الجمعة 23 يناير 2026

ثقافة

القاهرة حين تكتب قوتها الناعمة.. معرض القاهرة الدولي للكتاب منصة للتأثير الثقافي المصري

  • 23-1-2026 | 11:40

معرض الكتاب

طباعة
  • أ ش أ

لا يأتي معرض القاهرة الدولي للكتاب كل عام باعتباره مجرد موعد ثابت في الأجندة الثقافية، بل كمساحة تتراكم فيها الأسئلة بقدر ما تتراكم الكتب، فعلى مدار أكثر من نصف قرن، تحول المعرض إلى مرآة تعكس علاقة الدولة بالثقافة، وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه المعرفة في تشكيل الوعي العام وصياغة صورة المجتمع عن ذاته، وفي الوقت نفسه صورته لدى الآخرين.

ومع انطلاق فعاليات الدورة السابعة والخمسين، تفرض تفاصيل الحدث المعلنة رسميا، من حجم المشاركة الدولية، وطبيعة البرنامج الثقافي، واختيارات ضيوف الشرف وشخصيات المعرض، وصولا إلى المبادرات المجتمعية المصاحبة، سؤالا مركزيا لا يطرح مباشرة، لكنه حاضر بقوة في خلفية المشهد: متى تتحول الثقافة من فعل رمزي إلى أداة تأثير ممتدة، قادرة على أداء دور القوة الناعمة؟

هذا السؤال لا تجيب عنه الخطب ولا التصريحات، بل تكشفه بنية المعرض نفسها كما تعلنها وزارة الثقافة والهيئة المصرية العامة للكتاب في بياناتهما الرسمية، فالأرقام، ونوعية الفعاليات، وتعدد مساحات الحوار، واتساع دوائر المشاركة، جميعها مؤشرات على رؤية تتعامل مع الثقافة باعتبارها استثمارا طويل المدى، يتجاوز فكرة الترف أو الاحتفاء الموسمي.

ومن خلال قراءة تحليلية للمعطيات الرسمية الخاصة بالدورة الحالية، نستعرض الكيفية التي يعمل بها معرض القاهرة الدولي للكتاب كمنصة لتجسيد القوة الناعمة المصرية، لا عبر الخطاب المباشر، بل من خلال الممارسة الثقافية ذاتها، وما تحمله من دلالات تتجاوز الكتاب إلى المجتمع، ومن الداخل إلى الخارج.

المعرض كظاهرة ثقافية ممتدة

منذ انطلاقه عام 1969، لم يقدم معرض القاهرة الدولي للكتاب باعتباره مساحة لبيع الكتب فقط، وإنما كأحد أكثر المشاريع الثقافية انتظاما واستمرارية في المجال العام المصري، فهذا الامتداد الزمني الطويل منح المعرض خصوصية نادرة، حيث تحول إلى أرشيف حي يعكس تحولات الذوق العام، وتبدل أولويات الثقافة الرسمية، واتساع أو انكماش المجال الثقافي وفق السياقات الاجتماعية والسياسية المختلفة.

وتكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الثقافة والهيئة المصرية العامة للكتاب في الدورة السابعة والخمسين عن استمرار هذا المنحى، مع فارق لافت يتمثل في تضخم حجم المشاركة الدولية، وتعدد مسارات البرنامج الثقافي، بما يشير إلى وعي متزايد بدور المعرض خارج حدوده الجغرافية.

الأرقام بوصفها لغة دلالية

لا تحمل الأرقام هنا قيمة إحصائية فحسب، بل دلالة ثقافية، فمشاركة أكثر من 1400 دار نشر من عشرات الدول، واتساع رقعة التمثيل الجغرافي، تعكس إدراكا رسميا بأن المعرض لم يعد موجها إلى قارئ محلي فقط، بل إلى جمهور ثقافي عابر للحدود، وهذه الكثافة الدولية تضع المعرض في موقع التفاعل مع أسواق النشر العالمية، وتمنحه وظيفة الوسيط الثقافي بين مصر ومحيطها العربي والدولي.

كذلك فإن تعدد الفعاليات، من ندوات فكرية، وأمسيات أدبية، ومؤتمرات متخصصة، يحول المعرض من حدث استهلاكي إلى مساحة إنتاج معرفي، حيث لا يتم الاكتفاء بعرض الكتب، وإنما مناقشة القضايا التي أنتجتها، وبهذا المعنى، يصبح المعرض ساحة تداول أفكار لا مجرد مخزن عناوين.

البرنامج الثقافي: إدارة الحوار لا عرضه

تشير البيانات الرسمية إلى أن البرنامج الثقافي للدورة الحالية لا يقوم على مبدأ التنوع الشكلي فقط، بل على توزيع محسوب للمسارات الفكرية. فهناك مساحات مخصصة للأدب، وأخرى للفكر، وثالثة لقضايا الهوية والتراث، ورابعة موجهة للأطفال والنشء. هذا التقسيم لا يعكس فقط تعدد الجمهور، بل يكشف عن تصور مؤسسي لدور الثقافة في مخاطبة شرائح مختلفة، كل بلغته وأدواته.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في سياق الحديث عن القوة الناعمة، حيث أن إدارة الحوار الثقافي، وتحديد أولوياته، وطريقة تقديمه، تشكل في مجموعها خطابا غير مباشر يعكس صورة الدولة عن ذاتها، وعن القيم التي تسعى إلى ترسيخها داخليا وتقديمها خارجيا.

الاختيارات الرمزية ودلالاتها

في الملفات الثقافية، لا نقرأ الاختيارات الرمزية بوصفها تفاصيل تنظيمية، بل بوصفها رسائل "اختيار شخصية المعرض، وشخصية معرض كتاب الطفل، ودولة ضيف الشرف"، كلها قرارات تحمل أبعادا تتجاوز التكريم، فهي تعكس تصورا للهوية الثقافية، ولموقعها في الذاكرة الجماعية، وللجسور التي تسعى الدولة إلى بنائها مع ثقافات أخرى.

هذه الاختيارات، كما ترد في البيانات الرسمية، تسهم في إعادة إنتاج سردية ثقافية ترى في الإبداع أحد أهم عناصر الحضور المصري عالميا، وتعيد التأكيد على أن الثقافة ليست نشاطا هامشيا، بل مكونا أصيلا من مكونات القوة الرمزية.

من الثقافة النخبوية إلى المجال المجتمعي

إحدى السمات اللافتة في الدورات الماضية هي التركيز على المبادرات المجتمعية المصاحبة للمعرض، مبادرات تستهدف توسيع قاعدة القراءة، وتسهيل الوصول إلى الكتاب، وربط الثقافة بالحياة اليومية للأسرة المصرية، وهذا التوجه يعكس تحولا في الرؤية من التعامل مع الثقافة كمنتج نخبة، إلى اعتبارها حقا عاما وأداة بناء اجتماعي، وهنا تتجلى إحدى أهم آليات القوة الناعمة: حين تصبح الثقافة جزءا من التجربة اليومية للمجتمع، لا مجرد حدث موسمي للنخب.

المعرض كأداة حضور دولي

لا يمكن فصل المعرض عن سياقه الدولي، خاصة مع الانتظام السنوي، والحضور الكثيف لدور النشر الأجنبية، والفعاليات المشتركة، هذه العناصر تمنح المعرض دورا شبيها بالدبلوماسية الثقافية، حيث يتم التواصل عبر الكتاب، واللغة، والفن، بعيدًا عن القنوات السياسية التقليدية.

ومن خلال هذا الحضور، تتشكل صورة ذهنية عن مصر بوصفها مركزا ثقافيا إقليميا، قادرا على استضافة الحوار، وإنتاج المعرفة، وتصديرها، وهي صورة لا تبنى بالخطاب المباشر، بل بالممارسة الثقافية المستمرة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة