يكشف اللقاء بين رئيس الوزراء والرئيس الصيني على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون بلس عن لحظة سياسية واقتصادية بالغة الأهمية في مسار العلاقات المصرية الصينية فأول ما يلفت الانتباه هو أن الصين حرصت على تأكيد مكانة مصر باعتبارها شريكا استراتيجيا لا غنى عنه في المنطقة مستندة إلى عضوية القاهرة في منظمة شنغهاي كأول دولة عربية وأفريقية وهذه الخطوة ليست مجرد رمزية بل تعكس إدماج مصر في توازنات آسيوية جديدة تتجاوز الإطار التقليدي للتحالفات الغربية خصوصا في ظل النظام الدولي المتقلب ومحاولات القوى الكبرى إعادة صياغة خرائط النفوذ.
ومن زاوية اقتصادية بدا لافتا أن الرئيس الصيني لم يكتف بتأكيد استمرار عمل الشركات الصينية في مصر بل أشار بوضوح إلى التوسع في الاستثمار والإنتاج المشترك مع التركيز على القطاعات المستقبلية مثل الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وتحلية المياه وهذا يعكس إدراك بكين أن مصر ليست مجرد سوق استهلاكية بل قاعدة استراتيجية للإنتاج والتوزيع في الشرق الأوسط وإفريقيا وبالمقابل بدا خطاب رئيس الوزراء المصري أكثر حماسة في استدعاء الأمثلة مثل نجاح تيدا لإقناع الصين بزيادة انخراطها الاستثماري لكن هنا تظهر ملاحظة نقدية فمصر تضع آمالا كبيرة على التمويل والاستثمارات الصينية وهو ما يتضح من ترحيبها بإصدار سندات الباندا وتوسيع تبادل العملات الوطنية وهذا التوجه على الرغم من أنه يخفف الضغط على الدولار قد يحمل مخاطر اعتماد مفرط على التمويل الصيني في ظل ما شهدناه من تجارب بعض الدول النامية مع مبادرة "الحزام والطريق" التي ترافقت مع أعباء ديون متزايدة ومن الناحية السياسية لم يكن اللقاء خاليا من الرسائل فالصين أكدت دعمها لموقف مصر في حماية السيادة وفي المقابل حصلت على تجديد مصري لمبدأ "الصين واحدة" كما حرص الرئيس الصيني شي جين بينج على إظهار دور مصر كوسيط في قضايا الشرق الأوسط والبحر الأحمر وهو ما يكرس القاهرة كفاعل إقليمي قادر على الاستفادة من شبكة تحالفات متوازنة مع كل من واشنطن وبكين وموسكو.
إن الرمزية الثقافية أيضا لم تغب فالحديث عن المتحف المصري الكبير واحتفالية مرور 70 عاما على العلاقات يضفي بعدا ناعما في مسار العلاقات ويمزج بين القوة الناعمة والتكامل الاستراتيجي ويبرز هذا اللقاء بلا شك أن العلاقة المصرية الصينية في مرحلة تحول من الشراكة التقليدية إلى شراكة استراتيجية عملية مبنية على الاستثمار المشترك والتموضع السياسي في نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب ومع ذلك يبقى التحدي أمام القاهرة هو كيفية إدارة هذه العلاقة دون الوقوع في فخ الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي مع الاستفادة القصوى من التكنولوجيا الصينية وتوسيع قدرتها الذاتية على الإنتاج وهكذا يتضح أن لقاء رئيس الوزراء بالرئيس الصيني لم يكن مجرد محطة بروتوكولية عابرة بل لحظة تكثفت فيها دلالات السياسة والاقتصاد معا حيث تلاقت الرؤية المصرية الساعية إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعا واستقلالا مع انفتاح صيني يتجاوز حدود الاستثمار التقليدي إلى آفاق الشراكة الإستراتيجية وإن ما خرجت به مصر من دعم سياسي واقتصادي وثقافي يفتح أمامها أبوابا واسعة لتثبيت حضورها في النظام الدولي الجديد ويمنحها رصيدا إضافيا في معركة التنمية وتعزيز السيادة.