يتطلع الكثيرون منا إلى معرفة كيف سيكون عليه حال عالمنا في المستقبل بعد بضعة عشرات من السنين. ولذلك نعود بالذاكرة وبالتاريخ للوراء، فنرى ما كانت عليه الأوضاع في مختلف الأمور، ونرى حجم التقدم في الماضي، ونقيس عليه قدر التقدم الممكن في المستقبل، ونكتشف أن الأمور لا تُقاس بهذه البساطة. ونرى أن التقدم عملية متوالية لا تتوقف، لكن الجديد ليس في التقدم بذاته، وإنما في «سرعة التقدم»، فهي العنصر الحاكم الجديد. ومن أمثلة ذلك:
صنع المصريون القدماء القوارب والسفن الصغيرة من نبات البردي، وتوسعت الصناعة لتستخدم الأخشاب في سفينة سيدنا نوح الذي ألهمه الله كيف يصنعها، حتى بلغنا مراحل متقدمة في صناعة النقل البحري. فيوم أُغلقت قناة السويس نتيجة للعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 كانت أكبر ناقلة بترول احتُجزت في القناة لا تتجاوز حمولتها الأربعين ألف طن. ولأن الدوران في مسار «رأس الرجاء الصالح» كان أكثر تكلفة، فقد اتجهت الصناعة لتعويض فارق التكلفة بإنتاج ناقلات ذات حمولات عملاقة، حتى بلغت حمولة المليون طن غير الاقتصادية وشديدة الخطورة بكم الوقود الذي تحمله، فصار الحجم الأمثل للناقلات يدور حول 450 ألف طن القادرة على عبور قناة السويس، ووصلت إليه الصناعة في أقل من عشر سنوات، في حين كانت قد بلغت حمولة الأربعين ألف طن في مئات، بل في آلاف السنين.
ويحكي التاريخ أن «عباس بن فرناس» فشل في محاولة الطيران بجناحين، وظل العالم يحاول الطيران حتى نجح الأمريكيان الأخوان «ويلبر وأورفيل رايت» في تحقيق ذلك بمحرك يتحكم في طائرة أثقل من الهواء، انطلقت في ديسمبر سنة 1903 من «كارولاينا الشمالية»، وهو ما فتح الباب أمام عصر الطيران الحديث. وقد توصل الأخوان لاختراعاتهما بعد سنوات من التجارب على الطائرات الورقية والشراعية ومراقبة حركة الطيور وطرقها في الارتفاع والانخفاض، وابتكرا أنظمة للتحكم مثل «انحناء الجناح» للدوران ولضمان الاستقرار. وكنا قد بلغنا منتصف عقد الخمسينيات عندما قرأنا إعلانًا لمصر للطيران تصف فيه طائراتها بأنها «البولمان الطائر»، ذلك لأنها كانت تسع أربعين راكبًا فيما يشبه حجم «الأوتوبيس البولمان»، وهو ما بلغه العالم بعد مئات السنين من المحاولات، قبل أن يقفز في بضعة عشرات من السنين لينتج الطائرات العملاقة التي تنقل سكان قرية صغيرة من ألف راكب، أو 850 راكبًا ومعهم أمتعتهم، في عصر طائرات «البوينج» و«الإيرباص».
الجديد أيضًا، بجانب السرعة الفائقة للتغيير والتطور، هو وسائل نقل وتخزين المعلومات التي لم نكن ندري بها. فمن منا كان يتوقع أن «الموسوعة البريطانية» التي تشغل أكثر من ثلاثين جزءًا وتحتل جانبًا كبيرًا من مكتباتنا، انتقلت إلى الجهاز المحمول الذي نضعه في جيوبنا، مع قائمة لا حدود لها من المراجع والمصاحف والكتب والمعلومات وملايين الأحداث والشخصيات.
ويكثر حديثنا عن «مال قارون» الوفير، والذي وصفه القرآن الكريم في سورة القصص بقوله تعالى:
(وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)،
فإذا بنا اليوم نمتلك حسابات في البنوك لا تحتاج إلى خزائن ومفاتيح، بل نديرها ونحركها لآخر الدنيا بضغطة على «مفاتيح» حواسبنا الآلية.
ويعلمنا القرآن الكريم طرقًا مختلفة لحساب الزمن بقوله في سورة السجدة:
(… فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (5).
وقد مكث النبي نوح عليه السلام في قومه يدعوهم إلى الله «ألف سنة إلا خمسين عامًا» (أي 950 عامًا)، أمضاها في دعوتهم قبل وقوع الطوفان، وهو ما تشير إليه الآية القرآنية:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا).
وهذه الآية من سورة العنكبوت هي الدليل القرآني المباشر على هذه الفترة الطويلة من الدعوة. وهذا في الواقع ما يحدث لنا في غفلة النوم، فلا ندرك كم لبثنا نائمين حتى ننظر في ساعاتنا. وفي سورة الكهف:
(قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) (19).
وتوضح الآية الكريمة الوقت الذي لبثوه فعلًا في قوله تعالى:
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) (25).
وسبحان الله، فالتسع سنوات هي الفارق بين عدد أيام السنة الميلادية وعدد أيام السنة الهجرية، التي تقل بتسع سنوات عن الميلادية بفارق اثني عشر يومًا كل سنة، مضروبة في الثلاثمائة سنة التي أمضوها.
وتأتي عبارة «إن يومًا عند ربك بألف سنة مما تعدون» في الآية 47 القرآنية من سورة الحج، ومعناها أن مقياس الزمن عند الله يختلف تمامًا عن مقاييسنا البشرية؛ فاليوم عند الله يعادل ألف سنة من سنوات الأرض، وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى ليس مقيدًا بمقياسنا، وأن تأخير العقاب أو الحساب ليس نسيانًا، بل هو من تمام قدرته وأداة تمهل حكمته.
يدرك من يقرأ القرآن الكريم الإعجاز فيه بالكشف عن حقائق لم يدركها البشر إلا بعد عشرات السنين، مثل قوله تعالى في الآية (46) من سورة الحج:
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).
وهو الأمر الذي أدركه العلماء بعد مئات السنين من أن مركز التفكير هو القلب وليس الدماغ أو العقل. ووصف القرآن نظرية الخلق بدقة علمية بالغة. وبعد 1400 سنة من نزول القرآن جاءنا في البرازيل عالم مصري ليشارك في مؤتمر علمي، ودارت محاضرته حول تكوين الإنسان، ووضع عالمنا على شاشة العرض ترجمة للآية الكريمة الشارحة لتطور الخلق في سورة المؤمنون، والتي تبدأ من «سلالة من طين»، ثم نطفة (قطرة ماء مهين)، ثم «علقة» تتصل بجدار الرحم وتتغذى منه، ثم «مضغة» وهي قطعة لحم ممضوغة، وتُكسى المضغة عظامًا، ويُكسى العظام لحمًا، لتنتقل بعدها إلى خلق آخر بإنشاء وتسوية ونفخ الروح، وهو ما يبرز إعجاز القرآن في وصف النشأة الجينية، وهو الأمر الذي كان محل إعجاب ودهشة المشاركين من العلماء.
تنبهنا الآية (85) من سورة الإسراء إلى أن علم الإنسان مهما بلغ فهو قليل جدًا مقارنة بعلم الله الواسع، وأن الله لم يُطلع عباده إلا على القليل مما عنده، وتأتي في سياق الإجابة على سؤال المشركين إلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن الروح، حيث قال تعالى:
(قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).
وفي ذلك تنبيه للإنسان بألا يغتر بعلمه، وأن يعترف بقصور عقله أمام عظمة الخالق وعلمه اللامتناهي. وقد نزلت الآية للرد على الذين سألوا النبي (ص) عن الروح ليعجزوه، فأجابهم الله بأن الروح من أمره تعالى، وأن علمهم قليل. وفي سورة الكهف يجري الحديث بين سيدنا موسى وسيدنا الخضر عليهما السلام، فضرب الخضر مثالًا بأن ما يعلماه هو كـ«نقرة عصفور في البحر» من علمه تعالى. ويوضح المفسرون أن الحكمة التي أعطاها الله للعبد فيها خير كثير بحد ذاتها، لكنها لا تُذكر.
تعرض الكاتب الروسي «ياكوف بيلرمان» لمسألتي السرعة وفارق الزمن وكيفية التحكم فيهما والاستفادة بهما، وذلك في كتابه «الفيزياء المسلية» الذي نُشر في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، فناقش بأسلوبه المسلي فكرة طرحها الكاتب الفرنسي «جان جاك روسو» للقفز على المسافات والزمن بإيجاد وسيلة تجعل المسافر من باريس يرتفع في الفضاء قليلًا ويثبت مكانه ويهبط في لندن بعد ثوانٍ كافية للوصول إلى الهدف نتيجة دوران الأرض بسرعة فلكية. ويشرح «بيلرمان» كيفية استحالة الأمر، فالأرض تدور حول نفسها بسرعة تبلغ 1670 كيلومترًا في الساعة، ويدور معها الغلاف الجوي، وبالتالي فلو ثبت جسم في الفضاء يحترق نتيجة الاحتكاك بالغلاف الهوائي، وهي الصعوبة التي قابلتها لاحقًا صناعة الصواريخ والأقمار حتى توصلت إلى مادة تُغلف الأقمار والصواريخ غير قابلة للاحتراق بالاحتكاك.
ويناقش الكاتب الأمريكي «توماس فريدمان» أفكار التقدم والتخلف في أماكن مختلفة ولكن في الزمن نفسه، وذلك في كتابه «اللكزس وشجرة الزيتون» الذي صدر عام 1999، فيقارن بين عالم سيارة «التويوتا/اللكزس» والانفتاح على الأسواق العالمية، وبين عالم شجرة الزيتون، أو عالم الجذور والتقاليد والثقافة والهوية والأرض. ويستكشف الكتاب الصراع الدرامي بين هاتين القوتين وكيف يشكلان التوتر الأساسي في عالمنا المعاصر، مع التركيز على ضرورة إيجاد توازن بينهما. وقد دعانا السفير الأمريكي بالقاهرة لإفطار رمضاني لنناقش مع «فريدمان» الترجمة العربية لكتابه الذي يقدم تحليلًا للعولمة، يرمز فيه «باللكزس» للنظام العالمي الجديد والعولمة والتكنولوجيا والأسواق المالية والتحديث السريع والرفاهية والتقدم، وترمز شجرة الزيتون إلى عالم توقف منذ زرع الناس الشجرات وانتظروا سنوات ليحصلوا على ثمارها، بينما ينتج ثمانون عاملًا فقط خمسة ملايين سيارة «ليكسس» في السنة، ثلاثون منهم لا يشاركون في الإنتاج إلا بمتابعة عمل «الروبوتات» التي تقوم بالتصنيع وإصلاحها و«تزييتها».
عالمنا بعد مائة عام
يواجه التنبؤ بالمستقبل صعوبات كثيرة، أبرزها اختلاف المقاييس والموازين بين مكان وآخر ومن زمن لزمن، والمسائل كلها نسبية. فسرعة الأداء في عالم الأغنياء غيرها في العالم الأقل مقدرة، الذي نُهبت ثرواته على مرّ التاريخ. ولكن هل تبقى الدول النامية والأكثر احتياجًا في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية مستسلمةً لقدرها؟ أم أن الصحوة النسبية التي شهدتها في النصف قرن الأخير يمكن أن تعوض بعض ما جرى؟ وهل تتغير الأوضاع الاقتصادية الدولية للأفضل أم ستستمر الأزمات؟ وما مستقبل التنظيم الدولي، وهل يبقى على حاله ليلقى مصير عصبة الأمم؟ ومما يزيد صعوبة التنبؤ أن بعضًا من كبار اللاعبين في الموقف الدولي يتبنون مواقف هلامية، متغيرة وغير واضحة المعالم، وغير متوقعة (Unpredictable)، ومن هؤلاء:
* رئيس وزراء مطلوب لتنفيذ حكم محكمة العدل الدولية بالسجن، فأصبح لا يمكنه أن يغادر بلده، لأن غالبية ساحقة من الدول ستسلمه للمحكمة لو زارها. ويفسر ذلك سبب إلغاء زيارته للأرجنتين، وعدم مشاركته في مؤتمر السلام في مصر. وصار من مصلحته الشخصية مواصلة الحرب ليتجنب المحاكمة في بلده، والتي تطلبه في جرائم تمس الشرف.
* رئيس دولة عظمى يقول الشيء ويفعل عكسه، وبدأ مهمته بفرض إجراءات ضد صادرات أقرب حلفائه في أوروبا، وضد أكبر شريك تجاري له في الصين، غير مدرك أن ذلك يتعارض مع قواعد التجارة العالمية، ولا يحقق مصلحة لبلده لو عاملته تلك الدول بالمثل. ويرغب في ضم أكبر جيرانه – كندا – التي تتبع التاج البريطاني، كما يريد عودة احتلال بنما وقناتها. ويعلن عن خطط للسلام في فلسطين، ويحاول تهجير أهلها منها.
* تتمثل نقاط الضعف في الموقف العربي في جماعات مسلحة تقيم «دولة داخل الدولة» في بلدانها، مثل حزب الله اللبناني، وحماس في فلسطين، والحوثيين في اليمن، وقوات التدخل السريع في السودان، والجماعات المتشابكة في سوريا وليبيا، وغيرهم.
موقف صناعة السلاح، التي حذّرنا الرئيس الأمريكي «دوايت أيزنهاور» من تأثيرها على صانع القرار؛ فهي المستفيد الأكبر من الحروب، وقد باعت في السنوات الأخيرة بتريليونات الدولارات.
ولعلنا نناقش هذه الأمور واحدة تلو الأخرى في إطار سيناريوهات وبدائل متعددة، لعلنا نصل إلى صورة تقريبية لما نتوقعه خلال القرن القادم من الزمان:
تتزايد عالميًا حالة الضجر وعدم الرضا من الانتقال من توازن القوى الأربعة الكبار إلى توازن الرعب النووي بين قوتين، لينتهي الحال إلى انفراد قوة وحيدة بفرض ما تراه في صالحها، أو حتى في رؤية ناتجة عن عناد ليس في صالحها نتيجة غياب المعرفة أو حسن الاستماع لأقرب الناصحين. وقد صار التصويت في نظام الأمم المتحدة مستفزًا إزاء مواقف يتوافر فيها شبه إجماع على رأي، وتأتي دولة واحدة لتُلغي هذا الإجماع مستخدمة حقها في الاعتراض (الفيتو). وقد شهدنا ذلك مرتين على الأقل في السنة الأخيرة؛ مرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث صوّتت 152 دولة لوقف القتال في غزة وإدخال المساعدات وبدء التفاوض، لكن قرارات الجمعية العامة غير ملزمة. فلما انتقل الأمر إلى مجلس الأمن صاحب القرار الملزم، أيدت القرار 14 دولة من أصل 15، وانفردت الولايات المتحدة بالتصويت ضد القرار مستخدمة حق الاعتراض. فهل يستمر هذا الوضع؟ إن استمرار عرقلة العدالة قد يدفع النظام كله إلى الانهيار. والأمل هو في القبول بتوصيف الحق في الاعتراض والعودة لمبدأ «الاتحاد من أجل السلام»، وفيه تُحال القضايا – التي يخفق مجلس الأمن في علاجها – إلى الجمعية العامة، لتصبح قراراتها ملزمة بنفس قوة قرارات مجلس الأمن. وهو المبدأ الذي اقترحته الولايات المتحدة في الستينيات لمواجهة مبالغة الاتحاد السوفييتي في استخدام حق الفيتو.
على المستوى الاقتصادي يواجه العالم تحديين كبيرين:
1- الأول: مواجهة الرئيس الأمريكي لأقرب حلفائه الأوروبيين، وللصين أكبر شريك تجاري وحائز للدولار، بإضافة رسوم جمركية حمائية جديدة.
2- والتحدي الثاني: المديونية الأمريكية غير المسبوقة، والتي كادت بسببها أن تعلن إفلاسها، فأغلقت عددًا من مؤسساتها، وتخلت عن مساعداتها لدول حليفة عدا إسرائيل التي لديها «شيك على بياض». ولجأت الحكومة إلى الكونجرس ليسمح لها بمزيد من الاستدانة التي تجاوزت مرتين ونصف ناتجها القومي، وبدأت في الضغط على حلفاء الأطلنطي ليتحملوا بعض نفقات الدفاع. كما مارس الرئيس ضغوطًا على دول البترول الغنية كي تغذيه ببضعة مليارات من الدولارات. ومن الصعب تصور أن يستمر مثل هذا الوضع.
وبصورة عامة صارت أغلب اقتصادات دول العالم تنمو بالسالب، عدا عشر دول من بينها مصر، تحقق نموًا إيجابيًا ليس بكافٍ. ويبلغ معدل النمو في مصر حاليًا نسبة 5%، بينما بلغ النمو منذ نحو عشر سنوات نسبة وصلت إلى 7%. أنجب المصريون خلالها 27 مليون طفل، يمثلون ضعف سكان دولة كاليونان. والمتوقع أن تواصل مصر الحد من نسبة الزيادة السكانية بالتوازي مع تزايد معدلات النمو، وأن تبدأ المشروعات الجديدة في تحقيق عوائد أكبر، كمشروعات البنية الأساسية والصناعة والتوسع الزراعي وخدمات السياحة والإنشاءات والبنوك والعمالة في الخارج، لتؤكد مصر وضعها – بإذن الله – في مصاف القوى الإقليمية الرائدة.
الدول العربية ليست في أفضل أوضاعها نتيجة للنزاعات الطائفية والانقلابات. ومع ذلك حققت الدول العربية إنجازات ملموسة في علاقاتها البينية؛ فقد حررت التجارة السلعية باتفاقية للتجارة الحرة، وجانبًا كبيرًا من تجارة الخدمات في مجالات البنوك والفندقة والإسكان، وعقدت اتفاقية لتشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة، وأنشأت محكمة لفض منازعات الاستثمار مقرها الجامعة العربية. وتبقى الحرية الرابعة، حرية تنقل الأفراد، وتحتاج للمزيد من الجهد من أجل زيادة الاستثمارات في ثلاثة قطاعات ما زالت تشكل 70% من الواردات العربية، وهي:
1- صناعة الآلات، وبخاصة آلات الغزل والنسيج.
2- صناعة النقل والسيارات بأنواعها، والناقلات البحرية، وبخاصة للبترول، حيث إن الدول العربية هي أكبر مصدر بترول في العالم، ولا تنتج ناقلاته أو ناقلات الغاز المسال الذي أصبح يشكل جانبًا هامًا من إنتاج الطاقة.
3- الإنتاج الزراعي، وبخاصة الغذاء، فهناك فجوة في الميزان التجاري لهذا القطاع لغير الصالح العربي تبلغ أكثر من 55 مليار دولار.
الأوضاع الأمنية العالمية والإقليمية ليست في أفضل حالاتها، لولا استحالة قيام حرب عالمية بين الأطراف الكبرى نتيجة الرعب النووي، واتفاقية منع قيام الحرب بالخطأ بين أمريكا وروسيا. وتبقى صراعات بالوكالة بين أوكرانيا وروسيا، مع بارقة أمل نتيجة العلاقة الشخصية بين الرئيسين الروسي والأمريكي. وسيكون الحل غالبًا بتخلي أوكرانيا عن الأراضي كثيفة السكان الروس، والاكتفاء بعضوية أوكرانيا للاتحاد الأوروبي دون عضويتها في الأطلنطي المستفزة للروس. ويبقى التهديد قائمًا بين الصين واليابان وتايوان، وتوترات مناطق البلقان وغيرها.
تتوافر في الشرق الأوسط وإفريقيا عناصر توترات إقليمية، ويكمن الخطر الأكبر في «زراعة دولة» اقترحها نابليون لما أخفق في اقتحام «عكا»، فدعا الجالية اليهودية الأوروبية لاحتلال فلسطين، وتفصل المشرق العربي عن مغربه وتحافظ على المصالح الأوروبية. لكنه لم يكشف عن أهم أسباب هذا «الزرع»، وهو الكراهية التي تكنها أغلب شعوب أوروبا للطائفة المغضوب عليها، وتجعل الكثيرين يعبرون همسًا عن سعادتهم بالتخلص منها.
ولا شك أن أي عاقل يفكر في مستقبل «الدولة المزروعة» وسكانها الغرباء عن المنطقة سيصل بسرعة لقناعة أنه لا مستقبل لها إلا ربما بالتمسك بحل الدولتين. فالوضع الراهن ينبئ بنهايتها في الأجلين المتوسط والطويل على أساس:
1- الصمود الفلسطيني، وتفوق معدلات زيادة المواليد الفلسطينيين على معدلات الدولة الغريبة، بالرغم من قتل الأطفال وهجرة عشرات الآلاف من الفلسطينيين هربًا من العدوان. ولكن في المقابل بدأت مؤخرًا ظاهرة «الهجرة العكسية» للإسرائيليين الوافدين من بلدان أوروبا المتقدمة، وبلغت أعدادهم منذ أكتوبر 2024 أكثر من نصف مليون، خاب أملهم في «أرض الميعاد المزعومة» ووجدوا أن بلدانهم الأصلية أولى بهم.
2- نضيف لهؤلاء «مأزق يهود الفلاشا» الذين نقلتهم إسرائيل من الحبشة وبلدان إفريقية على أنهم يهود، ثم تبين أن أغلبهم ليسوا بيهود، بل بلا دين، ومتسللون وراء وهم إمكانية العيش الأفضل، ويجري التخلص منهم. وبهذا سنرى خلال فترة متوسطة من عشر إلى عشرين سنة دولة يصبح فيها الفلسطينيون أغلبية.
3- أي مستقبل ينتظر دولة محدودة العدد محاطة بأعداء على كافة حدودها؟ وهي بحكم تعدادها الصغير نسبيًا لا تقوى على إدارة حرب طويلة الأمد، ولا تقوى بالتبعية على حرب في عدة جبهات، وما أكثر أعداءها.
ويبقى من التطور موضوعًا سيظل يشغل البال في القرن القادم، ويتعلق بالذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات واستخدام الإنسان الآلي (الروبوت). وقد سبق للعالم أن واجه موقفًا شبيهًا وقت الثورة الصناعية والتوسع في استخدام الآلات، الأمر الذي أقلق المنظمين وطبقة العمال من أن تحل الآلة محل العامل فيفقد وسيلة عيشه. لكن التوسع في استخدام الآلة في الصناعة خلق عمليًا وظائف أكثر تخصصًا لأولئك الذين يشغلون الآلات ويصلحونها ويطورونها، مما خلق عالمًا أكثر تنوعًا وأكبر إنتاجًا ودخلًا. وهو ذات الأمر المتوقع في عصر الروبوت والذكاء الاصطناعي، فيتحول الإنسان لما هو أكثر ربحًا وأعمق تأثيرًا.