تعود الأديبة المصرية منال رضوان إلى فضاء السرد الروائي، بعد حضور لافت في مجالي النقد والشعر، مقدّمة رواية جديدة بعنوان «سماء مغادرة»، تنشغل فيها بالقلق والتحوّل والبحث عن الذات المثقلة، في سياق إنساني مشحون بالخوف الوجودي وتداعياته، ضمن مناخ ضاغط يفرض أسئلته على الأفراد والمجتمع.
«سماء مغادرة».. سرد يعتمد لغة تميل إلى التكثيف والتأمل
صدرت الرواية حديثًا عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأرْدُنّ، وتبدأ أحداثها متزامنة مع الضربات الإسرائيلية على طهران في الساعات المبكرة من صباح 13 يونيو 2025، حيث تنعكس هذه اللحظة المفصلية على مصائر أبطال الرواية، من خلال سرد يعتمد لغة تميل إلى التكثيف والتأمل، مع توظيف واضح للبُعد النفسي في بناء المشهد السردي وتشكيل الشخصيات.
سياق درامي معاصر مجموعة من القضايا الثقافية والإنسانية العميقة
وتجمع «سماء مغادرة» بين السرد الروائي والتأمل النفسي والمعالجة السياسية الواقعية، وتطرح عبر سياق درامي معاصر مجموعة من القضايا الثقافية والإنسانية العميقة، من خلال ثيمات رئيسية، أبرزها:
- القلق والبحث عن الذات: إذ تتحرك الشخصيات داخل بيئة ضاغطة تزرع الخوف وتدفعها إلى محاولات متكررة للهروب من واقع غامض.
- الاغتراب والتوتر: حيث تتسم أجواء الرواية بتوتر كثيف يعكس شعور الاغتراب في مدينة منهكة، تتسابق فيها الشخصيات مع الزمن.
- البعد النفسي والتأملي: تعتمد الرواية لغة مكثفة متصلة بالحالة النفسية للشخصيات، مدعومة بعناصر وصفية تجعل القارئ شريكًا في تجرِبة الضياع والعنف الداخلي.
- التوثيق التاريخي والسياسي: من خلال موازاة السرد الروائي مع حدث سياسي معاصر، بما يمنح النص بعدًا توثيقيًا لمرحلة تاريخية مضطربة وتأثيرها على الحياة اليومية للأفراد.
وتفتتح الرواية بمشهد دالّ للحياة في شارع مدينة متعبة، تقول فيه: «كانت تجري، وربما تُسحب بخيطٍ خفيّ… الوجوه تتشابه في ملامحها المذعورة… الأصوات تتلاشى… لم يبقَ سوى ارتجافٍ خافت في صدرها».
وهو استهلال يعكس حالة الارتباك والتوتر النفسي التي تهيمن على وعي الشخصية في مواجهة واقع غير مألوف.
وتتميز «سماء مغادرة» من حيث الموضوع بتناولها المتوازي للقضية الإنسانية والسياسية، بما يجعلها نصًا متفاعلًا مع هموم الواقع المعاصر، ومن حيث الأسلوب بلغة سردية معاصرة مكثفة تُعلي من شأن البعد النفسي للشخصيات وعلاقتها بالأحداث، فضلًا عن قيمتها الأدبية التي تتجلى في تصوير واقعي لأجواء الاضطراب، والبحث في أسئلة الهُوِيَّة والأمان داخل عالم شديد الهشاشة، بما يفتح أفقًا للتأمل والتفاعل العميق لدى القارئ.
ومن أجواء الرواية نقرأ:«لم يكن صباحًا عاديًّا في طهران، عاصمة البلد الذي أنجب غزليات المتصوفة وأشعار الدراويش، الشيرازي، العطار، الرومي وأستاذيه، جامي وأشعاره الرقيقة، مئات السقاة وآلاف النصوص من عصر صبا إلى نيما وما بعدها، تلك الأرض التي تنفست شعرا ونثرا، تنبض هذا الفجر بخوفٍ تكتمه الحناجر التي اعتادت الصمت تحت فحيح العسس.
شيء غامض قد وقع، وإن كان الناس يتهامسون به قبل سنوات، هذا اليقين لا يحتاج إلى برهان؛ لابد وأن يدفع الأبرياء ثمن الرهانات الخفية والحسابات المتخمة بغطرسة التشدد منذ عقود، فقط الخوف، أنه في الحروب لا تمطر السماء جمارها، لكن القلوب تفعل أيضًا.
في أحد شوارع المدينة المتعبة، كانت تجري، وربما تُسحب بخيطٍ خفيٍّ لا تدري مصدره، الأقدام تتدافع نحوها، تلاحقها، تُغلق عليها كدوائر ماء تشدّها نحو قاعٍ بارد، الوجوه تتشابه في ملامحها المذعورة، الأصوات تتلاشى، تفر مثلهم إلى طريق لا تعرفه، ولم يبقَ سوى ارتجافٍ خافت في صدرها؛ وهذا القلب يطارده خوف السقوط.
فجأة، وجدته أمامها، أطبق على كفها، لمسته بدت كبرق في سماء محمومة، لكنها منحتها شيئًا من عودتها إلى ذاتها.
لم تُفكر، استسلمت ليده، عانقت أثر خطواته في أزقّةٍ لا تعرفها، طرقاتٍ لم تتبين وقع أقدامهما، رغم شعورها أنها اختبرتها من قبل، كما لو كانت تئن بحنينها من ذاكرةٍ بعيدة، أو ربما رأتها في أحد أحلامها الكثيرة.
سرعان ما شقت الأبواق سكون المدينة، صفّارات الإنذار تملأ المقاهي التي تبث نشرات الضربات الإسرائيلية منذ فجر اليوم، العاصمة تتفتّت على قنوات الأخبار، التي اعتادت تقسيم شاشاتها إلى مربعات صغيرة تعكس جنون العالم وتخبطه، في ذلك كله، كانت هي خارج الضجيج، في عزلةٍ تامّةٍ كمن يعجز عن تأويل أضغاث لا تخصّه.
سارا جنبًا إلى جنبٍ، حتى كادا يذوبان في ظل واحد، بدت خطواتهما المتسارعة كأنها تترك أثرًا شمعيًّا على الأرض الملتهبة.
اقتربا إلى الفندق الذي تسكنه منذ مجيئها إلى طهران قبل أسبوعين، وعند مفترقٍ أخير، توقّف، أخرج من حقيبة ظهره عباءة زرقاء مخملية موشّاة بخيوطٍ ذهبية، مدّها نحوها بصمتٍ.
نظراته الدامعة، تعثّرت كما كلماته بحضورها، كأنها المرة الأولى التي يسمع صوتها.
همست إليه:
- يُوسُف.. أيعني هذا أن نفترق الآن؟
هل انتهت الرحلة؟
معك كدت أعرفني، كدت أجد اسمي الذي ألفظه، كما قال سعيد، أنصتت روحي إليّ، وإن كنت لم تنادني يومًا، كيف لم أنتبه قبل اليوم؟ كأنني عشت أربعة عقود بلا اسم!
توقّفت اللحظة، كنبوءةٍ تأخّرت كثيرًا عن موعدها.
اقترب إليها، متمتمًا بكلماتٍ قليلة، وكأنما يلقي وديعته بين شفتيها.
دوّامة من الغبار تهبّ فجأة، السماء تُسدل رمادها، والوجوه تتبدّد تشبه أطيافا تفر من كابوس غاضب، لترى أمامها نبيل، جامي، عجايبي، دعاء، أسيا، تتقدمهم زليخة امرأة الحلم، ترتدي رداءً أبيض، وتبتسم في رفق كأنها تستمع معها إلى اسمها للمرة الأولى...».
من هي منال رضوان؟
منال رضوان روائية وقاصة وشاعرة وناقدة أدبية مصرية، تشغل منصب رئيس التحرير التنفيذي لموقع «أوبرا مصر» الإخباري، رئيسة لجنة الإعلام بجمعية الصداقة المصرية الروسية، تولّت الأمانة العامة للجنة المسابقات بمؤسسة أمارجي السومرية، عضو في كلّ من اتحاد كتاب مصر ونادي القصة المصري.
من مؤلفاتها الأدبية: بلكونة نحاس (رواية)، سنوات الجراد (قصص)، أنا عشتار (شعر)، طقس اللذة (قصص)، قربان لا تأكله النار (شعر)، أضغاث صحوتي (سيرة ذاتية)، حب وبعاد (رباعيات)، بنت بحر (شعر بالعامية)، بين المصطلح والمفهوم.. قراءات في الرواية العربية الحديثة (نقد)، أبواب كثيرة لعدن (شعر)، المجد للطرقات الوحيدة (شعر).