شهدت قاعة ملتقى الإبداع، ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، انعقاد ندوة لمناقشة الأعمال الشعرية للشاعر هشام محمود، والتي شملت ديوان «المكاشفات» (شعر فصحى)، وأدار الندوة كلٌّ من أسامة الحداد وأسامة جاد.
ورحّب كمال أبو النور في مستهل الندوة، مشيرًا إلى أن هذه الندوة تناقش العناوين والكشفات الشعرية، وجدليات الجسد والروح، والبعيدين في الموت، وما يتصل بذلك من أسئلة الوجود والمعنى.
وقدّم أبو النور السيرة الذاتية لهشام محمود، إذ وُلد في السابع من يناير عام 1970 بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية في جمهورية مصر العربية، وتلقى تعليمه الأساسي حتى حصل على ليسانس الآداب من كلية الآداب عام 1996، كما التحق بالإذاعة المصرية عام 1997، ويعمل حاليًا مذيعًا بإذاعة البرنامج الثقافي.
وتابع: صدر له عدد من الدواوين الشعرية، من بينها: «حضارة المنشأ» (2009)، «بابولوجيا حضارة المنشأ» (2014)، «في المستقبل القريب جدًا» (2013)، «كتابة المرسوم: إيزيس» (2015)، «ظلال الوقت» (2013)، «جلية أخرى» (2013)، «نزوات شعرية» (2015)، وأخيرًا ديوان «المكاشفات»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2015.
وأضاف: يُعد هذا الديوان الأخير امتدادًا لتجربة شعرية تحاول استقطاع المسافة المفاصلة بين الجسد والروح، بين الحياة والموت، مشيرًا إلى أن الجسد في هذا الديوان لا يُقدَّم بوصفه كتلة مادية منتهية، بل بوصفه جغرافيا للعزلة، وحقلًا للتجربة، ومساحة للتوتر الوجودي.
وأردف: يفكّر الشعر في هذا الديوان عبر أعضاء الجسد: العينان، اليدان، الذاكرة، والحواس، وهو ما يولّد شعورًا بالاغتراب الهادئ. فالوجود هنا ليس حالة بيولوجية فقط، بل اختيار وجودي، أو حضورًا طافيًا على سقف الذاكرة.
ولفت إلى أن الأنثى ليست سيدة الحكاية السمعية أو الغنائية فقط، بل المخلّص الرمزي، الذي يعيد ترتيب كيمياء الروح، ويقاوم موسيقى الفراغ التي تملأ العالم.
واستكمل: الديوان مشغول بفن تشكيل الموسيقى الداخلية، حيث إن الموسيقى حاضرة بوصفها بنية لا زينة، وإيقاعًا داخليًا، ومسطّحة أحيانًا، ويوتوبية أحيانًا أخرى، كما أنها تنجلي مع الموت وتتشابك مع إشراقات البخار داخل النص.
وأضاف: القصيدة لا تتعامل مع اللغة بوصفها زخرفًا لفظيًا، بل بوصفها شريكًا في التجربة، وليست مجرد أداة لطرق الكلمات. ونبدأ الآن مع هذا الافتتاح الاحتفائي، حيث الشعر شِحنٌ محمول، نستعمل فيه القصيدة بوصفها وسيلة عبور صوتية وعاطفية.
كما ألقى الشاعر هشام محمود جزءًا من قصيدته: هل سأصحو قبل حلول الموت الاضطراري؟ لأبتنَّ ثانيةً دوائر الدخان،محاولًا إسقاط ظلالٍ ماتناسب الفاجعة؟ هل سأجرّ بتفريع الأشياء من دلالاتها المحتملة الليلية أو المؤكدة، بحيث لا تحمل نظرة لامرأة ما أي إسقاط سياسي أو جنسي؟
هل سأنوء بوجه لا أستطيع أن أحمّله فوق ما يستطيع من أحزان رومانسية، وفطرة غير قابلة للتبدل، وملامح أجهدتها محاولة عابثة لإيجاد علاقة مابين عنقي والسكين؟
هل سأمكّن امرأة مامن إقامة علاقة مع جسد يحملني، بحيث تستطيع الرقص معه، ليتنا لو كان البال ومناقشته في أمور بالغة السرية، وإعطاء تفاصيله دلالات غير متوقعة؟
سيكون بإمكانها، ولو لوقت ما، القيام بعمل يثبت تورطها في إقامة علاقة غير معلنةمع جُنّة وحيدة، وفي غرفة مظلمة.
ستكون الظروف مواتية لانفراد ما بهذه الجُنّة، بينما يستعدون لطقوس حتمية من جُنّة طافية على سطح الذاكرة، ليت…يعد يخص أحدًا.
سيكون مفاجأة للجميع موت فارس على فرسه بلا مقدمات.
سيذكرون رغبته في أن يكون موسيقى تتسحب خلف أبواب مغلقة على لا شيء، ونوافذ لا تطل على العالم، أو تتأبط أحذية غير معتنى بها لرجال في منتصف العمر.
سيبكون حالما يكون البكاء ضروريًا، ويشدون شفاههم تعبيرًا عن حزن بلا معنى.
أنا لم أمت حتى الآن، ولا يشغلني هاجس الموت.
ترى…هل يكفي أن أقيم احتفالًا يليق بهذا الحزن دون أن أبكي بمرارة؟
أنا الذي فقدت القدرة على البكاء منذ أول عجز عن رسم ظلال ما تناسب دمعة وحيدة تعرف طريقها على خد (لارا).
لا بد – لضرورة ما –أن أذكّر القارئ أن (لارا) مجرد اسم مستعار لبنية تشبه زهرة حقيقية، هي أنثى شهية وطازجة، تحمل ملمس عصفور لم ينبت له زغب بعد.
وهذا أخشى أن تجرحها آرائي وتصوراتي عن جدوى الاقتراب حتى حدود الروح، ناهيك عن أصول الافتراع الآمن، وقوانين الطبيعة المتحركة.
مثلًا…عندما تمسك يد أنثى أعشابًا تشبه الموسيقى، فتتحول في تلك اليد إلى أعضاء أسطورية، هل ستختلف كثيرًا عن تلك اليد التي احتضنت تجاربي الأولى في كتابة قصيدة تقليدية تشبه خطوط السكك الحديدية، وضمتها إلى صدرها بحرارة؟
صدرها الذي يشبه قطعة موسيقية تعزفها أصابع الضوء.
صدرها الذي استقبل يديّ ورأسي بود، وأعطاني مفاتيح الدهشة الأولى، وإشباع الفضول لمعانقة أنوثة مفرطة.
كان أول حزن حقيقي أن يختفي في أقصى المشهد، متربصًا بي أحد بدائل عشرة:
أولها:جرأة الكشف عن عوالم أخرى تناسب تشكيليًا بعد حداثي.
وآخرها:أن نلعب معًا لعبة القط والفأر.
والثمانية الأخرى:حلول غير عملية لمشكلة بكاء طفل في التاسعة والعشرين.
وأكد الشاعر والروائي الكبير أسامة حداد، في مستهل حديثه، أهمية الاحتفاء بالإبداع داخل فضاءات المعارض الثقافية، حيث حل الشاعر هشام محمود ضيفًا على الندوة لمناقشة تجربته الشعرية.
وتوقف حداد عند كتاب «نصوص» لهشام محمود، مشيرًا إلى أن الشاعر كتبه في عامي 2002 و2003، بينما لم يصدر إلا بعد قرابة عشرين عامًا، وهو ما يطرح، من وجهة نظر نقدية، إشكالية العلاقة بين زمن الكتابة وزمن التلقي، خاصة أن النشر المتأخر قد يقدّم نصًا أحدث قبل نص أقدم زمنيًا، بما يربك تتبع تطور التجربة الإبداعية ومراحل تشكّلها.
وأوضح أن الكتاب يقوم على نص واحد ممتد عبر ست حركات، تتكامل لتشكل بناءً شعريًا واحدًا، تتكرر داخله سمات دلالية وجمالية، من بينها حضور ما أسماه بـ«المكاشفات» ذات الطابع الصوفي، رغم معاصرة الزمن.
واستشهد حداد برؤية المفكر الراحل شاكر عبد الحميد حول الكتابة بوصفها حالة تقع على الخط الفاصل بين اليقظة والموت، والحلم والحقيقة، مشيرًا إلى أن الكتابة الأدبية لا تقدم الحياة كما هي، بل تخلق هوية بديلة لها، فالذات الشاعرة هنا ليست الذات اليومية المباشرة، وإنما ذات مبدعة تتشكل داخل النص.
وقرأ مقطعًا من النص يقول: «ستخرج الموسيقى إلى الشارع عارية تبحث عن الموسيقى»، مؤكدًا أن قصيدة النثر تمنح الحرية الكاملة للصوت الشعري كي يقول ما بداخله دون قيود إيقاعية تقليدية.
وأشار إلى الجدل الدائم حول قصيدة النثر، مؤكدًا أن ليس كل شعر قصيدة نثر، رغم وجود قدر من الصحة في هذا الطرح، مستدعيًا تنظيرات سوزان برنار التي اعتبرت قصيدة النثر تحولًا تاريخيًا مواكبًا للتغيرات السياسية والثقافية، حيث لم تعد الأذن وحدها أداة التلقي، بل تجاوز النص الإيقاع الخارجي إلى إيقاع داخلي نابع من البنية المعمارية للنص نفسه.
وأضاف أن النصوص تتقاطع مع الفنون الأخرى، مثل الموسيقى والفنون التشكيلية، بوصفها جوهرًا للحياة، وتطرح مكاشفات متعددة تواجه قبح العالم وقسوته عبر إنشاد شعري يوازن بين الداخل والخارج.
وتوقف حداد عند تكرار صوت الأنا داخل النص، معتبرًا إياه امتدادًا للغنائية الرومانسية، حيث لا يكون التعبير عن الذات فرديًا بقدر ما هو تعبير عن الجماعة والإنسانية، مشيرًا إلى أن هذا الحضور مرتبط بالبنية الدلالية وحركة المعنى.
كما لفت إلى توظيف حرف السين الدال على الاستقبال، بما يفتح النص على زمن قادم، ويؤكد ذاتًا إيجابية قادرة على مقاومة الموت وانتظار الحلم، معتبرًا ذلك فعلًا جماليًا وموقفًا وجوديًا في آن واحد.
ورأى أن النص يجمع بين الصوفية والإيروتيكا في جدلية الحياة والموت، حيث يتحول الجسد إلى طاقة دلالية متشظية تعيد اكتشاف الحياة، في علاقة تبادلية بين الأعضاء والروح، وبين القارئ والنص.
واختتم أسامة حداد حديثه بالتأكيد على أن كتاب «نصوص» يضيف كثيرًا إلى تجربة قصيدة النثر العربية، لما يقدمه من اشتغال على الغنائية، والربط بين الصوفية والرومانسية، واقتراح رؤية شعرية خاصة، موجّهًا الشكر للشاعر هشام محمود.
وتابع الشاعر والناقد أسامة جاد: مساء الخير على السيدات والسادة، وأهلًا بكم في هذه الندوة التي نحاول فيها الاقتراب من جوانب الشعر ومكاشفاته وتخومه البعيدة، خصوصًا تلك المساحات المعلّقة بين الحياة والموت، بين الحلم واليقظة، بين الجسد والروح.
ولفت إلى أننا نلتقي اليوم مع تجربة شعرية ممتدة للشاعر هشام محمود، المولود في السابع من يناير عام 1970 بمدينة الزقازيق، حيث تلقى تعليمه الأساسي، ثم حصل على ليسانس الآداب عام 1996، والتحق بالإذاعة المصرية عام 1997، ويعمل حاليًا مذيعًا بإذاعة البرنامج الثقافي، وهي سيرة مهنية وثقافية توازي تجربته الإبداعية ولا تنفصل عنها.
وأوضح أن هشام محمود أصدر عددًا من الدواوين الشعرية، من بينها: «بابولوجيا الحضارة المنشودة»، «شيك الكتابة»، «ظلال الوقت»، «جدلية أخرى»، «نزوات شعرية»، وأخيرًا ديوان «المكاشفات» الصادر عام 2015، والذي يرى أنه يمثل مرحلة نضج واضحة في تجربته.
وأشار إلى أن ديوان «المكاشفات» يحاول تهذيب الشعرية لا تبسيطها، ويشتغل على المسافة الفاصلة والملتبسة بين الجسد والروح، بين الحياة والموت، موضحًا أن الجسد هنا لا يُقدَّم بوصفه كتلة بيولوجية أو حضورًا شهوانيًا مباشرًا، بل بوصفه خريطة شعرية تتحول فيها العينان واليدان والذاكرة والحواس إلى وحدات دلالية، تتوزع داخل النص، وتخلق شعورًا بالاغتراب الوجودي المنتج للمعنى.
وأكد أن النص لا يتعامل مع الإيروتيكا بوصفها إثارة، بل بوصفها طاقة فلسفية تعيد ترتيب كيمياء الروح، حيث تصبح الأنثى رمزًا للخلاص، والموسيقى عنصرًا مركزيًا، لا بوصفها خلفية، بل باعتبارها جوهرًا فنيًا موازيًا للشعر، فيما يصبح القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة لا متلقيًا سلبيًا.
وأضاف أننا أمام ديوان ليس قائمًا على نصوص منفصلة، بل على نص واحد ممتد، يتشكل عبر حركات متعددة تتكامل في بنية واحدة، تحكمها جدلية الحياة والموت، والمقاومة المستمرة للفقد، عبر التمسك بالفن: الشعر، والموسيقى، والفنون التشكيلية.
واختتم أسامة جاد بالتأكيد على أن «المكاشفات» يضيف الكثير إلى تجربة قصيدة النثر العربية، لأنه يتكئ على الغنائية دون أن يسقط في المباشرة، ويربط بين الصوفية والرومانسية، ويقدم اقتراحًا شعريًا خاصًا نابعًا من تجربة إنسانية وجمالية عميقة.