لذائقة بعض الجمهور أو حتى غالبيته، أما إذا افتقد هذا الأثر، فإنه لا يعدو كونه مجرد محاولة عابرة فى سماء الإبداع، سرعان ما ينساها أصحابها والجمهور معاً. أما الفنان عبد العزيز مخيون فيؤكد أن العنف غير المبرر مرفوض تماماً؛ لأن الهدف الأساسى من الفنون هو الارتقاء بوعى الناس وتهذيب مشاعرهم، لا إثارتها أو دفعهم لتقليد سلوكيات سلبية يرونها على الشاشة. ويضرب مثالاً بما يقدم أحياناً من مشاهد بلطجة وعنف، قائلاً إن تقليدها فى الشارع أصبح خطراً حقيقياً، وهو ما لا يجب أن يطرح كفن، لأن الإغراق فى مشاهد مخالفة للقانون لمجرد جذب الجمهور أمر يسىء للفن والمتلقى معاً، بل ويدفع الجمهور الواعى إلى النفور من هذه الأعمال. وفيما يتعلق بعكس الواقع، يوضح مخيون أن التذرع بتصوير الواقع لا يبرر الإغراق فى مشاهد الجرائم، مشدداً على أن نقل الواقع لا بد أن يتم بشكل فنى راقٍ يراعى القيم والمقاييس الأخلاقية للفن، وقبل ذلك كله ضمير الفنان نفسه، فالمسألة ليست فى ملء الشاشة بمشاهد صادمة باسم الواقعية، بل فى تقديم معالجة تجعل العمل مؤثراً من دون أن يجرح الشعور العام أو يرسّخ السلوكيات السلبية. ويختم بالقول: الفنان عندما يكون لديه ضمير يقظ، يستطيع أن يقدم أى موضوع مهما كان قاسياً، لكن بطريقة تحافظ على إنسانية الجمهور. ويرى الفنان أحمد صادق أن العنف لم يكن يوماً انعكاساً حقيقياً للواقع، بل إساءة له، معتبراً أنه لا يشكل إضافة للفن بأى حال، بل يجرّه إلى مستوى متدني بمفرداته وسلبياته، ويوضح أن تقديم العنف فى الدراما قد يكون مقبولاً إذا جاء فى إطار «تيمة» أو حبكة درامية، لكن المهم هو كيفية تقديمه: هل هو عنف فرض سيطرة؟ أم تعبير عن كسر إرادة؟ فالعبرة ليست بوجود العنف فى ذاته، وإنما بالرسالة التى يخرج بها العمل، ومن وجهة نظره، لا بد أن يظهر العنف كحالة مؤقتة تنكسر فى النهاية أمام قيم الخير والجمال والحب، لا أن يتحول إلى المحور الأساسى للعمل. ويفرق صادق بين العنف و«الأكشن »، إذ يرى أن الأكشن يختلف لأنه غير موجود فى الواقع بنفس الصورة، بل ينبع من خيال المؤلف، فإذا قُدِّم بأسلوب ممتع وجاذب، بعيداً عن الدم والإغراق فى المشاهد العنيفة، فإنه يصبح مقبولاً ومحبباً. وأشار إلى أن بعض الجمهور بات يصدق الشخصيات الدرامية كما لو كانت موجودة فى الواقع، ليصبح الواقع فى النهاية مقلداً للفن لا العكس. أما عن أعمال الرعب، فيؤكد صادق أن تقديمها يتطلب دراسة دقيقة لتفاصيل هذا اللون الفنى، مشيراً إلى مسلسل «الكبريت الأحمر» الذى كتبه الدكتور عصام الشماع، يعد مثالاً جيداً للرعب الدرامى المكتوب بعناية، فى المقابل يرى أن مسلسل «المداح»، الذى امتد لخمسة أجزاء، لا يمكن اعتباره رعباً بقدر ما هو حالة مختلفة. ويضيف: كنت أتمنى أن نرى رعباً حقيقياً من نوع آخر، مثل المزج بين الماضى والحاضر داخل قصر مهجور، أو رعب المكان الذى يثير خيال المشاهد. وفيما يخص قضية تناول المخدرات، يرى صادق أن الفن الذى يتناول هذه القضية لا بد أن يقدَّم فى إطار تجربة إنسانية ودراما حقيقية تظهر بوضوح أن المخدرات تدمر الإنسان، ويستشهد بفيلم «شاويش نص الليل» بطولة فريد شوقى، باعتباره نموذجاً لفن صادق ومؤثر فى مواجهة هذه الآفة.