تمر اليوم الأحد ذكرى رحيل الشاعر والصحفي الكبير كامل الشناوي، أحد أبرز وجوه الأدب العربي في القرن العشرين، الذي اقترنت سيرته بالإبداع والشجن والظرف، وبحكاية حب مأساوية ظلت تلاحقه حتى وفاته في نوفمبر 1965.
ولد الشناوي في السابع من ديسمبر 1908 بقرية نوسا البحر بمحافظة الدقهلية، بعد أشهر قليلة من وفاة الزعيم مصطفى كامل، فاختار والده - الشيخ سيد الشناوي القاضي الشرعي ورئيس المحكمة العليا الشرعية - أن يطلق عليه اسم "كامل" تيمنا بالزعيم الراحل.
نشأ في أسرة عريقة تجمع بين العلم والمكانة الاجتماعية، وكانت والدته صديقة هانم بنت سعيد باشا من سيدات القرية المرموقات، وهو الشقيق الأكبر للشاعر الغنائي مأمون الشناوي، كما كان عمه الإمام الأكبر الشيخ محمد مأمون الشناوي شيخ الأزهر.
التحق كامل الشناوي بالأزهر خمس سنوات قبل أن يتجه إلى المطالعة الحرة ومجالس الأدباء، ويدرس الآداب العربية والأجنبية.. بدأ حياته الصحفية في "الوادي" مع طه حسين، ثم "روز اليوسف" مع محمد التابعي، وتنقل بين "آخر ساعة" و"المصور"، قبل أن يتولى رئاسة قسم الأخبار في "الأهرام" عام 1954، ثم رئاسة تحرير "أخبار اليوم" حتى رحيله.
كان يقول عن نفسه: "ما بقتش في شعري صحفي، لكن أصبحت شاعرا في صحافتي"، وهي عبارة تلخص مسيرته التي جعلت من الشعر جوهرا لكتاباته الصحفية.
عرفه الوسط الأدبي بذكائه الحاد وخفة ظله وتلقائيته في صناعة النكتة والقفشة، حتى وصفه أنيس منصور بأنه "آخر ظرفاء الأدب والصحافة"، غير أن هذه الروح المرحة كانت تخفي ألما دفينا بدا واضحا في قصائده العاطفية.
أبدع الشناوي عددا من الأعمال، من بينها: "اعترافات أبي نواس"، "أوبريت جميلة"، "الليل والحب والموت"، و"أوبريت أبو نواس"، وغنى له كبار الفنانين أعمالا أصبحت علامات في الوجدان العربي، منها:لأم كلثوم "على باب مصر"، ولعبد الوهاب "الخطايا" و"نشيد الحرية"، ولعبد الحليم حافظ "لست قلبي" و"حبيبها"، ولنجاة "لا تكذبي" أشهر قصائده العاطفية، ولفريد الأطرش رائعتي "عدت يا يوم مولدي" و"لا وعينيكي"، فكانت قصائده العاطفية قصصا مغناة يشعر قارئها بأنه يعيش حكاية حب لا مجرد أبيات شعر.
لقب بـ"الشاعر المحروم" بعدما عاش تجربة حب مأساوية لازمت حياته، كما يروي رجاء النقاش في "شخصيات لا تنسى"، وكشف مصطفى أمين جانبا آخر من هذه المعاناة حين ذكر أن الشاعر كان يزور المقابر يوميا ليتعود على الجو الذي سيعيش فيه إلى الأبد، وقال عنه العقاد عبارته الشهيرة "لا تزال كما أنت، لست صغيرا ولا تريد أن تكون كبيرا"، وقد ظل هذا الجرح يؤلمه حتى قيل إنه مات مكتئبا دون مرض يذكر.
ورغم موهبته الكبيرة، لم يدون كامل الشناوي سوى ديوان صغير أصبح كنزا محببا لعشاق شعره، ويرى الكثير من النقاد أنه كان قادرا على منافسة نزار قباني لو أخلص للشعر وأبعد نفسه عن صخب الصحافة والسهر.
قبل عام من وفاته، عاش تجربة قريبة من الموت حين غاب عن الوعي ورآه رأي العين، فوصف ما حدث بأنه "بروفة للموت"، أدرك حينها أن النهاية تقترب، وقد صدق إحساسه.
كان الشناوي واسع الثقافة، تعلم الصحافة بالممارسة، وتمتع بذاكرة قوية وحضور مبهر في الأوساط الفنية والأدبية، وأحب تشجيع المواهب الشابة مثل عبد الحليم حافظ وبليغ حمدي، وأخلص للفصحى طوال حياته، بينما اتجه شقيقه مأمون إلى العامية، ليصبح كلاهما علما في مجاله.
بقيت قصائده - خصوصا "لا تكذبي" و"عدت يا يوم مولدي" - شاهدا على شاعر عاش الحب حتى الألم، ولم يزل يحافظ على مكانته كأحد أبرز شعراء العاطفة في العصر الحديث.