استضافت قاعة المؤتمرات بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته الـ57، اليوم، ندوة لمناقشة "شكري عياد.. آفاق المشروع النقدي وقضايا الواقع".
وقال الناقد الكبير الدكتور حسين حمودة، خلال إدارة الندوة، إن الكاتب شكري عياد يُعد واحدًا من أبرز المفكرين العرب الذين جمعوا بين الإبداع الفني والبحث النقدي العميق، مؤكدًا أن أعماله تمثل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يسعى لفهم التراث وإعادة قراءته بروح معاصرة.
وأضاف حمودة أن عياد كان دائمًا ملتزمًا بـالحرية الفكرية والاستقلالية في مساره الإبداعي، ما جعله نموذجًا للمثقف العربي الذي يجمع بين الرؤية النقدية والذائقة الجمالية.
ومن جانبه، قال الدكتور أيمن تعيلب، الناقد الكبير، إننا حين نتوقف أمام تجربة شكري عياد فإننا نقف أمام نموذج فريد يجمع بين الناقد والمفكر والفيلسوف، مشيرًا إلى أن كتب شكري عياد لا تقدم إجابات جاهزة، بقدر ما تطرح أسئلة معرفية واسعة تظل مفتوحة على التأمل والحوار.
وأوضح تعيلب أن شكري عياد كان يرفض الانفصال بين الشكل والمضمون، أو بين الجمالي والفكري، إذ كان يرى أن القيمة الجمالية للعمل الأدبي لا تتحقق إلا داخل سياق ثقافي وإنساني شامل، وهو ما انعكس بوضوح في قراءاته النقدية التي اتسمت بالعمق والاتزان.
وأضاف أن أحكام شكري عياد النقدية كانت تتحرك دائمًا بين الإشفاق والإنصاف؛ إشفاق على التجارب الإبداعية في لحظات تعثرها، وإنصاف لما تحققه من قيمة فنية حقيقية، بعيدًا عن القسوة أو المجاملة، وهو ما منح كتاباته طابعًا أخلاقيًا ومعرفيًا في آن واحد.
وأشار إلى أن المناهج النقدية عند شكري عياد لم تكن جهدًا فلسفيًا مجردًا أو استعراضًا نظريًا، بل أدوات تحليلية حية، يوظفها لفهم النص الأدبي والكشف عن بنيته الجمالية ودلالاته الفكرية، دون أن يفقد النص خصوصيته أو يحاصره في قوالب جامدة.
وأكد تعيلب أن كتابات شكري عياد، سواء في النقد أو الترجمة أو التأصيل النظري، تمثل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يسعى إلى بناء وعي نقدي عربي قادر على الحوار مع التراث والحداثة معًا، وهو ما يجعل العودة إلى أعماله اليوم ضرورة ثقافية، لا مجرد استعادة لاسم كبير من أسماء النقد العربي.
ومن جانبه قال الدكتور خيري دومة، الناقد والأكاديمي المعروف، إنه أحب كل ما كتبه المفكر الكبير شكري عياد في مجالات الإبداع والنقد، مشيرًا إلى أن عياد يمتلك صياغات دقيقة تجعل كل عمل يقدمه غنيًا بالفكر والتحليل.
وأضاف أن فكرة النوع الأدبي كانت بالنسبة له فكرة جوهرية، وهو ما دفعه إلى البحث المعمق في القصة القصيرة في مصر، حيث اكتشف في إحدى مقالاته أن هذا النوع الأدبي يمثل تأصيل الفن.
وأوضح دومة أن شكري عياد كتب عن الأديب أمين الخولي بعد وفاته عام 1966، مشيرًا إلى أن عياد قدّم عام 1944 دراسة عن القصة القصيرة، لكنه وُوجه بالرفض، وطلب منه أن يمسك بخيط الثقافة العربية التي لم تستقبل القصة القصيرة بعد. ومع ذلك، واصل عياد بحثه في الماجستير والدكتوراه، حيث درس نصوص أرسطو وترجم كتابه من اليونانية إلى العربية، مما عزز فهمه للشعر الأدبي وأثره على الأدب العربي.
وأضاف دومة أن تأثير شكري عياد على النوع الأدبي بدا واضحًا في مقالته الشهيرة «مشكلة التصنيف في الأدب» عام 1993، حيث تتبّع الدراسة من أفلاطون وصولًا إلى فهمه العميق للأدب. كما أشار إلى أن كتابه عن الأساطير يُعد مرجعًا في الترسيخ لفكرة العمل الأدبي، إذ كان يرى أن فكرة العمل الأدبي تراوده منذ البداية وحتى نهايته، وظل يبحث في جميع النواحي، لكن فكرة النوع الأدبي ظلت تراوده باستمرار.
وتابع دومة أن شكري عياد، في دراسته للقصة القصيرة، اعتمد منهجًا تفصيليًا منظمًا، حيث بدأ بتقسيم عمله إلى فصول وهي الفصل الأول: منابع القصة القصيرة والفصل الثاني: ألوان القصة القصيرة والفصل الثالث: فن القصة القصيرة، الذي بني عليه كل ما كتب لاحقًا عن القصة القصيرة في العالم والفصل الرابع: تمثل الشكل الجديد للقصة القصيرة.
وأشار دومة إلى أن في كل فصل كان شكري عياد يوضح كيف ترسخ هذا النوع الأدبي وأصبح له وجوده المستقل، معتمدًا على دراسة واسعة لمصادر ثقافية متنوعة، ما جعله قادرًا على بناء رؤية نقدية متكاملة حول القصة القصيرة في الأدب المصري والعربي.
ومن جانبه تحدث الدكتور محمد عبد الباسط عيد عن تجربة النقد عند المفكر الكبير شكري عياد، مشيرًا إلى أن مرحلة عام 1952 شهدت تحررًا ثقافيًا واضحًا، حيث لم يكن النشاط الثقافي معزولًا عن السياق السياسي والاجتماعي، بل كان مرتبطًا بالقضايا الوطنية والفكرية والاجتماعية.
وأضاف أن المنهج النقدي عند عياد لم يكن مجرد أسلوب تقني، بل كان قضية تفكير علمي وفلسفي، يعكس انشغال جيل كامل بالنقد العربي وتحديثه، وهو ما يشبه ما تحدث عنه الدكتور طه حسين حول الروح الثقافية في مصر وعالم العرب.
وأوضح عيد أن مسار النقد الأدبي قد شهد تحولًا كبيرًا في تلك الفترة، من التركيز على الأسلوب التقليدي والموضوعي إلى مناهج أكثر حداثة، شملت البنيوية والتحديث النقدي، وهو ما جعله قادرًا على تطوير فهم النص الأدبي من منظور شامل.
وأكد أن الكتابة والقراءة في منظور شكري عياد لم تكن مجرد ممارسة فنية، بل كانت فعلًا معرفيًا متكاملًا، يجمع بين التحليل النقدي العميق والقدرة على استيعاب الأبعاد الجمالية والثقافية للنصوص. وأضاف أن عياد لم ينظر إلى الأدب بمعزل عن الواقع، بل اعتبره مرآة للتجربة الإنسانية والفكرية، مؤكدًا على أهمية ربط النقد بالقيم الثقافية والفكرية التي تصنع الوعي.
وختم عيد حديثه بالإشارة إلى أن إرث شكري عياد النقدي يظل نموذجًا حيًا للمثقف العربي المعاصر، القادر على الحوار مع التراث والتفاعل مع الحداثة، وأن فهمه للنقد الأدبي لم يكن مجرد دراسة نصوص، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يسعى إلى تطوير الوعي النقدي في المجتمع العربي.