نظم المخيم الثقافي في إطار فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، وتحت مظلة برنامج «أهلنا وناسنا»، ندوة لتسليط الضوء على التراث غير المادي لمحافظة السويس، وذلك ضمن سلسلة ندوات تهدف إلى إبراز أعلام المحافظات المصرية، وتسليط الضوء على ملامح الهوية الثقافية والفنية لكل محافظة.
شارك في الندوة الشاعر السويسي أحمد أبو سمرة، إلى جانب الأستاذة دعاء محفوظ، المشرفة على برنامج «أهلنا وناسنا»، حيث قدما رؤية متكاملة حول خصوصية السويس ودورها التاريخي والثقافي في تشكيل الوعي الجمعي المصري.
وأكد الشاعر أحمد أبو سمرة أن السويس كانت وما زالت مدينة عظيمة، لعبت دورًا بارزًا في مقاومة العدو الصهيوني ومنعته من التأثير على وعي المواطن المصري. وأوضح أن من أبرز ما يميز السويس «الحنة السويسي»، وأغاني المقاومة، والمواطن السويسي الذي ظل عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي الوطني.
وأشار إلى أن السويس تمتلك قطاعًا عماليًا ضخمًا، خاصة في شركات الأسمدة والبترول، وهو ما أسهم في بناء وعي سياسي واجتماعي متقدم. واستشهد بمواقف تاريخية مثل أزمة السويس وخطاب الرئيس جمال عبد الناصر، حيث كانت السويس أول مدينة تعلن رفضها وتؤكد استعدادها للمقاومة، كما كانت الشرارة الأولى لثورة الخامس والعشرين من يناير التي انطلقت منها إلى باقي المحافظات، لتؤكد ريادتها في الحراك الوطني.
وأوضح أبو سمرة أن السويس ليست مجرد مدينة حالية، بل مدينة ارتبطت بالبحر منذ نشأتها، وكانت قريبة من الإسماعيلية قبل أن تستقر في موقعها الحالي. هذا الارتباط بالبحر جعلها مدينة متحركة مع الماء، تتأثر به وتعيد تشكيل وعيها باستمرار. ومن المهن التراثية التي ارتبطت بالسويس «البنبوطية»، حيث كان التجار يتعاملون مع بضائع أجنبية ويبيعون منتجات مصرية، ما أسهم في انفتاحهم على ثقافات متعددة وزيادة وعيهم.
واستعرض أبو سمرة كيف أبدعت الجماعة الشعبية في السويس خلال فترات الحرب، حيث ابتكروا مسرحيات مثل «الخندق» وسينما الخندق، لتخفيف وطأة الاشتباكات الطويلة التي كانت تستمر لساعات. هذا الإبداع الشعبي خلق زخمًا ثقافيًا وفنيًا مميزًا، كما أشار إلى الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، الذي عاش في السويس وشارك أهلها تجربة المقاومة من داخل الخنادق.
وتابع أن السويس تشتهر بالحنة السويسي التي لا تُقام إلا فيها، وبأغانيها الخاصة التي تبدأ وتنتهي بالكوبليه، إضافة إلى أغاني «الحك» التي وإن كانت وافدة، فإن السويسيين أعادوا صياغتها بطريقتهم الخاصة. كما تمتلك السويس ميناء الأتكة وصياديها الذين يشكلون جزءًا من تراثها، رغم أن أغلبهم وافدون من محافظات أخرى، ما جعل الأمثال الشعبية في السويس مستمدة من الثقافة المصرية العامة وليست متأصلة محليًا كما في الصعيد. أما المأكولات الشعبية، فأبرزها «الصيادية» المرتبطة بالسمك والبحر، والتي تعكس طبيعة المدينة الساحلية. وكان للصيادين في الماضي زيٌّ مميز، مثل السديري والسروال، لكنه اندثر مع دخول الأجيال الجديدة والتعليم المجاني، ما أدى إلى تراجع العديد من المهن التقليدية.
كما لفت إلى أبرز الصناعات في السويس، كصناعة المراكب، إضافة إلى آلة «السمسمية» التراثية التي ارتبطت بالمدينة وأصبحت رمزًا فنيًا لها، مؤكدًا أن السويس دائمًا ما تجدد أفكارها وتبدع في مختلف المجالات، لتظل مدينة قادرة على الإضافة والإلهام.
من جانبها، أكدت الأستاذة دعاء محفوظ أن الشعب المصري، رغم الأزمات والحروب، قادر على التجديد والإبداع في ظل الظروف السياسية الصعبة، وهو ما ترك أثرًا ممتدًا حتى اليوم. وأوضحت أن الهدف من هذه الندوات هو تذكير الشباب بتاريخهم وتراثهم، واستضافة أعلام المحافظات المختلفة ليكونوا مصدر إلهام للأجيال الجديدة.
واختُتمت الندوة بقصائد شعرية للشاعر أحمد أبو سمرة عبّر فيها عن حبه الشديد للسويس، مؤكدًا أن المدينة ستظل رمزًا للمقاومة والإبداع، وأن تراثها الثقافي غير المادي يمثل جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية.