في القرون الماضية برز تساؤل ظلّ حائرًا بعض السنوات عن الصلة بين العلم، من ناحية، والثقافة الأدبية والفنية، من ناحية أخرى، حتى استقرّ أمر السؤال الحائر بإقرار عدم التعارض وواقعية التفاعل، وهنا تبرز أهمية الرسالة التثقيفية للمؤسسات التثقيفية والتربوية من: المدارس، والجامعات، والمساجد، والكنائس؛ وذلك استمرارا لرسالتها عبر العصور، والتي أدّت دورها التثقيفي منذ أقدم العصور. تجلّى ذلك في الدور التثقيفي والتنويري في الحرمين الشريفين: المكي، والمدني، وصولا إلى المسجد الأموي في دمشق، ومساجد جزيرة صقلية بالبحر الأبيض المتوسط، ومساجد الأندلس في شبه جزيرة أيبيريا، في قرطبة، وأشبيلية، وغرناطة، وغيرها، وفي مصر حيث الجامع الأزهر الذي أنشأه جوهر الصقلي منذ 972م بأمر المعز لدين الله الفاطمي، تيمّنًا بالسيدة الزهراء، وكان القصد أن يكون منبرًا شيعيًا، فصار منبرًا سنيًا، ومنارة سنّية، وسُمّي شيوخه وعلماؤه (خَدَمة العلم)، وذلك قبل أن يصبح جامعة ذات كليات حديثة منذ سنة 1936، والجامع الزيتونة في تونس منذ 1283، وغيرها.
وحملتْ مصر الريادة التثقيفية في العصر الحديث في العالم العربي، والإسلامي، وفي أفريقيا وجزء من آسيا، وأثمرتْ الجامعة الأهلية بمصر التي أُنشئت في 21/12/1908 بالجهود الذاتية، وبتبرع بعض أفراد من أسرة محمد علي بالأراضي والمباني، قبل أن تصبح جامعة حكومية سنة 1925 باسم راعيها آنذاك، أحمد فؤاد، ولتصبح سنة 1952 جامعة القاهرة، وليتخرج فيها أعلام الثقافة وروادها بمصر والعالم العربي والإسلامي، وأماكن بالعالم الغربي، ثم تتابعت مسيرة الجامعات الأخرى: الإسكندرية 1942، فعين شمس 1950، وهكذا مضت المسيرة.
في تلك المسيرة قادت الجامعات الثقافة، بمفهومها الواسع الشامل: العام، والتخصصي الدقيق، وقادت فكر المجتمع، ولم تنعزل عنه.
أما الآن.....
ونحن أمام التقدم والتطور الهائلين في المجالات العلمية والتكنولوجية وفي وسائل التواصل، حتى صار العالم "قرية صغيرة"؛ أمام ذلك كله نجد أنفسنا أمام تساؤلات حائرة حول مستقبل بعض القضايا، ومنها:
ثقافة الحرية ـ ثقافة الديمقراطية ـ ثقافة الحوار ـ ثقافة الاختلاف ـ ثقافة الآخر ـ ثقافة حقوق الإنسان ـ ثقافة الممارسة السياسية ـ ثقافة الانتماء والولاء للوطن ـ ثقافة الابتكار والاختراع، لا التقليد والمحاكاة ـ الحرب الثقافية، التي استبدلت بالسيف القلم، والتي تجلّت بعد اندلاع حرب الخليج 1990، والتي شُرحت في كتب عديدة شهيرة مثل:
(الحرب الثقافية)، و(الحرب الباردة الثقافية)، و(أوروبا والتحدي الثقافي)، وظهور الطبعة البريطانية من الكتاب الفاضح الكاشف للمستور (من الذي دفع للزمار؟)، طموحًا إلى بلوغ ما سمي القرن الأمريكي، في ظل العولمة، استمرارًا وتطويرًا لما عرفه تاريخنا من التبشير، والاستعمار، والاستيطان الصهيوني.... من مثل ما عرف من دعوات في نهاية القرن الماضي:
"نهاية التاريخ وخاتم البشر" لفوكوياما، انتصارًا للنموذج الغربي.
و"صراع الحضارات أو صدامها، وإعادة صنع النظام العالمي" لهنتنجتون 1993.
وكتاب "وسط المؤمنين، وما بعد الإيمان" لنايبول 1998، وغيرها.
حتى كانت مؤامرة 11 من سبتمبر 2001 في أبراج نيويورك الشهيرة؛ تمهيدًا لفتح باب الذرائع والمبررات للبطش والغزو والتدمير بلا حدود أو قيود، ثم ما أعقب ذلك حتى يومنا هذا.
هنا يحق للمتأمل أن يتساءل: ما مستقبل موقف الثقافة والمثقفين؟
يبرز هذا التساؤل أمام ظاهرة ازدواجية المهام والأدوار المتمثلة في تعدد الجهات التثقيفية والتنويرية بين أكثر من جهة دون تخطيط تفاعلي، أو تنسيق تكاملي بين التعددية الهائلة في:
1 ـ الثقافة العمالية.
2 ـ ومن داخل وزارة الثقافة:
أ ـ المجلس الأعلى للثقافة.
ب ـ هيئة قصور الثقافة.
ج ـ مركز الإبداع.
د ـ الهيئة العامة للكتاب.
هـ ـ دار الكتب والوثائق القومية.
3 ـ مجمع اللغة العربية منذ إنشائه في ديسمبر 1932.
4 ـ في وزارة الشباب.
5 ـ وفي الإعلام الذي يستند ـ أساسًا ـ إلى محتواه المتمثل في المادة الثقافية والفكرية.
6 ـ الجامعات والمدارس، على مستوى وزارتين كبريين، حيث تتعدد منافذ الثقافة والمثقفين.
هكذا...... نجد:
غياب التنسيق بين تلك الجهات وغيرها، من ناحية، وبينها مجتمعة وبين الجامعة، من ناحية أخرى، بما يقتضي ضرورة إعادة النظر بالدمج، أو التصفية، أو تحديد المجالات، أو التعاون المشترك؛ إذ يمكن تركيز مهمة التعليم في الثقافة المتكاملة، وربط هذه الثقافة المتكاملة بالمجتمع؛ تطبيقًا لمبدأ ربط الثقافة بالمجتمع في مستقبل العقود القادمة من القرن الحالي.