في أروقة التاريخ وإشراقة الحضارة، تتلألأ النجوم الخالدة، وعلى صفحات الزمن حيث تُنقش سِيَر العظماء أهدانا الإسلام «شمسٌ لاتغيب» تسطع في سماء الإيمان والعطاء، خلدها إيمانها ومواقفها القوية دفاعًا عن ديننا الحنيف تنشد ثواب الآخرة والهدى للبشرية كلها؛ فتركت أثرًا كبيرًا محفوظًا في ذاكرتنا ووجداننا وهدى وبوصلة لنا في الطريق إنها السيدة «زينب»، وهي سيدة نسجت بخيوط العزيمة والإيمان، ملحمةً خالدة، رسمت بمسحاتٍ من النور جزءًا من ملامح الحضارة الإسلامية، فكانت منارةً في ليل الفتن، وصوتًا جهوريًا في وجه الظلم، وقلبًا صابرًا احتضن المحن العظام.
وُلِدت في كنف النبوة، وترعرعت في بيت الرسالة، فكان جدها محمد صلى الله عليه وسلم، وأبوها علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة الزهراء، وأخواها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، بيتٌ طهّره الله وجعله مهبطًا للوحي ومشرقًا للنور، لكنّ الأقدار شاءت أن تصقل هذه الجوهرة بنار المحن، فعاشت يتيمة الجدّ والأم، وشهدت استشهاد أبيها وأخيها الحسن، حتى كانت كربلاء.. تلك الملحمة التي خلّدها التاريخ بأحرف من دَم ونور.
في كربلاء، وقفت السيدة زينب شامخةً كالطود، تُواسي النساء الثكالى، وتحتضن الأطفال الأيتام، وتشدّ من أزر أخيها الحسين في لحظاته الأخيرة، ولمّا استُشهد، وسُبيت مع آل البيت، لم تنكسر.. بل تحوّلت إلى لسانٍ ناطقٍ يفضح الظلم، وإلى قلمٍ يكتب للتاريخ معنى الشجاعة والكرامة.
السيدة «زينب الكبرى».. هذا هو الاسم الذي سيظل يتردد صداه عبر العصور، اسمٌ يحمل معاني التضحية والصبر والبطولة، اسمٌ يُذكّرنا بأن المرأة المسلمة ليست مجرد شاهدٍ على التاريخ، بل صانعةٌ له ومُؤثّرةٌ في مساره.
زينب الكبرى.. النسب الشريف والنشأة المباركة
تعرف السيدة زينب بنت أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب رضي الله عنه، باسم «زينب الكبرى»، وأمّها السيدة فاطمة الزهراء، وهي أخت سيدَيْ شبابِ أهلِ الجنة الإمام أبي محمدٍ الحسن، والإمام أبي عبد الله الحسين رضي الله عنهما.
وُلدت السيدة «زينب» رضي الله عنها في حياة رسول الله صلى الله عليه، وسلم في السنة الخامسة ويذكر في السادسة للهجرة، والرسول هو الذي سَمَّاهَا بهذا الاسم؛ إحياءً لذكرى ابنته السيدة «زينب» رضي الله عنها.
قبل أن تتجاوز السيدة «زينب» الخامسة من عمرها، انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وبعد أشهرٍ قليلة تبعته أمّها السيدة فاطمة الزهراء، وأوصتها أمها رضي الله عنها قبل وفاتها بشقيقيها الإمام الحسن والإمام الحسين، أوصتها بأن ترعاهما وتصحبهما، وأن تكون لها أمًّا بعدها، ومن ثم عاشت السيدة «زينب» رضي الله عنها صباها بين هاتين المحنتين، انتقال جدّها رسول الله وأمها السيدة فاطمة الزهراء ــ رضي الله عنهاــ، وهيّأتها هذه الأحداث التي مرّت بها في صباها لتحمل المشاق والمصاعب.
عرفت السيدة «زينب» رضي الله عنها بأنها كانت امرأةً عاقلة لبيبة، اشتهرت ببلاغتها وشجاعتها، وكانت صوّامةً قوّامة، كان لها من قوة الإدراك ما كان يجعل أباها وإخوتها يرجعون إليها ويطلبون مشورتها.
تزوجت السيدة «زينب» الصحابي الجليل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما فولدت له عليًّا وعونًا الأكبر وعبّاسًا ومحمّدًا وأمّ كلثوم.
صفاتها وحياتها.. عقلٌ راجح وقلبٌ مؤمن
عرفت السيدة« زينب» الحياة السياسية من وراء ستار، رأت والدها وهو يخوض المعارك: الجملَ ثم صِفّين، ثم محاربة الخوارج في النهروان، إلى أن استشهد سنة 40هـ، وبعده أخيها الإمام الحسن رضي الله عنه.
صحبت السيدة زينب الإمامَ الحسين رضي الله عنه وخرجت معه في رحلته إلى العراق،و لمَّا تحرك الحسين بن علي مع عدد قليل من أقاربه وأصحابه، للجهاد ضد يزيد بن معاوية، فقد رافقته شقيقته زينب إلى كربلاء، ووقفت إلى جانبه خلال تلك الشدائد.
كربلاء:.. الملحمة الخالدة والصبر الأسطوري
شهدت السيدة«زينب» كربلاء بكل مصائبها ومآسيها، وقد رأت بعينيها يومَ عاشوراء كلَّ أحبتها يسيرونَ إلى المعركة ويستشهدون، حيث قُتل أبناؤها وأخوتها وبني هاشم أمام عينيها، و بعد انتهاء المعركة رأت أجسادهم دون رؤوس وأجسامهم ممزقة بالسيوف، وكانت النساء الأرامل من حولها وهن يندبن قتلاهن و تعلق بهن الأطفال من الذعر والعطش، و كان جيش العدو يحيط بهم من كل جانب وقاموا بحرق الخيم، واعتدوا على حرمات النساء والأطفال، وبقيت صابرة محتسبة عند الله ما جرى عليها من المصائب، وقابلت هذه المصائب العظام بشجاعة كبيرة.
وبعد ما استُشهِد الإمام الحسين رضي الله عنه وساقو السيدة «زينب» أسيرةً مع السبايا والأسرى، وقفت السيدة زينب على ساحة المعركة تقول: «يا محمداه! يا محمداه! هذا الحسين في العراء، مزمَّلٌ بالدماء، مقطعُ الأعضاء، يا محمداه! هذه بناتك سبايا، وذريتك قتلى، تسفي عليها الرياح»، فلم تبقَ عين إلا بكت، ولا قلب إلا وجف.
وروي أن السيدة «زينب» يوم استشهاد الإمام الحسين أخرجت رأسها من الخباء وهي رافعة عقيرتها بصوتٍ عالٍ تقول:
ماذا تقُولون إن قـال النبيُّ لكم *** ماذا فعلتم وأنتم آخرُ الأُمَمِ
بِعِتْرَتي وبأهلي بعــــد فُرْقَتِكُــمْ *** منهم أُسَارَى ومنهم خُضِّبُوا بِدَمِ
ما كَانَ هذا جزائي إذْ نَصَحْتُ لكم *** أن تخلفُوني بسوءٍ في ذَوِي رَحِمِي.
ورغم كل هذا الألم، بقيت السيدة زينب صابرة محتسبة، تواجه المصائب بشجاعة منقطعة النظير.
وكان للسيدة «زينب» مواقف خالدة، و دور بطولي وأساسي في ثورة كربلاء ــ معركة كربلاء ــ التي تعتبر من أهم الأحداث التي عصفت بالأمة الإسلامية بعد رسول الله، وكان دورها لا يقل عن دور أخيها الحسين بن علي وأصحابه صعوبةً وتأثيرًا في نصرة الدين، ولقّبت «زينب» رضي الله عنها بــ«بطلة كربلاء».
في مصر.. أرض المحبة والكرامة
رحلت السيدة «زينب» رضي الله عنها إلى المدينة بعد أن مرت بأيام شداد بعد المعركة، ثم خرجت منها إلى مصر لـما علمت من حب أهلها لأهل بيت رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ؛ فدخلتها في أوائل شعبان عام 61هـ، ومعها أبناء الإمام الحسين فاطمة وسُكينة وعليّ زين العابدين رضي الله عنهم، واستقبلها أهل مصر استقبالًا مهيبًا، واحتملها والي مصر مَسْلَمةُ بن مخلد الأنصاري، إلى داره - مسجد السيدة زينب حاليًا-، ووافقت على الإقامة بدار والي مصر تعلّم الناس وتُفقّههم أمور دينهم، وتفيض عليهم من الأنوار والبركات والأمداد الربّانية
أهم الألقاب للسيدة زينب ومعانيها
للسيدة زينب (رضي الله عنها) ألقاب عديدة تدل على مكانتها الرفيعة وفضلها الكبير.. «عقيلة بني هاشم»، تعني السيدة الكريمة والشريفة في قومها، وهي لقب يدل على عظمتها، كما عرفت «العالمة غير المعلَّمة: لأنها كانت عالمة من غير معلم، حيث استقت علمها من بيت النبوة مباشرة.
ومن ألقابها «الزاهدة العابدة» عابدة آل علي: لشدة عبادتها وتفانيها في الصلاة والنوافل، وعرفت بـ «جبل الصبر» لكثرة مصائبها وصبرها العظيم عليها، خاصة في كربلاء، وهي«كعبة الرزايا» لأنها كانت مركز المصائب التي نزلت بأهل البيت، وحملت أعباءها، وعرفت بـ «أم العواجز»، و«أم العزائم» لأنها كانت تفتح دارها في مصر للعجزة والضعفاء وتعينهم، وهي «نائبة الزهراء»، و«نائبة الحسين» لأنها قامت بدور النيابة عنهما في حفظ رسالة الإسلام بعد مصيبة كربلاء.
كما عرفت بـ «صاحبة الشورى» لرجوع أبيها علي بن أبي طالب وإخوتها لها في الأمور المهمة، كما لقبت بـ «بطلة كربلاء» لدورها البطولي في مواجهة الظلم ونصرة القضية بعد الحسين، وهي «الصديقة الصغرى: للدلالة على كمالها وورعها، وعرفت بـ «الطاهرة»، و«أم المساكين»، «رئيسة الديوان»، «السيدة»، «الوديعة الحوراء» .
وفاة عقيلة بني هاشم ومثواها الأخير
اختلف المؤرخون في تحديد سنة وفاة السيدة«زينب »، ويرجح كثير من الباحثين أنها توفيت في سنة 62 هـ، وذكر الكثير من المؤرخين وسير الأخبار بأنها توفيت ودفنت في دمشق، ورأي آخر على أنها دفنت في القاهرة مع أنه لا يوجد أي كتاب مؤرخ لمزارات مصر يدل على وجود قبر لـ «زينب» في مصر بل دلت كثيرًا على قبر السيدة نفيسة مثل الإمام الشافعي الذي زار قبر السيدة نفيسة ويرجح البعض إلى أن قبر السيدة «زينب» في القاهرة، هو قبر السيدة زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
إرثٌ لا يُنسى
وتؤكد بعض المصادر أنها توفيت بالقاهرة، ودفنت بحجرتها التي أصبحت القبة الموجودة حاليًا بالمسجد الزينبي المعروف بحي سمي باسمها في القاهرة هو حي السيدة زينب، رحم الله المجاهدة الصابرة السيدة «زينب»، وأسكنها فسيح جناته، بطلة كربلاء، صوت الحق في وجه الباطل، بنت أمير المؤمنين والصحابي الجليل علي بن أبي طالب وحفيدة رسول الله، رضي اللهم عنهم جميعا.
لقد تركت لنا إرثًا خالدًا من الشجاعة والصبر والكرامة، علّمتنا أن الإيمان الحقيقي لا ينكسر أمام المحن، وأن الكلمة الحقّة أقوى من السيف، وأن المرأة المسلمة قادرة على تغيير مسار التاريخ حين تتسلح بالإيمان والعلم والعزيمة، رضي الله عنها وعن آل بيت رسول الله أجمعين.