من القاعة الرئيسية ببلازا 1، انطلقت أولى ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، ضمن محور «مفتتح»، بندوة خُصصت للحديث عن المشروع الوطني للقراءة، والبناء المعرفي في شخصية الأديب العالمي نجيب محفوظ، وذلك من خلال مسابقة أغلفة رواياته، بمشاركة الفائزين في المشروع الوطني للقراءة، وهم: الشاعر بهجت صميدة، والدكتور إبراهيم جابر، والباحث عبد الله العفري، وأدارها الإعلامي حسام الدين حسين.
في البداية، رحّب الإعلامي حسام الدين حسين بالضيوف، وتوقف عند اختيار نجيب محفوظ شخصيةً للمعرض، وكذلك الشعار المستلهم من إحدى جُمل محفوظ الشهيرة: «من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قرونًا».
وقال إن مئات الفنانين الشباب شاركوا في المسابقة، مؤكدًا أن جميع الأعمال المقدمة كانت جيدة وتصلح للنشر، وأن فناني أغلفة روايات نجيب محفوظ يستحقون التقدير، معربًا عن أمله في أن يُسهم المشروع الوطني للقراءة في تخريج فنانين واعين لديهم بصمة فنية خاصة.
من جانبه، قال الدكتور إبراهيم جابر: «عندما نتحدث عن شخصية مبدعة إشكالية في بعض جوانبها مثل نجيب محفوظ، فإننا نحاول الوصول إلى اللحظات الأولى في تكوين أديب نوبل».
وأضاف أن أول ما استوقفه، سواء في الحوارات التليفزيونية أو غيرها، هو تأثير البيئة أو «الحارة» باعتبارها أحد رواسب الإبداع لدى محفوظ، فضلًا عن دور الأم التي كانت متفتحة وتحب سماع الموسيقى، والأب الذي لم يكن متسلطًا أو ديكتاتوريًا، بل ودودًا ويستمع إلى الحوار.
وأوضح أن هذه العناصر شكّلت روافد فكرية مهمة، إذ تعلّم نجيب محفوظ من والده النظام واحتراف فن الصمت، وكانت الأسرة هي النواة التي جعلت الأديب في طفولته يميل إلى التأمل، ومن هنا بدأ يقرأ، ليس قراءة الكتب فقط، وإنما قراءة الأفكار.
وأشار إلى أن محفوظ تربّى على التسامح، وتأثر بالبعد الصوفي من حيث البساطة والهدوء، وهو ما استمر معه حتى حادث الاغتيال، موضحًا أنه حزن بشدة عندما حُكم على الجناة بالإعدام، ولام نفسه كثيرًا، واصفًا إياه بالنموذج المصري الأصيل وصاحب الإبداع المتفرد.
بدوره، أعرب الشاعر بهجت صميدة عن سعادته بأن تكون أول ندوة في المعرض عن نجيب محفوظ، وأن يكون أحد المشاركين فيها، مؤكدًا أن نجيب محفوظ أحد المنتجين العظام الذين يستقبلون بيئتهم ثم يعيدون إنتاجها في عمل روائي متكامل.
وتابع أن للأم دورًا أساسيًا في تكوين شخصية نجيب محفوظ، إذ كانت بمثابة مخزن للثقافة الشعبية، مشيرًا إلى أنه منذ ثورة 1919، وكان عمره آنذاك 8 سنوات، بدأت تتشكل لديه فكرة الحرية وكيفية التحرر من القيود بعبقرية مبكرة، مؤكدًا أن الزمان والمكان وبناء الشخصية كانت عناصر مهمة في الجانب المعرفي لدى نجيب محفوظ.
وأضاف أنه على مدار نحو 50 عامًا من الكتابة الروائية، قدّم أديب نوبل ما يقرب من 34 رواية، إلى جانب 65 مجموعة قصصية، ناصحًا بقراءة أعمال نجيب محفوظ، ومؤكدًا أنه أديب يستحق القراءة، وعلى رأس أعماله «الثلاثية».
واستطرد قائلًا إن نجيب محفوظ كان متسع الرؤية، أشبه بحديقة مليئة بالزهور، يختار شخصياته بعناية، ويقودها بعبارات وألفاظ دقيقة، دون أن يفرض أحكامًا أو يصدر تقييمات مباشرة، ليبقى نجيب محفوظ «حدوتة مصرية» خالصة.
من جانبه، استشهد الباحث عبد الله العفري بعمل نجيب محفوظ «ملحمة الحرافيش»، التي تناولت عشرة أجيال متتالية من سلالة عاشور الناجي، وتحكي عشر قصص لأجيال عائلة سكنت حارة مصرية.
وأوضح أن قراءة أعمال نجيب محفوظ تكشف بوضوح دراسته للفلسفة، التي كان لها بالغ الأثر في وعيه المعرفي، فضلًا عن قراءته للقرآن في سن مبكرة، ما جعله أشبه بموسوعة معرفية.
وأضاف أن نجيب محفوظ قدّم تشريحًا دقيقًا للإنسان المصري، بصراعاته وأفكاره ورؤاه، وتشابكه مع قضايا أمته، ما جعله واقعيًا إلى أبعد الحدود، مؤكدًا أن الوقوف عند كل ما كتبه نجيب محفوظ أمر ضروري، إذ تحمل أعماله رمزية واضحة، وعلى رأسها «ملحمة الحرافيش».
واختُتمت الندوة بالتزامن مع الافتتاح الرسمي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، حيث ضمت القاعة الرئيسية أعمال المشاركين في مسابقة أغلفة روايات نجيب محفوظ، التي تأتي ضمن أنشطة المشروع الوطني للقراءة، في إطار دعم الإبداع الفني لدى الشباب، وربط القراءة بالفنون البصرية، وإتاحة الفرصة أمام الجمهور للاطلاع على تجارب إبداعية تستلهم عالم نجيب محفوظ، وتعكس تأثيره المعرفي والثقافي المتواصل في الأجيال الجديدة.