الخميس 22 يناير 2026

ثقافة

معرض القاهرة الدولي للكتاب يعيد قراءة إدوار الخراط ونقده الحاد لنجيب محفوظ

  • 22-1-2026 | 17:23

جانب من الندوة

طباعة
  • بيمن خليل

سلط ثاني مؤتمرات النسخة الـ57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، الضوء على الأديب الكبير إدوار الخراط بوصفه ناقدًا، باعتبار أن النقد أحد أهم وجوه مشروعه الثقافي، وذلك ضمن محور «إدوار الخراط: ريادة الحداثة».

في بداية المؤتمر، الذي عُقد في القاعة الرئيسية ببلازا 1، رحب الكاتب محمد شعير بالحضور، قبل أن يتولى إدارة اللقاء، الذي جاء بعنوان «إدوار الخراط الناقد».

وقال «شعير»: «رغم كونه روائيًا وشاعرًا ومترجمًا، يظل إدوار الخراط ناقدًا مبدعًا من طراز خاص، كان مُطلِعًا على مختلف المناهج النقدية، لا ليكررها، بل ليستفيد منها في صياغة نصه الخاص، من خلال أعماله الإبداعية».

وأضاف: «كان دائم الانحياز لما يختلف عن السائد، ويقدمه للقارئ في إطار جمالي جديد»، مؤكدًا أن أجيالًا كاملة تعلمت كتابة القصة القصيرة من خلال تجربته.

ورأى أن «الخراط» تأثر بالنقد الغربي، وكان متابعًا دقيقًا لتحولاته، كما كان مؤمنًا بتمازج الفنون وتداخلها، وهو ما انعكس على كتاباته النقدية والإبداعية معًا.

وأكد الدكتور صبري حافظ، أستاذ اللغة العربية المعاصرة والأدب المقارن في جامعة لندن، أن النقد يُعد فنًا أدبيًا قائمًا بذاته، لا يقل أهمية عن باقي الفنون الأدبية، وهو يقوم على خلق رؤى وتصوّرات جديدة للعالم، ومن أدواره الأساسية إعادة النظر في المفاهيم السائدة من حين إلى آخر.

وأضاف «حافظ»: «إدوار الخراط كان ناقدًا انتقائيًا، لا يكتب إلا عن الأعمال التي تتقاطع مع توجهه الأدبي ومشروعه الإبداعي، وكان النقد امتدادًا لرؤيته الفكرية لا ممارسة منفصلة عنها».

وكشف أن أول مقال نقدي كتبه إدوار الخراط نُشر في مجلة «المجلة»، في يناير عام 1963، وجاء بعنوان «عالم نجيب محفوظ»، وقدّم في مقدمته رؤية مبكرة تؤكد أن عالم «محفوظ» السردي ليس مجرد تسجيل للواقع، بل بناء فني شديد التعقيد، يحمل دلالات اجتماعية وإنسانية عميقة، وهو ما يكشف وعيا نقديا مبكرا يقرأ الأدب بوصفه عالمًا متكاملًا لا مجرد حكاية.

وأضاف أستاذ اللغة العربية المعاصرة والأدب المقارن: «تعلمه في بداية حياته الأدبية على يد الأديب الكبير يحيى حقي كانت حجر الأساس في تشكيل وعيه النقدي والأدبي».

وواصل: «رغم ما يبدو وكأنه يكتب عن نفسه فقط، لم يقتصر على ذلك، بل قدم نفسه كجزء من مشروع أدبي أوسع، ما جعله يُصنف كأحد أهم الكُتَّاب العرب في المشرق كله».

وأكمل: «الخراط لم يتردد في توجيه نقده حتى للأسماء الكبيرة، فقد ذكر نجيب محفوظ 3 مرات بأسلوب يمزج بين التحدي والتهكم، مؤكدًا جرأته في مواجهة السائد، وتقديم رؤيته النقدية بلا مواربة».

وأوضح أنه «في عام 1970، عبّر إدوار الخراط عن رأيه النقدي السلبي تجاه نجيب محفوظ، وانتقد بعض أعماله، معتبرًا إياها مبتعدة عن روح الحداثة التي آمن بها، وأن أسلوب محفوظ السردي، رغم مكانته الكبيرة، يميل أحيانًا إلى التكرار، والاعتماد على القوالب التقليدية في البناء الروائي».

وتابع: «لم يقتصر نقده على السرد فقط، بل تناول أيضًا الرؤية الفنية العامة، مؤكدًا أن الأدب يجب أن يغامر ويكسر المألوف، وهو ما كان يرى أن محفوظ لم يفعله بشكل كافٍ في تلك المرحلة».

أما الدكتور خيري دومة، رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة سابقًا، فوصف إدوار الخراط بالمبدع والناقد الكبير، والذي «يُشبه في مكانته عددًا من الكُتَّاب والنقاد الكبار».

وأضاف «دومة»: «ما يميز الخراط هو صعوبة اقتباس أي شيء منه مباشرة، نظرًا لاختلاف لغته، وتعقيد نصوصه، وترابط أحداثه بطريقة فريدة تجعل كل عمل متكاملًا بذاته».

وواصل: «الخراط يستحق كل الاحتفاء، لأنه يمثل نموذجًا متكاملًا للأصول النقدية: قارئ نهم، كاتب متمكن، مؤمن بمشروعه الإبداعي، ويعيش داخل عالمه الأدبي الخاص، حيث تتداخل الكتابة مع الفكر والرؤية الفنية».

وأكمل: «إدوار الخراط الناقد لم يكن يقرأ الأدب العربي بمعزل عن التجارب العالمية، بل كان مطلعًا على النقد الفرنسي والعالمي والمصري، وهو ما أسهم في تشكيل عالمه الخاص الذي منح نصوصه طابعًا عالميًا وأصيلًا في الوقت ذاته».

ورأى أن أبرز ما يميز إدوار الخراط هو أنه لا يكرر ما يقوله الآخرون، بل يقدم رؤيته الخاصة والمتميزة دائمًا، وكان يتحدث عن نجيب محفوظ بوصفه «عالمًا قدريًا وجذرًا»، معبرًا عن موقفه النقدي الصريح والمستقل.

ومن أهم سماته أيضًا، والحديث لا يزال لأستاذ اللغة العربية، قدرته على دمج العناصر المختلفة داخل نصوصه، إذ تعتبر فكرة التداخل محورًا أساسيًا في كتاباته، ما يمنح أعماله عمقًا وحضورًا متواصلًا للفنون المتنوعة، مضيفًا: «يشبهه في هذا الصدد الأديب الكبير يحيى حقي، إذ لا يحتاج إلى أدلة خارجية لإثبات رؤيته، فحضوره النقدي والإبداعي واضح في كل ما يكتبه ويقدمه».

ويظل إدوار الخراط رمزًا للأدب العربي الحديث، مبدعًا وناقدًا في آن واحد، يغامر في اللغة والفكر، ويمنح القارئ تجربة قراءة فريدة تمزج بين العمق الفني والرؤية النقدية المستقلة، ليترك إرثًا لا يزول في عالم الأدب والثقافة.

الاكثر قراءة