استضافت قاعة «ملتقى الإبداع»، ضمن فعاليات الدورة 57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، اليوم، ندوة لمناقشة المجموعة القصصية «جامع العملات القديمة»، للقاص والأديب شريف عبد المجيد.
شارك في مناقشة المجموعة كل من: الناقد الدكتور صلاح السروي، أستاذ الأدب والنقد بجامعة حلوان، والناقد والشاعر أمل سالم، بإدارة من قبل الدكتور محمد صلاح الدين، الباحث في الدراسات الثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة قناة السويس.
في مستهل الندوة، أكد الدكتور محمد صلاح الدين أن مجموعة «جامع العملات القديمة» تنطلق من بيئة مصرية واضحة، وتعبر عن روح المجتمع وهموم الإنسان المعاصر، خاصة في ظل هيمنة العولمة، وسيطرة القيم المادية على تفاصيل الحياة اليومية، مشيرًا إلى أن مؤلفها شريف عبد المجيد يرصد أثر هذه التحولات على الإنسان البسيط، ويكشف كيف تُشكل الظروف الاجتماعية والاقتصادية وعي الفرد ومصيره.
وأضاف «صلاح الدين»: «عدد من قصص المجموعة يقوم على صراع ثقافي واضح، يتمثل في الإنسان المتعلم الذي يحمل خلفية ثقافية ومعرفية، لكنه يُجبر على التخلي عنها والعمل في مهن هامشية أو ساخرة من أجل متطلبات الحياة»، ضاربًا مثالًا بقصة مُدرس دراسات اجتماعية يلجأ إلى العمل كمهرج أو ساحر، في نموذج إنساني يعكس قسوة الواقع، بعد انتهاء الرحلة بالهزيمة أمام ضغوط المادية وتفكك الأسرة والوحدة.
وتحدث الدكتور صلاح السروي عن القصة القصيرة بوصفها فنًا أدبيًا مستقلًا، قائلًا: «رغم تراجع حضورها في المشهد الثقافي خلال السنوات الأخيرة، تظل من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على التعبير عن اللحظة الإنسانية المكثفة»، مشيرًا إلى أن «بعض الجوائز الأدبية حُجبت في دورات سابقة بسبب قلة المجموعات القصصية المُقدَمة، وهو ما يعكس أزمة في الاهتمام بهذا الفن، لا في قيمته».
وأضاف «السروي»: «القصة القصيرة ليست حكاية ناقصة أو رواية مختزلة، بل فن قائم بذاته، يعتمد على تكثيف الرؤية، ودقة البناء، وشخصيات محددة الملامح، وقدرة عالية على التعبير عن المشاعر والرؤى التي قد تعجز الفنون الأخرى عن تقديمها»، معتبرًا أن «العلاقة بين القصة القصيرة والرواية تظل إشكالية، مع تقدم القصة القصيرة عادة في الفترات التي يصبح فيها الواقع مأزومًا ومضغوطًا».
وأشار إلى أن هذا الفن تعرض لاتهامات بعدم الأهمية، إلا أن أسماء كبرى، مثل تشيخوف ويوسف إدريس وزكريا تامر، أثبتت عبر تجاربها أن القصة القصيرة قادرة على مواجهة الواقع وكشف تناقضاته.
وفيما يتعلق بشريف عبد المجيد، قال «السروي» إنه ينتمي إلى هذا التيار الإنساني، ويقدم في مجموعته الجديدة عالم الإنسان المهمش والمهزوم، الذي يحاول التمسك بالحياة وسط ظروف لا تمنحه فرصة حقيقية للنجاة.
وتوقف أستاذ الأدب والنقد عند السمات الفنية لمجموعة «جامع العملات القديمة»، مشيرًا إلى اقتراب بعض نصوصها من العالم «الكابوسي»، في نقدها للرأسمالية والفساد والاغتراب، دون أن تكون استنساخًا لتجربة كافكا، وإنما رؤية خاصة مشبعة بالألم واللوعة الإنسانية.
ونبه إلى استفادة الكاتب من خبرته المهنية في الإعلام، إذ تتسم بعض القصص بروح التحقيق الصحفي، سواء في البناء أو تتبع التفاصيل.
وتناول نماذج متعددة من القصص، من بينها قصة أمين مكتبة إذاعية يتم تهميشه بعد الاعتماد على «الإنترنت»، وقصة مصور يصطدم بتطور التكنولوجيا، وقصص أخرى ترصد اندثار المهن القديمة، وتحول القيم الإنسانية إلى سلعة، والمأساة الفردية إلى محتوى استهلاكي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أشار إلى قصة الفتاة التي تلقي بنفسها من فوق كوبري قصر النيل، وكيف تتحول الواقعة إلى «ترند» يتداوله الناس دون اكتراث حقيقي بالمأساة الإنسانية.
وتحدث «السروي» عن قصة «جامع العملات القديمة» بوصفها نصًا رمزيًا، حيث تشير العملات إلى التراث والقيم القديمة التي يحاول البطل استثمارها ماديًا، ليكتشف في النهاية أنها فقدت قيمتها في منطق العصر الحديث، في دلالة على تصادم الماضي مع الحاضر، وسحق الإنسان البسيط تحت وطأة المادية.
ووجه الناقد والشاعر أمل سالم التهنئة للدكتور صلاح السروي بمناسبة فوزة بجائزة النقد الأدبي في معرض القاهرة الدولي للكتاب، خلال دورته الحالية التي تحمل رقم 57، معتبرًا أن هذا الفوز يُعد تتويجًا لمسيرته النقدية، وإضافة حقيقية لقيمة الجائزة والمشهد الثقافي.
وفيما يتعلق بالمجموعة القصصية للقاص شريف عبد المجيد، قال «سالم» إنها تعكس عالمًا إنسانيًا هشًا، وتقدم شخصيات تعيش على هامش مجتمع مضطرب وضاغط، تُمارس فيه القسوة بشكل يومي على الأفراد.
وأضاف الناقد والشاعر: «شخصيات شريف عبد المجيد تحمل داخلها ندوب الزمن، وتعيش حالة دائمة من القلق والانكسار، بين حساسية فردية مرهفة وقسوة وجودية حادة»، معتبرًا أن قراءة المجموعة يمكن أن تتم من خلال مسارين: الأول اجتماعي ثقافي، يرصد علاقة النصوص بالواقع وتحولاته، والثاني جمالي، يتناول البنيات الفنية واللغوية، حيث تقاوم اللغة التفكك والفناء، ويظهر السرد بوصفه أداة لكشف الألم الإنساني.
وواصل: «الكاتب يوظف تقنيات قريبة من السرد السينمائي والمونتاج، مع قدرة واضحة على اختزال الزمن، رغم امتداد بعض النصوص، والمجموعة تقدم مواجهة مباشرة بين الإنسان والعالم الاستهلاكي المفترس، حيث يتحول الحلم إلى سراب، والموت إلى مادة للتداول، والمأساة إلى محتوى رقمي، في إدانة واضحة لهيمنة ثقافة الترند والعصر الرقمي على القيم الإنسانية».
وفي ختام الندوة، وجه الكاتب شريف عبد المجيد الشكر للقائمين على تنظيمها وإدارتها، معربًا عن تقديره للنقاشات النقدية التي أثرت تجربته الإبداعية. كما هنأ الدكتور صلاح السروي على فوزه بالجائزة، ووجه الشكر للحضور على مشاركتهم وتفاعلهم.